وسائل الإعلام وثقافة الجموع (1)

خلال السنوات القليلة الماضية، أفضت كثرة القنوات الإعلامية وتزاحمها واتخاذها الطابع البصري وسيلة رئيسية للانتشار والدعاية، بشكل لم يسبق له مثيل، إلى تبدّل جوهريّ في أشكال التلقّي ومجالات التأثير. وغالباً ما كان التبدّل الشكليّ هذا، على أهمّيته العددية الطاغية وسطوته التجارية، تبدّلاً مزيّفاً وخادعاً.

***


تحوّل القارئ إلى متفرّج، والمتابع إلى متلقٍّ، مما أخضع الاختيار الفرديّ المستقلّ إلى انتظار جماعيّ مفروض ومتماثل. أصبح العرض أكثر عدداً، وصار يغطّي اليوم كاملاً، وانقلبت القراءة البطيئة إلى مشاهدة لاهثة. ما كان يمكن مناقشته عبر الصحف والمؤلّفات الجادّة، كتابة وقراءة وتعليقاً وإبداء رأي، صار يتّخذ الطابع البصريّ السريع من خلال منوّعات ثقافية مجتزأة، وبرامج تلفزيونية وأنشطة دعائية، جعلت كلّ ما يقدّم في إطار تتالٍ صُورِيٍّ بصريٍّ لا يعرف التوقّف، ونتيجة البساطة والسهولة المعتمدة، اختفى الشرح والتعليق، أو بدا مختفياً تحت ستار من الوضوح والبساطة الأقرب إلى التسلية والترفيه اللذين دمّرا أوقات الفراغ. مع تراجع كبير كهذا للتفاعل الذهنيّ والنشاط العقليّ، تحوّل المتفرّج إلى متلقٍّ بلا ذاكرة متنبّهة، إلى متلقٍّ منفعل وسلبيّ ومحاصر. إنّه يرى ويشاهد. حسبه هذا. لكأنّ المشاهدة هنا هي الغرض بدل أن تكون هي الوسيلة المحفّزة. صار الحامل أهمّ من المحمول، فتشابهت المضامين، ولم تكسر الكثرة العددية جمود الذهن. الوسائط الجديدة، التي لم تتوقّف عن دمج الخدمات المقدّمة وخلطها، صارت عبر استعمال التقنية "الجائر" تقدّم كمّاً أكثر ممّا تقدّم نوعاً، فهي تطوّر قدرات الخدمة الإعلامية ومساحات انتشارها، من جهتَي السرعة والسهولة، ولا تطوّر الذهن الذي يتلقّى الخدمة. تهتمّ بالترويج والبيع، تعرض أكثر فأكثر لـتأخذ الأكثر، ولا يهمّها أوضاع من يدفع، معيشة ووعياً، قدر ما يهمّها جيبه الذي ينبغي ألا يتوقّف عن الدفع. فالتلفزيون مثلاً "يؤثر بطريقة قوية وشرسة، عبر الإكثار المفزع من أفلام الإثارة والعنف، ومسلسلات التسلية المنزلية الجوفاء، وبرامج المسابقات البليدة، وما يتولّد عنها من مشاعر ورغبات وأوهام، مع ما يرافقها من وسائل دعائية ترغيبية، تؤدّي في مجملها إلى إفراط مرَضيّ في تشجيع رغبة الامتلاك بأية وسيلة كانت ولأيّ شيء". إنها لآلة جهنمية، تشجّع تحقيق الرغبة الآنية وتجمّدها، عبر تحويل الامتلاك إلى حقل إغراء مستمرّ.  إنّ حيازة جهاز تصوير جديد، أو علبة شامبو، حسب الدعاية المرافقة لمواقع الانترنيت التجارية، أو أثناء عرض المسلسلات الجماهيرية، تنقلك إلى عالم "الحلم والخيال". ترى كيف يكون أثر الخيال الذي يبنى على فقاعة صابون، وأين يستيقظ الحلم، كأفق إنسانيّ حميم وخاص، طالما أنه صار ملكاً في اليد أو الجيب، أي صار سلعة للاستهلاك والإتلاف. ينتج عن هذا النوع من التواصل الجماهيري الغريزي إخضاع الواقع المركّب وجرّه إلى منطقة مسطحة لا فكر فيها، فما يعرض صافياً وزاهياً وجذاباً يحجب ما يحدث خفية ويبعده، وما كان مجالاً للسؤال صار فخاً للرغبة والانفعال.

***


يمكنك عبر جهاز صغير سماع أغنية ومشاهدة فيلم وإجراء مكالمة وكتابة رسالة وقراءة كتاب، لكنك لا تستطيع تنظيم مظاهرة حرّة أو نشر بيان اعتراض. إنّك مندهش من اليسر والبساطة ولا يهمّك ما يحدث عبرها، وما لا يمكنك تحقيقه خارجها. أنت "تعرف" و"ترى" و"تنتقل" من فضاء إلى آخر كما لو كنت في رحلة. الحقيقة أنك لم تغادر مكانك الجغرافيّ قدر ما توهّمت ذلك. كنت داخل نفسك لا غير، نفسك التي امتلأت بسواك دون أن تراه ولا تتواصل معه على حقيقته. خذ صفحة موقع الكترونيّ ما إخباريّ أو تجاريّ، سترى الإعلان المرافق، وترى الصور وترى المقالة وترى الخبر وفي وقت واحد. تخاطب الصورة العين، لكنّ الأخيرة تظلّ في اللحظة نفسها معرّضة "لصورة أخرى". أي أنها تتأثّر بأكثر من محتوى عرض في وقت واحد. يشكل هذا ضغطاً وتشويشاً على الذهن، وفي الوقت الذي تغري كثرة الصور بمشاهدتها يلغى عن الصور فرادتها وسياقها الزمني والجغرافي والنفسي الذي نشأت فيه.  هكذا وبطريقة غير مباشرة يتحوّل الفرد القارئ، وكلّ قراءة تجربة فردية بالأساس، إلى متلقٍّ عموميّ، فملايين من البشر سواك، يتلقون العروض نفسها. والأخبار توحّد الأثر نتيجة التكرار والتشابه، والصور تحتلّ العين نتيجة الكثرة. وبين الأثر الموحّد والحاسة التي تمّت السيطرة عليها، تتحوّل القراءة إلى مشاهدة انفعالية والخبر إلى مجرّد خبر يشبع غريزة إعلامية لا تنفكّ عن طلب المزيد.

***


لقد سُلِب منك تفكيرك العقليّ نتيجة السيطرة على انفعالك العاطفيّ، وصارت ردّة فعلك مرهونة بما قدّم لك في صورة جذّابة. ألغيت المسافة التي تحصّن الذوق وتمنع انحداره، وغُطّي الشأن المحلّيّ المؤجّل بسيل مستمرّ من أخبار العالم الراهنة، كأنما تمّ حبس الزمن في ازدحام الحاضر، وغرق العقل في ماء صورته. تسمع، وترى خبراً عن اعتقال صحفيّ أو كاتب في بلدك، ثمّ تشاهد تقريراً عن أسباب وفاة مايكل جاكسون، وترى بعدها انتحاريّا يفجّر نفسه في كراتشي، في حين أنك تعاني من مشكلة في مياه الشرب مثلاً أو أنّ خريجي الجامعات في بلدك لا يعثرون على عمل! ترى ما هو سلّم أولوياتك الآن؟؟ أين هي دائرة اهتمامك وتأثيرك الشخصي وفعاليتك الاجتماعية؟ لقد سُحِبتَ  إلى حيز جغرافي، ونفسي تالياً، هو أبعد ما يكون عن ما تعانيه أو تريده.

***


نقول مراراً، وكأن الأمر غدا مسلّمة لا تقبل الشك، إننا في قرية كونية واحدة، غير أنّ هذه الوحدة التي لبت عولمة اقتصادية شرسة، والتي كسرت الحدود في الظاهر، ضاعفت العزلة والعناء في الوقت نفسه، وشيئاً فشيئاً حوّلت الفضول نفسه، لفرط ملئه بكل شيء، إلى لامبالاة بأي شيء. هكذا صارت المتابعة إلى كسل، و"سماع" العالم الواسع العامّ أو رؤيته" إلى محوٍ للعالم الشخصيّ الخاص. هكذا، لا يمكنننا منافسة التلفزيون؛ بما هو عليه من ضخّ صوريّ عامّ وجماهيريّ، فالصورة أسبق وأقوى من الكلمة. غير أنّ الحوار مع الصورة حوار أخرس. فما يهمّ هو العرض، لا الشرح ولا التفسير ولا السؤال ولا الشك الذي يمكن أن يرافق العرض.

***


لقد ضاعف التلفزيون من إرباك عقل المشاهد، ففي دراسة لرصد الآثار الفيزيولوجية على دماغ شخص يشاهد التلفزيون، تبيّن أنّه خلال ثلاثين ثانية تحوّلت موجات دماغه، التي تبقى يقظة عادة حيث تحتفظ بانتباهها وقدراتها الإدراكية، تحوّلت إلى موجات تشير إلى نقص في تلقّي الانتباه، وفقدان القدرة على التركيز. لنأخذ هذا المثال : بدل أن نفكّر في موضوع مسلسل جماهيريّ ما، في علاقته مع الوضع والمرحلة التاريخية التي يتناولها، نفكّر في مستواه الفنّيّ وما يوفّره من متعة بصرية مرافقة، يدهشنا في جمال أبطاله ويجذبنا إلى متابعة مجرى أحداثه. لا يهمّنا حقيقة كيف عاش البشر حينها وما نتائج تلك المرحلة التاريخية على واقعنا الحالي، قدر ما يغرينا كيف أدّى الممثلون تلك الفترة، طالما أنّنا نتسلّى، وأنّ التسلية عادة لا تتطلّب الحرص ولا الدقّة ولا السؤال. تقوّي التسلية من رغبة النسيان، ذلك أنّها تنشط في جوّ من الكسل والضجر. لم يختر أحد منا الفكرة ولا الموضوع، لكننا مجبرون بطريقة ما على الخضوع لصورة لا تتوقّف عن النموّ، دون أيّ اعتبار لما كانت الحقيقة التي بني عليها العمل. فالأمر الفنّيّ، وهو ليس سوى وهم صوريّ لامع، أكثر قيمة، وفي الوقت الذي تعضّ فيه البطالة والقمع على قلوب ملايين من البشر، يحتفل العالم بصورة لا تمثّل حقيقته في شيء. على هذا كيف يمكن "لجماهير" مسلسلات وبرامج لا تولي الحقيقة قيمة ولا الفكر مكانة، أن تحوّل المشاهدة المسترخية إلى فعل ذي قيمة، أخلاقياً وفكرياً على السواء.

***


يبدو أنّ التعدّد الثقافيّ والتنوّع الاجتماعيّ المدَّعَيان، لغةً ونمطَ تفكير، لم ينجحا في تجاوز التوتر القائم بين الفئات الاجتماعية، الدينية والقومية، سواء داخل الدولة الواحدة، أم بين أكثر من دولة. فالنماذج الحديثة للاتصال السهل، التي قدّمت مجال حرية شخصية لم نكن قادرين على تخيّلها منذ سنوات قريبة، لم تفض إلى تواصل اجتماعيّ أكثر رقيّاً، وبقيت الحدود العدائية الفاصلة ثابتة. ويعود السبب الأساس في ذلك الفصل والجمود إلى أنّ المحتوى الفكري، الذي يجري تداوله وإعادة إحيائه، عبر وسائط الاتصال هذه، محتوى ماضويّ وانتكاسيّ ومنغلق على نفسه. لقد وجدت الأنماط الثقافية السائدة والمسيطرة فضاء أوسع لتكريس قيمها، ولم يكن في وارد اهتماماتها إجراء مراجعة شاملة لما هي عليه نتيجة احتكاكها بأنماط أخرى، ثبت لبعضها أفضليتها وصلاحيتها لدى شعوب أكثر تحضّراً، فالقنوات الفضائية – التي عبرت الحدود بين الدول والقارات –  متجاوزة الكثير من الرقابات المتحكمة، فشلت في بثّ وترسيخ قيم إنسانية أعلى مستوى، وتنشيط لغة أكثر وعياً ونزاهة، ذلك أنها سخرت الفضاء لإعادة إنتاج قيمها السابقة. لقد غدا عالم الصور مفتوحاً أكثر فأكثر، لكنّ فضاء العقل شهد تراجعاً خطراً. هكذا يتجذّر الانغلاق على الطائفة والدين والعرق ضدّ الطائفة والدين والعرق الآخر عبر ظاهر صوريّ يدّعي أكثر ما يدّعي انفتاحه على العالم كلّه، غير أنّه ليس سوى انفتاح على شراسة الغزو الثقافيّ والنهم التجاريّ والصراع الايديولوجيّ، وما نشهده وشاهدناه طوال عشر سنوات مضت، وإلى الآن، لا يقدّم لنا سوى دليل مؤسف على أنّ الإعلام الجماهيريّ أفسد وشوّشَ ذهن من لم يكن قد أفسد بعد، وغذّى ميولاً وشعوذات تعيد الفكر العقليّ والنشاط الثقافيّ عقوداً إلى الوراء؛ ميولاً واتجاهات اعتقدنا أنّها جزء من الماضي الذي لن يعود.
                                      

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق