وردة في صليب الحاضر نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية تأليف: جاد الكريم الجباعي

-*الكتاب : وردة في صليب الحاضر
-*نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية
-*المؤلّف : جاد كريك الجباعي
-*النّاشر : دار بترا ورابطة العقلانيّين العرب.
-*تاريخ النّشر : 2008

{{من المقدمة}}

نقد الأيديولوجية القومية العربية، والحركة القومية العربية، في ضوء النتائج المتحققة، في غير مكان من عالم العرب، لا في ضوء الأهداف وإعلانات النوايا، يرمي إلى إعادة التفكير في المفاهيم والمقولات والأفكار والتصورات التي تجذَّرت في الوعي الاجتماعي العربي بوجه عام، وفي الوعي السياسي بوجه خاص، في النصف الثاني من القرن العشرين، جرَّاء هيمنة قوميين وإسلاميين على السلطة وعلى اللغة وعلى مؤسسات التربية والتعليم والثقافة، في غير مكان، وإنتاج أوهامهم في الوعي الاجتماعي، الذي لا تزال تفتنه الغيبيات والأساطير والخرافات والأوهام وتستحوذ عليه. ولا يساورنا شك في صعوبة زحزحة المفاهيم والمقولات عن دلالاتها الراسخة، وفي صعوبة تقبل نقدها وإعادة إنتاج دلالاتها في نسق ديمقراطي جديد ورؤية ديمقراطية جديدة. ولا يساورنا شك أيضاً في أن هذا النقد قد يثير جدلاً، وقد يثير ما هو أكثر من الجدل، في ظل الرَّض المتواصل للشعور العربي. وقد يكون مبعث الجدل ألفة تنشأ بيننا وبين بعض الأفكار والمفاهيم والقيم، وألفة النظر إلى الموضوع من جانب واحد، ومن زاوية واحدة، وهي ألفة باعثة على كسل الفكر وجعله يجري مجرى العادة، في الموافقة والقبول، وفي الركون إلى الإثبات، وفي التوجس من النفي، بل من مجرد الشك، أو باعثة على إيثار السلامة، وما من سلامة؛ «فذو العقل يشقى…» لكن الكاتب يتوخى نقاشاً، قد لا يكون هادئاً من حين إلى آخر، ولكنه يظل مع ذلك نقاشاً. والنقاش رديف الحوار (dialog)، الذي قال فيه إدغار موران: إنه «ينتج حقيقة جديدة ليست لأي من المتحاورين، بل لهما معاً، لأنها قائمة فيهما معاً».

السؤال الذي فجر النقد سؤال بسيط طرح ويطرح مراراً: لماذا حدث ما حدث في العراق وفي سورية ولبنان، وفي مصر والسودان والجزائر وغيرها؟ وتتناسل منه أسئلة أخرى: لماذا لا يزال الاستبداد مقيماً في بلادنا إلى جانب الفقر والجهل والمرض؟ ولماذا لا يزال الخارج يحدد مصائرنا بإرادتنا المستلبة، ويدخل إلينا من شقوق مجتمعاتنا وصدوعها، فنحمل عليه ولا نحمل عليها، بل لا ننفك نزيدها اتساعاً وتصدعاً؟ أو لماذا لا نزال يكفِّر بعضنا بعضاً، ويخوِّن بعضنا بعضاً، ويقتِّل بعضنا بعضاً؟ أو لماذا لا نزال نستهين بالكرامة الإنسانية، بل بالحياة الإنسانية؟ لكن السؤال البسيط لا تطفئ ظمأه إجابات بسيطة أو مدلَّسة، كتلك التي كنا نكررها إثر كل هزيمة أو نكسة أو احتلال أو حرب أهلية، ما دام جل ما حدث ويحدث من صنع رؤوسنا وأيدينا. لذلك صار هذا الكتاب.

وحين صدرته باقتباسين من هيغل ورينان سألت نفسي: هل يحتاج الاعتراف بالواقع، كما هو، والانشغال به، والاشتغال فيه، إلى تبرير، أو إلى حجج نظرية، كالتي صدرت بها كتابي؟. ولأمر ما أبقيت على التصدير.

فالاقتباسان، من هيغل ومن رينان، مقدمة ونتيجة، تكشفان مقاصد الكاتب. من البداية. وتجعلانه مضطراً إلى الاعتراف بأنه لا يقدم للقارئ بحثاً «علميا»، أو عملاً نظرياً. فإما أنه يصادر على المطلوب، وإما أنه يتدرب على التفكير. الافتراض الأول ينطوي على عنصر أيديولوجي بالضرورة، والثاني محاولة للتحرر من شباك الأيديولوجية وشراكها. وقد وضعت التفكير في مقابل الأيديولوجية، لأن الأخيرة صارت عقيدة تقتضي التسليم والقبول، أو مذهباً يقتضي الإيمان. ذلكم هو أحد وجوه أزمتنا الراهنة، أزمة التوتر والتنابذ بين الأيديولوجي والواقعي، بين ضغط الحاجة وإلحاح الرغبة و«هذيان الهدف» وتوهج الحلم، ثم انكساره من جهة، وبين مطلب الفهم والتعقل والإصاخة لهمس التاريخ، من جهة أخرى. وفي الحالين لا يدعي الكاتب أنه على صواب، أو أنه قد تحرر كلياً من ربقة الأيديولوجية. والحكم الأخير للقارئ، لا للناقد فقط، فكل قارئ ناقد.

أول شرط من شروط التدرب على التفكير هو التدرب على الشك والتحرر من سحر الكلام. ولا سيما الشك في أكثر الأفكار ألفة وفي أكثر المفاهيم شيوعاً، وفي تلك التي تبدو بديهية. والشرط الثاني، المؤسس على الأول هو التحرر من الأطر الناجزة والأنساق المغلقة والأفكار والتصورات السائدة المسلحة بقوة «الرأي العام» و«الحس السليم» و«العقل السليم»، لأن شرط السلامة هو بالأحرى شرط ذاتي، أيديولوجي أو عقائدي، وبالجملة هو شرط اجتماعي. تعيِّنه الثقافة السائدة، بوجه عام، والثقافة السياسية، في موضوعنا بوجه خاص.

{{أعلى الصفحة}}

{{كلمة الغلاف}}

ما زال السؤال قائما: “لماذا حدث ما حدث في العراق وفي سورية ولبنان، وفي مصر والسودان والجزائر وغيرها؟ وتتناسل منه أسئلة أخرى: لماذا لا يزال الاستبداد مقيماً في بلادنا إلى جانب الفقر والجهل والمرض؟ ولماذا لا يزال الخارج يحدد مصائرنا بإرادتنا المستلبة، ويدخل إلينا من شقوق مجتمعاتنا وصدوعها، فنحمل عليه ولا نحمل عليها، بل لا ننفك نزيدها اتساعاً وتصدعاً؟ أو لماذا لا نزال يكفِّر بعضنا بعضاً، ويخوِّن بعضنا بعضاً، ويقتِّل بعضنا بعضاً؟ أو لماذا لا نزال نستهين بالكرامة الإنسانية، بل بالحياة الإنسانية؟ لكن هذا السؤال البسيط لا تطفئ ظمأه إجابات بسيطة أو مدلَّسة، كتلك التي كنا نكررها إثر كل هزيمة أو نكسة أو احتلال أو حرب أهلية، ما دام جل ما حدث ويحدث من صنع رؤوسنا وأيدينا”.

يحاول الجباعي في هذا الكتاب التصدي للإجابة عن أسئلة مصيرية راهنة تمس جميع المجتمعات العربية، خاصة من ناحية إخفاقها في إنتاج أنظمة حكم قادرة على مواجهة تحديات الحداثة بركائزها الديموقراطية والعقلانية والعلمانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق