وردة الضّوء


تصدير:      
(قال يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)     
(طه، 120)  
      

“تفّاحتي أنت” قال آدم للفتاة التي افتضّها منذ ساعة. “أنت تفاحتي”، “أنت ضوء البكارات في سجون الفظاعة”. ومدّ لها يده.” سننزل نحو التّراب وحيدين، ونبني لنا منزلا في التّراب، وحقلا لنا في التّراب، ونزرع في الأرض نبتا، ونحفر في أضلع الأرض بئرا ونشقى”. “ما الأرض يا سيّدي وحبيبي؟”. تقول له. فيقول. “مكان كهذا المكان، به حجر مثل هذا الحجر، وثمر كهذا الثمر، وأودية وكهوف، به ألف نجم يطوف” [1] “يشبه هذا المكان”. تكرّر في خدر.. ” قيل لي، إنّنا سنكون معا، وحدنا، في الخلاء. ستكون لدينا سماء على بعد ميلين، كهذي السّماء” . “نعم” قال آدم “. سنكون وحيدين، دون سماء، ستكون لدينا غيوم، ولكنّها لن تدفّئنا في ليالي الشّتاء، وسوف تدلّي السّماء لنا نجمة حين ننسى أصابعنا في تراب الغناء”. “سنشقى إذن”، “سوف نشقى كثيرا، سننجب أبناء، هابيل، قابيل، سيقتتلان، ويقتل هابيل من أجل ظل الشجيرة أو نهد صاحبة الحان. وسيأتي الغراب لتعليمنا جنّة الدّود”. “سأنجب؟”. “نعم، هكذا،”.. ومدّدها فوق عشب التلال المطلّ على الأفق، وأزاح الضفائر خلف العنق. ومرّر فوق الضلوع المعرّاة كفّيه، وثبّتها في سحاب المحبّة… [2] لم يشأ أن يحدّثها عن نهار بلا فضّة زائلة. ولا عن صباح بلا ماء. ولا عن صبايا يبعن الهوى في الأزقّة. ولا عن رجال بلا عمل. ولا عن حروب بلا هدف… “أحبك” قال لها “سوف نبصر نجما وراء السّقيفة، في نصف أعمارنا، حدّقي في سماء النّجوم، ستصدق، إن حلّ، أعمارنا” [3] “ليس ضلعا جسد المرأة هذا، ليس عظما أبدا. ليس شيئا واضحا كالأبد. ليس تفّاحا ولا قمرا. ليس شيئا واضحا كالأبد. ليس فجرا، ليس وحيا مرسلا للبشر. جسد المرأة هذا.. لغة. هذي اللغات له صدى”. قال آدم. واستعدّ ليفتضّ ابنته، “رقم كم؟” تردّد في الجوّ هذا السؤال. فلم يستثر، دفع الباب في قلق، ودون إيماءة سار نحو السقيفة حيث سرير العروس. [4] لم تفهم. الإيقاع أخبرها بأنّ الله فيها، وأنّ الكائنات فيها، وأنّ الكون فيها، وهي تشعر أنّ ليلا غير هذا الليل يكفيها لتولد ألف مرّة. مدّت يديها كي تمسّ الضلع، لم تجد الفراغ. خمّنت.. “لاشكّ أنّ الوقت أنبت عظمة أخرى هنا”. وتساءلت. “أكلّ عظم فيه أنثى؟”. “أكلّ ضلع فيه جسم كامن؟” قالت له… “ماذا أنا من دون حبّك !ما أكون؟

الليل حولي ساكن،

والموت يولد في السّكون.

بذرة الإنسان فيّ، وبذرة الشيطان، وبذرة الحيوان فيّ،

فمن أكون؟

جسدي جنان الأرض،

وروحي للجنون..” [5] لم يقل آدم شيئا. ضمّ فيها سرب طير جافل من رمية الصيّاد. ضمّ فيها النهر تقطعه على عجل ملايين الجياد. ومرّر في جدائلها أصابعه. تلمّس الماضي البعيد بضفّتيه معا، المقدّس والمدنّس، واشتمّ فيها ضوعة التفّاح، قضم الشّفاه بغلمة، فانهلّ قادوس المياه، واندسّت الكفّ الصّغيرة خلف عانتها. [6] قالت “لم تكن بالأمس تلمسني، فأشعر هكذا بالشّمس تشرق في المغيب”. “ماذا تغيّر يا أخي، يا سيّدي، يا حبّ عمري، يا أبي، بل يا حبيبي؟”. “تغيّرنا كثيرا” قال آدم. “الليل أصبح باردا جدّا، والنّهار، صار أطول. صار يلزمنا عبيد كي يقلّب بالمحاريث القويّة بطن هذي الأرض. صار يلزمنا صغار كي تصير الأرض وعدا ممكنا. صار حتميّا علينا أن نفكّر بالعمل. سأكون منذ اليوم زوجك، وليكن هذا المكان أوّل بيت صاغه الإنسان.” [7] “يكفينا تراب الذّكريات لكي نرى قمرا وراء السّور، يكفينا سحاب الصّيف كي نتذكّر الأمطار والماضي وزغردة النّساء العائدات من الحصاد. يكفينا المدى لنرى التواريخ القريبة والبعيدة”. قال آدم. “ما أبشع هذي الأرض، صرنا عجزة، صرنا أجسادا نخرة، نتوهّم خلدا، لكن، تقرضنا الأرضة”. “لو لم ننزل يا حوّاء، لو لم ننزل، أترانا الآن نشيخ ونكبر؟ أترانا نقضم تلك التفّاحة، أو ننقاد لوحي الحيّة؟” [8] نتذكّر أرواح من قتلوا في الحروب، ونسقي الشّجيرات قرب القبور لكي نفجأ الموت بالزّهرات الصّغيرة والعطر. نرى في السّواد البروق المحاطة بالأدعيّة، نرى في الطّلول المياه، وفي السمّ نبصر صرخة هابيل يقتل ثمّ يوارى التراب. نرى فقرة في كتاب الأساطير تتلى، نرى ما تراه الحقول، غيوما لنملأ طاس الوضوء وطاس الخمور معا، ونسقي خيول الرّحيل. [9] نغنّي ونبكي. نقلّد برقا ونطعنه بالرّدى. نغنّي ونبكي. نعلّق أحلامنا في حبال المدى. ونغزل من روحنا جسدا للربيع وأنشودة للنّدى. تجيء إلينا النّجوم الحبالى وتنسلّ من صوتنا نحو أحبابنا ياسمينا ووردا. وتأتي إلينا النّجوم. نسقّي أصابعها بالبنفسج والياسمين المندّى. نغنّي ونبكي. متى سوف يأتي الصّباح ويغرقنا بالرّؤى؟ متى سوف يأتي الحمام ويفتح نافذة في المدى؟ طال ليل العذاب. وها وردة الضّوء مسحوقة تحت نعل العدى. [10] لم يشأ أن يذكّرها بالرّحيل. كان يعلم أنّ القصيدة عمياء وأنّ البلاد تضيق. “سنعدّ الجيوش لنملأ أرض التوحّش حرّية، سنقتل كي تستطيع الحياة الحياة، سنخترع القنبلة، سنمدّ الطّرق، والقطارات سنجعلها تربط بين المناطق، والطّائرات سنجعلها تربط بين الحضارات، والصّواريخ بين الكواكب، أرى غدنا مشرقا”. قال آدم. فردّت عليه “أمّا أنا، فأرى عدما يترصّد أرضا تعبنا لنجعلها فكرة ممكنة، أرى عدما يتمرّد فينا لإفنائنا”. “لأجل ماذا نموت؟” [11] “أتأمّل الأيّام. أراها وهي تستعدي عليّ الليل. أصير الليل. يخرج من فؤادي الورد أسود. والجذور سوداء سوداء جدّا. لاشيء أبيض في هذا المدى الممتدّ. لا شيء أبيض. جثّتي سوداء. وهذا الأفق أسود. والأصابع فضّة سوداء. حتّى الكلام هناك أسود. لم أستطع إيجاد نجم كي أعلّق فكرتي في الغيم. قلبي تعلّق بالمدى وأصابعي تمتدّ كي تستصحب الغابات” [12] “ألوّن الدّنيا بغيم لا وجود له. وأدقّ مسمارا صغيرا في الهواء، أعلّق الذّكرى عليه لكي تجفّ وأمدّ عرقي في السّماء.” قال آدم. ويداه تمتدّان كي تتلمّسا الصّدر الصّغير.. تتلمّسان الصّدر. تتبلّلان بعرق اللذّة الوحشيّ. تتسلّلان لتلمسا الفخذ المغطّى بالحشيش الأخضر الجبليّ والنّعناع والصّندل المحروق والجاوي القديم. تتلمّسان برقّة. تتذكّران الأمس، حيث كان اللّمس بالأفكار، والحبّ بالأفكار. وتدعكان الجلد أعمق، تدعكان، وتدعكان.. وتوقفان الوقت. [13] “سيموت فينا الموت. لن نجد الخلود مناسبا. نكتفي بزرع صناديل الغواية كي نرى أقدامها في الجورب الصّوفيّ. نتأمّل الضّوء المعلّق في عيون الطّير. نمسك الضّوء البعيد عن اليدين من الشّفق”. قالت له “صرنا معا، الآن، أنت الأرض، هذه الأشجار أنت، وهذه الأثمار أنت، وهذه الأحجار… أمّا أنا، فأنا السّماء. جسدي ضباب في الهواء، وسرّتي الأسماء. ضمّني، وامدد جبالك في الضّلوع.. فهاته الأضواء،” وهزّت رمشها عن غابتين من النّدى ومن الزّبرجد والنّجوم، “هاته الأضواء منك، فيا حبيبي، لا تخف. إنّ الغيوم تريد تحريري معك. فكيف أهرب من نضالات الغيوم؟ وكيف أهرب من سماء أنت فيها الضّوء؟ وكيف أهرب من حصارات التّخوم؟” [14] “من أين جئت بكلّ هذا اللّيل؟” قالت له. فأجابها “من شهقة اللّيل التّي…” لكنّ حوّاء استمرّت في السّؤال. “من أين جئت بكلّ هذا اللّيل؟”. “من عينيك” قال. لم يدر ساعتها بأنّ الرّيح كانت في الكمون ورفرفت. وأنّ الماء كان حجارة وانهلّ أمطارا. وأنّ البرق كان… وها جواد البرق يخترق الفضاء بضفّتيه معا. “أتأمّل الأمطار فيك. أتأمّل الشّجر الصّغير المختفي في دكنة العينين فيك. أتأمّل الرّمل الجميل الصّاعد الإيقاع فيك”. قاطعته “سل منيّا في دمي، واقطف ورود الشّفتين. مازال صدري رائعا، اكشف تر الدّنيا هنا”. وتلمّست أضلاعها ضلعا فضلعا. قلت “أين؟”. فكرّرت “أنّى لمست وجدت قلبي، هاهنا أو هاهنا أو هاهنا…” وتلمّستني. قلت “أنت أم أنا؟”. فتماجنت. “جسدان أم جسد؟ شفتان أم شفة؟ أنت، أنت لست سوى أنا”. [15] كان آدم فكرة، عظما صغيرا ناتئا في هيكل الكلمات، ضوعة ياسمين، فرسا من الأضواء، ريحا ضائعا في الجوّ، أقوال أشجار مندّاة بفيض من نبوءات وليل من رماد. في عينيه منفى وحصار. قال لي “يا أيّها النّور الشّقيّ، يا أيّها الحظّ الغريب، أبديّتي موتي، أحلّق فوق أدخنة العوالم، عاليا، فوق الرّصاص، وفوق قرميد البيوت المبتلي بالدمّ، أسمّي غيمة صفراء أختا لي، وأبكي حين تحملها الرّياح إلى مخادع زوجها. أسمّي نجمة إبنا، وأبكي حين ينطفئ المدى. وأحبّ حين أموت أن أبدو كأوراق الشّجر، خضراء أو صفراء في قاع النّهر. يمضي بها ليل الدّنى نحو الظلام المحتمي بالقاع”. [16] لم أر حوّاء لحظتها. ركضت. أبصرت خيمات وراء التلّ. ورأيت المجد يورق في المساء ويطرح الأثمار. ثمّ حلّت بي الثّلوج. مدّ في روحي البياض نباله. واستحال اللّيل في قلبي قسيّا. غاب عنّي ما أرى. أبديّة الصّحو الجميل بعيدة عنّي. وليل الصّمت يثقل فوق صدري. لا أرى إلاّ الغياب، يجرّ قاطرة الغياب، وينتظر… لا أرى إلاّ هبوبا، في الدّواخل، يجرف التّاريخ والذّكرى. أفكّر. ليس آدم غير نهر… أدلّي الحبل أكثر نحو ذاكرتي. ليس أكثر من فراغ في ضمير الكون. أدلّي الحبل أكثر، ثمّ أعقد عقدة أو عقدتين، وأمدّ أجنحتي. لا أرى ريشا. أحلّق ناظرا نحو المدى. أهوي عميقا مثل أوراق الشّجر نحو الظّلام المحتمي بالقاع[17].


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق