“ورَّاق الحب” لخليل صويلح:

تتمحور رواية خليل صويلح “ورَّاق الحبّ” التي صدرت طبعتها الثالثة عن دار الشروق 2008، حول شخصية الراوي الذي لم يذكر اسمه، وسنصطلح على تسميته هنا بـ”الورَّاق”. ويبدو لي أنّ ولوج عالم هذه الشخصية هو الباب الوحيد، للنفاذ إلى عمق هذه الرواية الإشكالية، وفهم معمارها الغريب.

يبدو الراوي “الورَّاق” الذي سلخ ثلاثين عاماً من شبابه في قراءة الروايات ونقدها، مراهقاً عابثاً يلفت النظر إلى نفسه بطريقة تثير حنق القارئ طوال العمل. يبدأ نصّه باعتراف صريح بأنه يكتب رواية “تختزل” الروايات التي قرأها طوال ثلاثين سنة، فهي كتبت: “لإشاعة الحبور في روحي المضطربة”. ويمرّ على معلّمي الكتابة والحكي والرواية والسرد عبر العصور، منتحلاً من هذا ومقتبساً من ذاك ومقتطفاً من الثالث، متكئًا على الرابع… من دستويفسكي إلى ماركيز، مرورا بكونديرا ويوسا، ومن ابن عربي وابن الرومي والشيرازي، إلى محمد عبده ورولان بارت، ومن ماركس وفرويد إلى جويس وبورخيس…الخ. ودون أن يغادر أيًّا منهم قبل أن يقتنص منه مقطعاً أو عبارة. ويقول دون أن يطرف له جفن إنّه كان على وشك انتحال 130 صفحة من رواية بريد بابلو نيرودا، واكتفي بثلاث صفحات! ولا يتهيّب رباً مثل أوفيد ينام بأمان الأرباب في عليائه، فيسلبه صفحتين دون أن يوقظه. ويعرّج على يوسا فيذكر أنّه مرشح لرئاسة بلاده، ويسلبه صفحتين من مديح الخالة. ويتجاسر على حمى محيي الدين بن عربي، فيختلس مقطعاً من ترجمان الأشواق ويدسّه بين مسروقاته. ولتأثيث المكان يستخدم المعلّم باشلار شخصياً. بل إنّ بناءً جميلاً مثل محطة الحجاز لا يسلم من جشعه، فيحاول استلهامه بنيوياً. وهو-الراوي- يعلن أنّه متأثّر بهنري ميللر، وهذا سيكون ماثلاً بالفعل من بداية النص إلى نهايته، بسرده المميّز بالتهكّم والعمق والمباغتات المبهرة، والصور الجنسية الحارقة. وفي هذا السياق يحدثك الورَّاق عن “شخصياته”! الروائية التي تحوم حوله: راسيلنكوف، متعب الهذال، هاملت، مدام بوفاري، كارمن، شيرين! والنسوة هنا لا يكتفي باستعارتهنّ كشخصيات روائية! ويطبّق عليهن الوضعيات المنصوح بها في الكاماسوترا، الأمر الذي يزيد من حنق القارئ وقهره.

لكن”الورَّاق” لا يكترث، ويعلن مطمئناً انه اعتمد في عمله على قواعد الانتحال الخمس التي وضعها برناردو اتشاغا شخصياً!
ويبرّر ذلك بالقول حيناً إنّ الحياة ذاتها قائمة على التناص. وحينا يلوذ برولان بارت الذي يرى الأدب طبقة تقوم فوق طبقة، متجاهلاً أن نصه قطع فسيفساء مرصوفة بجوار بعضها البعض، وعموماً تبدو مسألة كون التبرير مقنعا من عدمه، لا تعنيه أصلاً.

وتمضي روايته ذات الـ”112″ صفحة على هذا النحو من القصّ واللصق لمقاطع وصفحات طويلة كاملة من روايات الآخرين وكتاباتهم، مكتفياً بالتلمّظ والتشهّي، دون أن يقدّم شيئاً يذكر من ابتكاره، سوى وصف مقتضب – في الفراغات بين الصفحات- لنساء يطاردهن بالسياط عبر شارع “كونديرا” الضيق، الذي حذّر من حشر الشخصيات فيه، خدمة للتوتر الدرامي، دون أن يتقيد بوصية أستاذه هذه. بل إنه حتى لا يعرّض بطله إلى أيّ اختبار جدّيّ، فهو على طول الخط يدفعه إلى الأمام ناصباً أمامه امرأة وراء امرأة، وباستثناء جفّاف قلم الحبر لم تصادفه أيما محنة. وتنتهي الرواية ببساطة شديدة باندساس الراوي في سرير الطالبة الجامعية، التي يوهم القارئ بأنها غريرة بلا تجربة، ثم يوهمه بأن العكس صحيح أيضاً، ثم يمحوها مقرّاً بأنها كانت محض انتحال، مع ذلك يرسلها إلى ضيعتها لينفرد بزميلتها في السكن، التي أدخلها إلى عمله مصادفة، ونسي أن ينكحها داخل السياق، وباستدراك هذه الهفوة، تكتمل أحداث الرواية، وتنتهي كتابتها بوضع العنوان المفارق ظاهرياً لمضمون العمل”ورَّاق الحبّ”. وأقول “مفارق” لأنّ النص يبدو من الخارج، مرشداً سلساً في الفنّ الرّوائيّ، ويشابه من هذه الناحية كتاب “يوسا”: “رسائل إلى روائيّ شابّ”، الذي يكاد أن يكون رواية أكثر مما هو رسائل إرشادية.

لكنّ هذا الوصف لا ينتقص بحال من فنّية العمل، فالقارئ مهما كان راديكالياً ومنهجياً في قراءته، لن يستطيع أن يجد مقتلاً في العمل يبيح له الحكم عليه بـ”الخارج روائية” مثلاً… فالتوتر بين الراوي والمتلقي متمثلاً في الحنق، والفنية العالية والنقلات المحسوبة ببراعة ما بين مقتبس وآخر، المتعة والترفيه، الخفة المبهجة، المعرفة، والمعرفية العالية، يقظة الراوي- كمذنب- الذي يرتاد أرضاً يعرفها جيداً، ولا يستسلم لإحساسه بالتدفق ولا لجملة واحدة، وتنبهه لانتقادات وملاحظات وتفتقات ذهن المتلقي المعادي -ولا شك- المحتملة، ودحضها ببراعة وحوارية مضمرة فائقة الذكاء، لحظة بلحظة… كل تلك عناصر وتقنيات تثبت القارئ أمام النص، وتلزمه القول بأنه قرأ عملاً جميلاً، ولم يضيع وقته سدى…

ولكن لماذا لجأ ورَّاقنا إلى هذا الأسلوب الشاذّ في بناء نصه، وكيف تقرأ “سيرة الكائن الخفية”، من داخل هذا السرد، باعتباره “الحياة السريَّة للمشاعر”، كما يزعم كونديرا؟

أعتقد أن الورَّاق رغم اقترابه من الأربعين، وبحسب سلوكه داخل الرواية، وبالطريقة التي كتبها بها، ليس سوى مراهق يرزح تحت عقدة خجل ثقيلة، قرر فجأة أن يتخلص منها، بكتابة رواية يواجه بها العالم عارياً. خاصة موضوعي خجله الرئيسيين: النساء، والفشل.

فتفحص طفولة البطل، التي يُرد إليها كل العالم النفسي الناضج للكائن البشري، وإعادة تجميعها كما وردت مبثوثة في الرواية، تشير بوضوح إلى نقص في المحبة عانى منه البطل الذي عاش سنواته الأولى في كنف جدته. وأين كان والداه، كان الأب غائبًا معظم الوقت، أما الأم فيصمت عن ذكرها “خجلاً”.

إن الجدة التي تحوك رواياتها بقرن الغزال لن تتفهم بالتأكيد طفلاً ذكياً، يلتصق بحرمانه وحزنه، وإحساسه العارم بأنه غير محبوب، مهجور، ولا يعني بفهمه أحد. هذان: نقص المحبة، وعدم الفهم، يؤهلانه لمشاعر الخجل والدونية، خاصة أمام النساء، باعتبارهنّ المربّع الأوّل لاختبار المحبّة والتفهّم معاً. وهو بالتأكيد سيلاقي الفشل. الفشل هذا لن يقتصر على العلاقة مع الجنس الآخر، هو بدوره عامل مؤهّل للفشل الحياتي، بما يفرضه على الطفل من ضروب الكف والحصر، فيتلازمان في مخياله، ويغدو النجاح لاحقاً سبيله المحتمل إلى النساء، بعد أن يفقد ثقته بقدراته الذاتية، فينشده… لكن ليس من كل سبيل، بطلنا خجول، وهو يستطيع أن يستعرض ذكاءه ومواهبه بطريقة مكتوبة على وجه التحديد، فلا عجب أن يصبح كاتباً. لكن كتابة الروايات التي اختارها تحتاج عيشاً وتجربة وحياة، يعرف القليل عنها عملياً، بسبب ما يفرضه الخجل من عزلة… هو يعرف كل شيء عن الروايات، لكنه لا يجيد عيش أيّ منها، فهو بلا إرادة شاملة ومستقرة، يباشر أعمالاً كثيرة يعجز عن إنهائها، وجهوده بصددها مبعثرة… ويجد نفسه عالقاً عند حاجز الإنجاز… عند هذه النقطة تبدأ الرواية فعلياً. إن ورَّاقنا يقوم بمحاولة انقلابية كبرى-من وجهة نظره- على نفسه، عندما يقرر أن يقهر عقدته/ العاهة، ويتحرّر منها. وهو حين يختار الكتابة أداة في صراعه الداخلي، لا يفعل ذلك من منطلق العلاج المعروف بالتداعي الحرّ، ولا من منطلق استحقاق التجربة للكتابة، إنه يفعل ذلك من منطلق يتأسس تحت الوعي، مؤداه أن الخجول في سعيه المحموم للتكيّف، يجد راحة لا نظير لها في احتياز موضوع خجله، احتيازاً مادياً محسوساً، بعد أن وصل به التركيز والعناد والمكابرة إلى حدّ الاكتئاب، وفقد السيادة على الذات، فيفرضها على المواضيع، كاحتياز جسد المرأة التي يشعر أمامها بالخجل والارتباك، مثلاً.

عندما قرّر الورَّاق أن يتخلّص من خجله، بدأ بالضرب يمنة ويسرة، فهو لا يشعر بالأمن، وبالتالي ليس أمامه سوى التحوّل إلى عدوانيّ، خاصة مع الموضوعات التي تثير خجله، وهم هنا الكتَّاب الذين فشل في مجاراتهم، فيعتدي عليهم، منتحلاً أعمالهم على نحو سافر وبلا خجل، فتلك “تعيد بعض التوازن إلى كياني المضطرب والهش”. ثم يواجه المرأة التي كان يقابلها خجولا منكّس الرأس لا يرى سوى أصابع قدميها، ممّا أوقعه في تثبّت جنسيّ مبكّر، فيلطمها بهذه الثيمة بالذات، النساء أدنى من الأقدام، “أصابع القدم هي المقياس النهائيّ لجمال المرأة”. ويظهر فظاً أرعنَ مع النساء، واخرقَ ووقحاً وجلفا، مستخفّ ومحتقر: “أنت تشعرين بفراغ عاطفيّ وأنا أتكفّل بهذه المهمّة”. “جررتها ورائي إلى نهاية الزقاق الضيّق المظلم، وقلت لها: ماذا لو بطحتك هنا؟!”. ويظهر وغداً حين يسفِّر “بهجة الصباح” –روائياً- لينال من صديقتها. أما مواجهته الأخيرة فهي مع القراء/الآخرين، الذين طالما عذبته العلاقة معهم.. وبقهره لهم، وتحديهم، بالبذاءة، واللغة الفاحشة، يقهر ذاته، و يبرهن على قوته، ويعبر عن حاجته إلى التحرر.
عندما يمتلئ الوراق بإحساس الراحة، و يواجه كلّ هؤلاء الذين دفعوه إلى الخجل، واجبروه على الوقوف في موضع الدونية، في لحظة التفريج تلك، يتحرر من ضروب الكف والحصر ومشاعر الدونية، وينبثق إحساسه الإنساني طليقاً وبلا عقد تثقله: “بلذة القص، وهي الحالة الإنسانية التي أكثر ما تكون شبهاً بالتحليق”. ويأتيه الإلهام بسلاسة، بعدما أرقته الكتابة في الأيام السابقة…

الولد الخجول في رواية “ورَّاق الحبّ”، مثل جدته التي كتب عنها يوماً في دفتر ملاحظاته:” جدتي أعظم روائية في العالم، حاكت بقرن غزال كل أحلامها وطلاسمها ثم استراحت إلى الأبد”. فهو يحوك روايته بأدوات بسيطة، ثم يستريح، بعد أن ترك لنا خبرته الفردية الخاصة، بسرد قد يعترض عليه الكثيرون، لكن قراءة متأنية، تثبت لنا مرةً أخرى، أن قانون الرواية يخترق كل القوانين، كما يقول ماركيز.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This