وسيلة تمزالي تروي سيرة جزائرية خاصة ومشتركة: عسر «التربية» غداة الإنتشاء بهوية أخوية وخلاصية ساحقة / وضاح شرارة

في الأول أو الفاتح من تشرين الثاني المنصرم انقضى 55 عاماً على اندلاع ما تسميه الكاتبة الجزائرية، وسيلة تمزالي، مع جمهور عريض من الجزائريين ومن غير الجزائريين، «الثورة» («تربية جزائرية/ من الثورة الى عقد السنوات السود»، دارغاليمار، باريس 2007، أو «تنشئة جزائرية/ من الثورة الى العشرية السوداء»، دار القصبة، الجزائر، 2009). وهي لا تخصص ما لا يدعو الى التخصيص والبيان، وجلي بذاته وفيها. فالوطنية الجزائرية، أو الهوية، مولودة من «الثورة»، أي من حرب التحرير أو الاستقلال. والثورة أو الحرب قطعت حبل السرة القسرية والمصطنعة التي ربط بها الاحتلال الفرنسي، طوال 131 سنة (1830 1962)، الولاية العثمانية المؤتلفة من ميناء المدينة المتوسطية المشهورة بالقرصنة المأذونة، ومن سهول الداخل الخصبة والجبال العالية والعصية والطرق المفضية الى قلب القارة السوداء، بحاضرته أو حواضره. والثورة مولودة من «شعب» الفلاحين والعاملين في الأرض، على ما لم تنفك تذيع بصوت جهير وحاد دعاوة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، ومن بعدها دعاوة الدولة أو الجمهورية الاشتراكية والشعبية.

[ الأسوار «النفسية»

والفلاحون وهم «آيت» (آيت سليمان، آيت فيمون، آيت فقايت… على ما هم في ضواحي بجاية) أو «اولاد» و«بنو» أي قبائل وعشائر ولدوا، سياسة واجتماعاً، من مصادرتهم على أراضي قبائلهم وديراتهم، ومن انتفاضاتهم على الاحتلال ومتوطنيه وأصحاب الأراضي المصادرة، وتربصهم به وبهم الثأر في سبيل «استعادة» الأرض المسروقة بالقوة والقهر والقتل. ولا ينتقص من الصورة أو الرواية هذه اندلاع أعمال التفجير والقتل التي آذنت، في اليوم الأول من تشرين الثاني قبل نيف ونصف قرن، بالحرب أو الثورة عن ايدي موظفين إداريين من رتب متواضعة، وجنود أو دركيين سابقين، وبطالين من غير عمل، وفتيان مدارس من غير تعليم. وكلهم أهل مدن وبعضهم مهاجرون سابقون الى «الحاضرة» الفرنسية. ولا ينتقص هذا من الرواية فهي تدمج فصول الحوادث ومراحلها وأطوارها بعضها ببعض، وتقدِّم فصولاً وتؤخر أخرى لتؤاتي الرسم أو المثال الذي تريده «الثورة» او «الجبهة» لنفسها.

فـ «أولاد يوم جميع القديسين» الذين أشعلوا حرب الاستقلال هم اهل مدن للوهلة الأولى السطحية والآنية. ولكنهم، في ضوء «علم الثورة» الجزائري والخصوصي، وقوانين هذا العلم، لم يكن أولاد الأول من تشرين الثاني إلا وكلاء شعب الفلاحين الكامن، ومندوبيه الموقتين. والبرهان على الدعوى ان الثورة لم يتماسك عودها، ولم يشتد، إلا حين انسحبت من المدن، وتوجهت إلى جبال الداخل الوعرة ووديانه، وفاءت الى جنح الفلاحين ولاذت بهم وبليلهم الداجي، على ما «وصف» المارتينيكي الفرنسي والجزائري فرانتز فانون في بيانه الملحمي «مستضعفو الأرض» (أو «معذبوها»، كما كان يقال على خطى طه حسين وقبل نشر روح الله خميني لواء الآية القرآنية المعروفة). والحق ان هذا جزء من الخبر. والجزء قد يكون معظم الخبر أو كله، على ما تزعم رواية الثورة، ويغلب على تأويله العام والأخير، وقد لا يكون إلا جزءاً، ولا يحسر عن معنى إلا تباعاً وكسرات.

وتتمة الخبر (الجزئية) هي ان من اضطروا الى ترك المدن الجزائرية الى الجبال والوديان لم يستقروا في «حضن» الفلاحين والمزارعين، ولا دخلوا في أمانهم وولايتهم وتحت جناحهم. وإنما حملهم التعقب البوليسي والاستخباري الفرنسي الشرس على الاعتزال في المواضع الحصينة والمنيعة، وعلى إحاطة انفسهم، و «جهازهم» الآمر والمركزي والمرتبي، بستارة صفيقة من الأرصاد والعيون، وحجاب أشد صفاقة من الظن والتشكيك والتهمة. فالحرب العسكرية المدمرة التي رد بها الحكم الفرنسي وقواته المحلية على أعمال التفجير والقتل الجزائرية الأولى لم تلبث ان ازدوجت «حرباً نفسية»، على قول بعض الضباط الفرنسيين «اللامعين» الذين اختبروا، قبل وقت قليل، الحرب البرية على انتفاضة «شعبية» ومسلحة منظمة في الهند الصينية، وهو اسم فيتنام وكمبوديا ولاوس يومذاك، وخسروا الحرب هذه. وقضت «الحرب النفسية» باستمالة السكان الوطنيين من أهل البلد الأصليين، وتجنيدهم بالترغيب والتهديد في صف قوة الاحتلال، واستدخال الجهاز الذي يقود الانتفاضة أو الثورة بهم.

وكان للحرب النفسية وهي كانت اجتماعية وجسدية وتوسلت بتجميع اهالي القرى البعيدة والمعزولة قسراً في «ضيع استراتيجية»- أثر عميق في حرب الاستقلال وجهازها ومقاتليها. فأدت الى نهش جهاز الحرب الحزبي والمنظم بالارتياب والشك المفرطين. وعزلته عن جمهوره المفترض، وعزلت اجزاءه و «ولاياته» بعضها عن بعض. وفرقت بين أجزاء «جبهة التحرير» نفسها، بعد ان فرقت بين «الجبهة» وبين «حركة التحرير الوطني» التي أنشأها العامل النقابي مسالي الحاج في فرنسا، وضوى إليها مهاجرين عمالاً في المرتبة الأولى. فلابست حرب أهلية دامية، كثيرة الجبهات المحلية وفظيعة القسوة والتعسف، حربَ الاستقلال عن فرنسا وعليها، وعلى المتوطنين الأوروبيين وأصحاب معظم الأرض الوطنية الخصبة والمصادرة. وفشت التصفيات في صفوف الجبهة والأنصار والأهالي، وأودت بعامة الأنصار والمؤيدين وبمناضلي القواعد، على ما سموا، على نحو ما أودت بالقادة المؤسسين.

فقتل قادة «امنيون» ذاع صيت بعضهم، مثل محمد بوصوف وكريم بلقاسم، من بعد، زميلاً «سياسياً» بارزاً هو أبان رمضان، غداة مؤتمر السومام (1956)، غير بعيد من بجاية، مسقط وسيلة تمزالي ومسرح طفولتها الى حين اغتيال والدها في خاتمة السنة التالية بيد «أخ» مقاتل. وتقول كاتبة «تربية جزائرية» ان مؤتمر السومام هذا أرسى الأبنية السياسية التي نهضت عليها الدولة المستقلة، تلية نصف عقد من السنين. وتقول ان «صاحب» الإرساء هو أبان رمضان، وأن زملاءه «قاموا عليه» وقتلوه. ولا تزيد. والزيادة كانت تقتضي التطرق الى ما ألمحت إليه الفقرات المتقدمة للتو، ولتتمة الخبر.

وفي تتمة التتمة ان جسم حرب التحرير أو الاستقلال، المدعوة ثورة، اضطر الى الهجرة القسرية الى تونس، وإلى المرابطة بالأراضي التونسية «جيش تحرير وطنياً» حجز بينه وبين الأراضي الجزائرية «خط (الجنرال) شال» المكهرب. وحجزت بينه وبين الجزائريين صفة سلكية وجهازية عسكرية تولى التمثيل عليها قائد أوحد هو هواري بومدين. وتذرع الرجل المعتزل والمترفع و «المتصوف» الذي لم يتشكك في إلهامه، ولا في حقيقة ندبه الى امر عظيم، بالحاجزين، الجغرافي والسلكي الجهازي. فخلّص جيشه من اضطراب الداخل ومنازعاته، وتعالى عن هذه وذاك، وأرسى ركن قوة وسلطان وولاية مستقل بنفسه ومصالحه. ونهضت الدولة الجزائرية الوطنية والاشتراكية، على هذا الركن.

فانتهك بومدين ما سعى أبان رمضان في إقراره مرجعاً وفيصلاً وهو «أولوية الداخل على الخارج» في رسم سياسات الحركة الاستقلالية وحربها. ويقتضي هذا حضانة شعبية حقيقية تتولى صوغ الحركة الاستقلالية، وتعهدها، والمراقبة عليها والتأليف بين منازعها وأجزائها وجماعاتها، على خلاف تربع القيادة السرية في مركز لا يُطاول ولا يحاسب. وهذا إقرار بافتقار الحركة الاستقلالية الى الصفة الشعبية السياسية. ودعا رمضان زملاءه المؤتمرين من قادة العمل السري وولاة الولايات أو المحافظات العسكرية والأمنية الى تقييد العمل الداخلي، العسكري والأمني، بقواعد حقوقية وقضائية إجرائية تحول دون استرسال التعسف، والثارات المحلية والعائلية وتحكّمها في سياسة «الجبهة» وأفعال المقاتلين. وهذا إقرار بأن العنف «الثوري» و «الجماهيري» هو ثمرة ضعف بنيان الثورة الشعبي والمشترك. واغتال شركاء رمضان شريكهم وزميلهم اقتصاصاً من منزعه الى كبح جماح عصبيات جنحت الى تسليط «قانونها» أو فوضاها على حركة أشبه بثورة بركان مضطرم بالحمم.

[ الشمس والمقهورون

وقد يبدو هذا بعيداً من سيرة وسيلة تمزالي الجزائرية، وترتيبها أو تنشئتها التي أسلمتها الى حوادث تاريخها، الخاصة والعامة المشتركة من غير انفصال على ما تريد صاحبة السيرة. وهي تقتصر على إلماحات تتعمد البقاء دون إحاطة تاريخية عريضة بمجرى حرب الهوية والاستقلال الجزائريين. فتروي بعض وقائع الحرب الخاصة والعائلية والعامة رواية مستفيضة ودقيقة، ومتصلة على نحو من الأنحاء. ولكنها تتحاشى، ما استطاعت الى ذلك سبيلاً، الإجابة الرأسية أو المباشرة عن اسئلتها الجوهرية وهذه تتناول العنف والإرهاب والانقسامات الداخلية والتوحيد القسري والتسلط القيادي وعداء الأجنبي وتقليده معاً وذلك في ضوء تقويم تاريخي عريض لحرب الهوية والاستقلال.

وتفاديها التأويل «الجامع»، أو الرأي «المحيط» بالوقائع من فوق (الوقائع) ومن خارج، أرادته الكاتبة، على ما أعتقد، إرادة صارمة وقاطعة. فهي في هذا، على ما تصرح، تذهب مذهب زيغموت باومان، البولندي الأميركي ودارس اجتماعيات المعاصرة «السائلة»، الى أن أحد وجوه الكليانيات (التوتاليتاريات) البارزة يقضي قضاء ملزِماً ومبرماً بالسكوت عن انفعالات الأفراد والآحاد ومشاعرهم، وتقديم الرواية («السردية») الملحمية والتاريخية الأسطورية على الأخبار والمرويات الجزئية و «الصغيرة»، على ما كانت قالت سميرة عزام الفلسطينية قبل نصف قرن. ووراء قولة زيغموت باومان مقالةُ ألبير كامو، «مواطن» وسيلة تمزالي الجزئي إذا جازت العبارة. فألبير كامو ذهب، على ما يذكِّر باومان نفسه في عجالة خص بها ألبير كامو في ذكرى انقضاء 50 عاماً على وفاة الكاتب الجزائري الفرنسي قبل 3 اسابيع، الى ترجحه بين شاغلين هما «الشمس»، كناية (جزائرية ومتوسطية) عن الجمال والافتتان، و «المقهورون» أو «الغلابة»، كناية إنسانية عامة عن طلب العدل في الاجتماع السياسي.

وتروي الكاتبة حادثة أو واقعة هي مَعْلم على سيرتها، وعلى منعطفات قادتها الى مراجعة نفسها ومحاسبتها، على ما لم تنفك تفعل (المراجعة والمحاسبة) والحق يقال. ففي اليوم العاشر من أيار 1963، في عام الجزائر الأول على التقويم القانوني، وكان بن بلة ( أو بللا) رئيساً خطيباً مفوهاً ويومياً، خطب الرئيس الخطيب الجموع الحاشدة في يوم الشجرة الذي أراده يوم مكافحة التصحر. وكان الى جنبه تشي غيفارا. ودعا الخطيب الجموع الى الاحتشاد، وغرس الغروس الفتية والواعدة حول سد حمِّيز، تحت شمس حادة وثقيلة. وتوافدت الوفود من انحاء الجزائر، ومعظمها من الشباب، فتيات وفتياناً. وجاءت الكاتبة، وهي يومها شابة في مقتبل العشرينات، مع شلة من أصدقاء كلية الحقوق في المدينة العاصمة. ومخرت جموعَ الوافدين سيارات أهل السلطان الجدد، قاعدين الى جنب سواقيهم، على ما تقضي «الأخوّة»، ومن غير ربطات عنق، على ما تقضي جلبة الحرب الأخوية بين الجزائر الحرة وبين المغرب الرجعي. وهذه السيارات فاحمة الزجاج، شأنها في بنوم بنه والخرطوم وواشنطن وموسكو وبيروت ومقديشو وغزة.

وحادت الشلة الصغيرة عن طريق الإسفلت تحاشياً للازدحام «أو انقياداً لفوضى متحدرة من الجدود». وملأ المحتشدون الطرق وسفوح الهضاب القريبة من السد والمفضية إليه. وداسوا في مسيرهم غروس «الأرضي شوكي» الطالعة وغير الناضجة بعد في هذا الوقت من الموسم. وقطفوا ما حلي في عيونهم منها، وما طالته أيديهم وحسبوا انه يسد جوعهم. وصادفت الشلة في طريقها الى ساحة الاحتشاد، في عز الظهيرة و «حين الظلال خيوط نحيلة في خمائل الجبل»، شجرة خرنوب كبيرة وظليلة. فارتمت تحت غصونها. والمارة يُصلون فتيات الشلة وفتيانها المتعبين نظرات إنكار وغضب. «فالتعب كان يبعث (في المارة) الانتشاء». وكانوا، هم، التمثيل على فتوة لعوب، على خلاف «الشعب الطيب» ونصبه التضحية فضيلة الجزائري الحق الأولى والأثيرة. وبينما كانت تدور مناقشة بين اهل الشلة على جدوى يوم الشجرة، وجهرت الشابة تمزالي تشككها في جدواه بعد ان كانت من أنصاره، تقدمت منها امرأة مسنة، تستند الى عكاز تعوض به ساقاً مقطوعة حلت محلها ساق خشبية قدت من خشب خشن، وأنحت بلائمة مريرة على المتشككة، محتجة احتجاجاً مسرحياً بإصابتها ووطنيتها معاً. فهي سمعتها تقول تحفُّظها عن مآل المزارع المرتجلة، وعن دلالة البادرة السياسية التي باشرها أحمد بن بلة. فنبهت المرأة، وهي صورة الشعب الجزائري الماثلة، الصبية المتحفظة والأنيقة والجميلة الى أن «ليقين الشعب حرمة لا تمس».

وللمشهد المرسوم (كتابة) بدقة فنية، بقية. فهذا «الشعب» الواحد والمتصل والمنتشي، خارج طوره، على شاكلة قوم أو جماعة مقاتلة تسير على تعبئة، تحمله الكاتبة على شبهين: واحد بصور الروسي آيزنشتاين في «إيفان الرهيب»، وآخر بلوحة بروغيل الشيخ أو القديم «العميان» تصديقاً للمثل الإنجيلي: «إذا أخذ أعمى بيد أعمى سقط الاثنان في حفرة». وقد يكون حمل الشعب هذا على الشبهين ابن وقته أو ابن وقت الكتابة، لا فرق. فهي انتحت عن صف «المقهورين»، أو المستضعفين المظلومين، ناحية على حدة، وتركتهم في تكتلهم المرصوص ومصهرهم ويقينهم وتعظيمهم التضحية والقادة، وشأنهم (تجنباً للكتابة: يعمهون، على رغم جوار الوصف لوحة بروغيل الصريحة وشريط آيزنشتاين، وهذا ليس رأيه في الجموع، على درج سان بطرسبورغ أو في سهل الموسكوفا، ورأي الرسام الإنجيلي، واحداً على خلاف إيحاء الكاتبة). وتعطف فتورها وانتحاءها على «بروز روعة المكان الآبدة». وتقيم الروعة من الفتور والانتحاء مقام السبب والعلة. ولا تغفل نسبة البحر القريب الى… ألبير كامو، و «أعراسه». وهي ترتب الجمال والمقهورين ترتيباً مختلفاً. فتقدِّم ذاك على هؤلاء. فهؤلاء، آلاف الرجال والنساء اللاهثين والمعرقين والطاوين الطريق والحجارة والغبار وحلم الكِبَر «خسروا الدور الأول في ارتسام مشهد السماء والجبال والبحر الكامل. فرد(ها) كمال العالم المنبسط الى نفسـ(ها)»، على قولها. وهي تعزو حالها هذه، أي انتحاءها واعتزالها وحِدَتها، الى عصيها التبني، وامتناعها منه.

وفيما هي على هذه الحال، كان الرئيس الخطيب يندد بأصحاب الأرض القلائل من الجزائريين الوطنيين، ويصفهم بـ «عملاء رأس المال العالمي»، ويذكر، بالاسم والصفة، بعض «العملاء» هؤلاء. ولم تسمع وسيلة تمزالي خطبة بن بلة في اثناء إلقائها. وأخبرها اصحابها وهم في طريق العودة الى المدينة ان الرئيس سمى آل تمزالي، أسرتها، فيمن سمى من «العملاء». ولم تفهم لتوها ما قاله رفاقها وأصحابها. وغداة يوم الشجرة، قرأت في الصحيفة الخطبة الرئاسية، ورأت بأم العين آل تمزالي في عداد «البورجوازية الوطنية» العميلة.

وهالها هذا. فهو أنكر على أسرتها القريبة، والدها وأعمامها وشقيقيها وأبناء عمومتها، وعليها هي، انتساباً جزائرياً عاطفياً جسدياً، وعملياً مادياً ونشطاً، لا يتطاول إليه الشك. وتحصي السيرة وقائع الانتساب هذا ووجوهه الكثيرة. وفي هذه الوقائع شراء السلاح وتهريبه وتخزينه خلسة ونقله الى المقاتلين. وفيها كذلك أعمال تحويل مصرفية، وتبرعات، وإيواء هاربين وملاحقين، والرواح الى الجبال وبعض مشاركة في القتال، وتحلق حول «جبهة التحرير» وتحت علمها. ونزلت الأسرة الثرية، المتحدرة من «ريِّس» بحر عثماني واسطانبولي خدم السلطان قرصاناً وتاجراً قبل ان يستقر بالمدينة البيضاء وفي أرياف الولاية الخصبة، نزلت عن اراضيها، ودُورها لطبقة المقاتلين «الوطنية» والجديدة طائعة مختارة، وفيما يعود الى وسيلة نفسها فرحة ومستبشرة. فتهمة من هذه حالهم، وهذا «سجلهم» بـ «العمالة»، ورصفهم رصفاً متعسفاً في باب «طبقة» واحدة لا مناص لها على زعم اصحاب التهمة من خدمة الأجنبي المحتل والمستعمر الى امس قريب، وإدخال الآباء والأولاد في الباب القسري وإقحامهم فيه أنّى كانت أحوالهم وحوادثهم، هذا كله اسفر عن وجه الثورة المستبد والمتصلب والظالم. وينم هذا الوجه بدوام ضغينة العوام من اهل العسر والضعف على اهل اليسر والقوة على رغم انقلاب الأحوال والمراتب، وانفراد من كانوا في حاجة وعوز وخوف بالسلطان وموارده ومخارجه.

[ «الشعب» البتّار

وهؤلاء، أهل الحل والعقد الجدد، هم حكام الجزائر والجزائريين، والعَلَم على «الشعب» الجزائري وكفاحه في حرب الهوية الوطنية والاستقلال، وصوت هذا الشعب المدوي والجهوري في المحافل كلها. وهم يقضون في الصغيرة والكبيرة، وفي الشاردة والواردة، بالإنابة عنه. وهم، شأن الشعب المقدس، لا يصح القول فيهم أنهم اخطأوا أو حادوا أو قصروا أو أفرطوا. فهم، على قول أحدهم في ثورة سياسية عظيمة «كتلة لا تتجزأ» ببعرها وبجرها. وهذا يحصن الثورة أو حرب الاستقلال في هذا المعرض، ويحصن أهلها الذين انتهت إليهم مقاليد السلطان في ختام حروب داخلية فظيعة العنف، من المسألة والنقد والمراجعة والمراقبة. ويُعمِل أهل السلطان حصانة الشعب المفترض في ردع المسألة والمراجعة والمراقبة، وفي قمع من يسألون ويراجعون ويراقبون. وسلاحهم البتار والقاطع هو الشعب الذي يصدرون عنه، ووحدته في حرب الهوية والاستقلال التي يريدون الصدور عنها، وهي متحجرة أو مجمرة، على قول زياد بن ابي سفيان، على حالها الأسطورية التي اختلقوها قبل الحرب وفي أثنائها وبعدها.

وفي حوادث الكاتبة الأسرية، عدا إسهامها في حرب الهوية والاستقلال من مواقعها ومواضعها، حادثة قاتمة تترجح السيرة أو «التربية» كلها بين دفتيها وقطبيها، هي مقتل ابي وسيلة تمزالي، حفيد تمزالي، اغتيالاً. وحركت التهمة الظالمة والمفتئة بالعمالة جرح الاغتيال العميق والثخين. فنصير جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وشقيق مشتري السلاح ومهربه وخازنه، وشقيق صاحب الحساب المصرفي واللاجئ الى سويسرا خشية الاغتيال والمفاوض بالتكليف خفية، ومن نزل الجيش الأجنبي دارته عنوة وحل ضيفاً ثقيلاً عليه انتقاماً من ميله الى الجبهة، قتله شاب جزائري من إحدى القبائل المقيمة بضواحي بجاية والعاملة في فلاحة اراضي آل تمزالي وزراعتها، في 11 كانون الأول 1957، الساعة الخامسة بعد الظهر (وهي الساعة التي قتل فيها أحد من رثاهم فيديريكو غارثيا لوركا بضاحية طليطلة، «وكانت عقارب ميناء الساعات في إسبانيا كلها تشير الى الساعة الخامسة»).

ومقتل الأب هو فاتحة السيرة ووسطها (تقريباً) وختامها. وتتدرج رواية الاغتيال من الوصف المجرد من التخمين، الى الافتراض والتعليل الاجتماعيين الطبقيين، فإلى شهادة رجل أَسرَّ القاتل إليه في زنزانة السجن التي شاركه إياها بخبر اغتياله حفيد تمزالي. وقاد الافتراض والتعليل الكاتبة الى الحسبان ان احد آيت فيقا وهم فخذ أو عمارة من آيت ايمزاعين (أو ايمزاين؟ أو أم زاين؟)، تعاقب الرومان والبرابرة والعرب والترك والفرنسيون على طردهم من ديرتهم وأرضهم، وكان آل تمزالي آخر من ملكوا الأرض وآلت إليهم أحد هؤلاء قام على المالك الأخير، وقتله ثأراً من الفاتحين السابقين والمتعاقبين كلهم، وجزاء بقائه بها بعد ان رحل الآخرون كلهم (وهذا تعليل ضعيف، فالفرنسيون لم يكونوا رحلوا بعد في 1957، وآذنت معركة مدينة الجزائر يومذاك بإرادتهم البقاء، وكانوا قبل سنة هاجموا مصر اقتصاصاً من مساندة دولتها الجزائريين وحربهم، وابتدأوا بعدها بناء خط شال المكهرب…).

وفي ختام السيرة يروي رجل شيخ ببيت حسين آيت أحمد، تعرّفه الكاتبة بـ «شيخ الدار» وعلى هذا فهو ربما والد حسين آيت أحمد، الى صاحبة السيرة أنه وأباها كانا صديقين متلازمين مثل اصبعي يد واحدة. وقال الشيخ لابنة حفيد، صديقه، انه كان مسجوناً ومعتقلاً بين يدي مديرية مراقبة الأراضي الإقليمية (DST). وأخبره المحقق ان صديقه قتل، وأن قاتل صديقه هو رفيق معتقله هذه الليلة. وأدخل المحقق الى الزنزانة «ولداً» روى للراوي وقائع الاغتيال. فأخبره أنه لم يكن يعرف من هو قتيله، وهو قتله لما دله إليه من كان وسيطه الى الانخراط في القتال في الجبال وقال له: أتريد القتال في الجبال؟ فما عليك إلا قتل هذا الرجل. وكان «الولد» أو الفتى، شأن أولاد كثر من بعده، ولا شك قبله، يريد حقاً القتال، في الجبال أو غير الجبال لا فرق. فحمل مسدساً ومغلف رسالة، وزعم انه يريد ان يبلغ الرسالة الى صاحب «مخازن السهل» باليد. وانتظر طويلاً خروج الرجل. فلما مد هذا يده ليتناول المغلف أطلق الشاب على الجهة اليسرى من الصدر رصاصة واحدة قتلت أبا رضا، فهوى على القاتل يسأله، على زعم ابنته، عن سبب تعمده قتله وهو لا يعرفه، ولم يره من قبل. وهي، اليوم، او يوم كتبت الأسطر الأخيرة من «تربيتها»، في 11 كانون الأول 2006، 49 عاماً بعد اغتيال والدها وهو في التاسعة والأربعين من العمر، تسأل عن السبب في قتل والدها، وتريد جواباً باسم حق الوالد القتيل في جواب لن يبلغه. ويدعوها الحق هذا الى سؤال بلدها، والإقامة على السؤال والإلحاح فيه، وإرساء «قصتها مع بلدها»، ورابطتها به، على السؤال إياه.

وتتردد بين فصول مقتل الوالد الثلاثة، أي طوال السيرة «التعليمية»، أصوات هوى الجزائر المحموم والنفور المرير منها. فالسيرة يتنازعها نازعان: واحد الى إيجاب «الحرب»، أو الثورة، وضرورتها، على قولها في العنف والإرهاب (وفي حادثة «الميلك بار» على وجه الخصوص، وهي رواها السينمائي الإيطالي بونتوكورفو في شريطه «معركة مدينة الجزائر» وقُتل فيها رواد مقهى بقنبلة صنعها نصير فرنسي يهودي للجبهة ودسّتها إحدى «الأخوات») وإلى تزكية الحرب عاملاً جامعاً في ولادة هوية وطنية وتاريخية ما كان لها ان تولد من رحم أخرى ومخاض آخر. ونازع ثان، يلابس الأول ملابسة حميمة، الى تحميل الثورة، ومقاتليها وقادتها وجمهورها العامي و «الشعبي» وقبائلها القديمة والآبدة وإسلامها، التبعة الكاملة والثقيلة عما آلت إليه من سلطان متعجرف وصلف متعال ومن تسليط للموت والموتى والشعائر والخصوصية على السِّير والحريات والإرادات والرغبات والنزاعات والبدايات والأجساد والتحفظ والنظر. وتنبسط سيرة وسيلة تمزالي وتربيتها (على «مثال» غير تعليمي ولا يفضي الى «علم») بين الوجهين، وفي ثنايا قسمات يتبادلها الوجهان وأقنعتهما الكثيرة، على ما يُرى في يوم الشجرة الذي مرت روايته الموجزة، ولا ينفكان يتبادلانها حتى الدوار، دوار القارئ ودوار الكاتبة.

[ «شعب» الإخوة الكاذب

والتمرين، على قول الفرنسيين، ينطوي على المخاطرة بمعاني السيرة والحوادث الكبيرة والجسيمة التي حاطتها وداخلتها، وبجلاء هذه المعاني على نحو لا يسوغ الاختلاط الهيولي والسديمي الذي رعته الثورة قبل ان يرعاه الإسلاميون وجماعاتهم وجبهاتهم القاتلة. ويشبه هذا شبهاً مخيفاً «ثورات» المشرق وحروبه الاستقلالية الوطنية ومقاوماته والهويات الخصوصية، العربية والسورية والفلسطينية والإسلامية السنية والشيعية، التي ولدت من الحروب والمقاومات هذه، أو من التحريض عليها. وتتردد في «تربية جزائرية» أصداء بعض سير المناضلين والمعممين و «موظفي» حركات التحرر ومنظماتها المحليين. فقيام الثورة الناصرية أو الفلسطينية، أو «الإسلامية» أو البعثية (كناية عن انقلاب عسكري وأمني بائس)، ورفعها لواء «الشعب» أو الاسم الذي تقاتل تحته وبالوكالة عنه وهي تقتل وتقتتل وتغتال وتأمر وترشي وتحرض وتعمّي فوق ما تقاتل قيامها وحده ينصبها حادثة وكياناً عظيمين لا يحاط بهما، ويتعاليان عن الرواية والتجزيء والجواز.

فالثورة الجزائرية، أو حرب الهوية والاستقلال، المولودة من احتلال استعماري واستيطاني طويل ومدمر تهدد اركان حياة الجزائريين، على معناها الطبيعي والبيولوجي، وتهدد مقومات تعرّفهم انفسهم افراداً وجماعات و «شعباً»، اندلاع هذه الثورة عن يد من اشعلوها وتصدروها وحكموا من بعد بوكالتهم عنها، يُروى حادثةً واحدةً. وهي معنى واحد مركوز، الى الأبد ومنذ الأزل، في كتلة الهوية والشعب الجزائريين (ويطلب الفلسطينيون والعروبيون والإسلاميون الأمر نفسه لأنفسهم وثوراتهم ومقاوماتهم و «حروبهم» و «الدول» التي تساندهم وتستعملهم). وكمال المعنى الواحد يمتنع من الرواية والنظر والتأريخ. وقد يتخلل سيرة السيدة تمزالي قص بعض الحوادث والأخبار الثورية المأسوية مثل اضراب التلاميذ والطلبة الثانويين والثانويات في 1956 انتصاراً «للجبهة» والمقاتلين، وطلباً للالتحاق بها وبهم في الجبال، وتعمد قيادات المقاتلين توقيت انتقال التلاميذ والطلبة في ضوء القمر الفاضح استدراجاً لقتل المتطوعين قنصاً، وهم يجتازون الوديان، ومثل إعدام المقاتلين الرجال المقاتلات المتطوعات دفعاً لخلاف الرجال عليهم، واشتراط بعض المقاتلين فحص بكارة المتطوعات للقتال -. ولكن هذا لا يصنع رواية، أي كثرة وانقساماً وحوادث جائزة ومتواردة ومتصلة معاً. فالكاتبة «تقر» للثورة، ولأصحابها الرجال الذكور والفحول القادمين من قاع التاريخ الجزائري القبلي والإسلامي المعدم والمحطم، ليس بالسبق وحده والمبادرة، بل بإيجاب وابتداء مطلقين، وبوحدة لا فطور فيها، على قول قرآني، ولا تفاوت. فالثورة «كتلة»، على ما مر القول، منذ رصاصتها الأولى، واغتيالها الأول، الى حشرجتها ولفظها انفاسها في مَقاتل الإسلاميين المسلحين والذباحين والمغتصبين وباقري البطون وساملي الأعين.

وهي، الثورة، أخرجت المقهورين والمستضعفين من المهانة والإذلال وطأطأة الرؤوس وانحناء الأعناق وتقبيل الأيدي والقول نعم جواباً واحداً، و «صهرتهم» أخوة، على قول سارتر في وصف مثال الثورة وهو عين على مسيرات 1793 وعين على «حركات» الجزائريين أو ما يقصه فرانتز فانون عنها. وزعمها هذا، وانتصابها ابتداءً، حمل المقاتلين بين يديها وأنصارها ومداحيها، أي الإخوة كلهم، على إنكار سوابق مهدت الطريق إليها، ويترتب لأصحابها (أصحاب السابقة) بعض الدَّين على «الشعب»، وهم جزء منه وبعضه. وأهل السيدة تمزالي من اصحاب السابقة. ومن اصحابها جزائريون كثر، عامة و «خاصة»، بورجوازيون وملاكو ارض، وعمال مهاجرون، ومتعلمون، ونقابيون، ومُعَمَّمون وموظفون متحدرون من طبقات تقليدية وجديدة متفرقة. وبعض هؤلاء انتظم في حركات سياسية، معتدلة أو متطرفة، وتعاون بعض الوقت مع المستعمر ثم تحفظ عنه، ويمم شطر «إخوته». ومعظم هؤلاء كان يُتوقع ان يسهم في حركة الهوية والاستقلال، وينخرط جزءاً من الشعب الجزائري في حركته الوطنية الجامعة.

ولكن الثورة أنكرت على هؤلاء، أي على «الطبقات» والجماعات التي نشأ بعضها عن الاستعمار ومنه قبل ان ينقلب عليه، أنكرت عليهم نسبتهم، وتاريخهم وهويتهم. وهي أنكرت، من بعد، على المتعاونين فعلاً جواز الاعتذار والتكفير، وقتلت ثأراً عشرات الآلاف منهم. واشترطت على الأوائل براءتهم من جلدهم لقاء قبولهم «مندوبين» عنها، ووكلاء مقيدين، يكلمون، بلسان فقرائها ومعدميها وعوامها، من تندبهم الى كلامهم. وأبقتهم واجهة ودمى تحركهم. فإذا جد الجد نحتهم واطرحتهم واتهمتهم ونحلتهم ما شاء موظفوها و «قضاتها» (وتروي المحامية السابقة ان معظم هؤلاء رفعتهم الثورة من تدوين الصادر والوارد الى القضاء في الدعاوى) نحلهم إياه من سوابق. فبقي من «الشعب» كتلته المرصوصة والخرساء، ومواكب الشهداء التي أوكلت الكلام الى الرئيس الخطيب وإلى خلفه العسكري المترفع والاشتراكي «الخصوصي». فضمرت كثرة الشعب السياسي وتبددت. فاطُرحت السياسة، وهذه لا تستقيم من غير كثرة أفراد وأحزاب وكتل، ومن غير منازعة على المصالح وتعريف المصلحة العامة والمصالح الفئوية، وعلانية تشرك الجماعات والأفراد في المداولة والبت والمسؤولية عن هذا وتلك. وبقي الإخوة، وبقيت الأخُوّة الاشتراكية الخصوصية. والإخْوة تقوم أخُوّتهم ببتر ما عداهم، وليس هم على النحو المصهور والذائب الذي يتوهمون انفسهم عليه، ونفيه منهم ومن شعبهم وأمتهم وهويتها و «ثقافتهم»، على قول علي خامنئي ووكيله حسن نصر الله اليوم. فإفضاء الأخُوّة الى الإرهاب قد لا يكون عرضاً ولا عارضاً. والكاتبة الجزائرية، من طرف غير خفي تماماً، تصدع بمفهوم «شعب الإخْوة» هذا. فهي تسكت عن تاريخ الجزائريين قبل الثورة، ما عدا تاريخها العائلي. وتبدو مصدقة مزاعم الإخْوة في الابتداء والحدوث والخلق من عدم.

ولا يغالب العدم المزعوم هذا إلا طبقات تاريخية تراكمها تمزالي الواحدةَ فوق الأخرى، من الرومان الى جوغورتا (البربري) الى القبائل العربية الى المماليك والعثمانيين… مراكمة الطبقات الأرضية الجيولوجية. وتنسى الكاهنة فيمن تنسى. وتضرب صفحاً عن الذين أرخ مصطفى الأشرف لخروجهم وانتفاضاتهم طوال القرن التاسع عشر، وعن تاريخ المتعلمين والمحامين والمدرسين وبعض اعيان القبائل في النصف الأول من القرن العشرين. فإذا هالها بعض ما تفعل السلطة الثورية، مثل نشر العمارة والبناء الركيكين والقبيحين، أو ترك الأرض «المستصلحة» خراباً، توسلت بـ «القبائل القديمة والآبدة» تعليلاً وتفسيراً. وأغفلت تضافر هذا كله على إرساء سلطة الإخْوة، اليوم، على «شعب الإخْوة»، وليس على ظلال الأمس.

وهي ترفع أو تبدد ما قد يتوسط بينها وبين تاريخ الجزائريين. فالكاتبة قطب ذاتي خالص والجزائريون قطب. فلا يسعها الاحتجاج على الجزائريين، ثورة وتاريخاً ودولة وحكاماً ومحكومين، ولا على نفسها، بصُوَرِ حكمٍ او تدبير سابقة تنم بنازع الى الحرية والسياسة مولود من توق مشترك. فلا سند في الماضي، على نحو ما ترويه، لرغبتها في الحرية والصداقة والكثرة والمنازعة والعبارة والجمال، أي لا سند جزائرياً مشتركاً يرجع إليه الجزائريون ويؤلف بينهم تأليفاً سياسياً. وهم لا يسعهم نصب ثورتهم القريبة سنداً على هذا المثال وسابقة. فهذه الثورة انقلبت، جراء استبعاد جماعات كثيرة منها وغمط جماعات وأفراد مشاركتهم فيها، حركة «عنصرية» تولاها عرق الإخوة، وغلبت عليها الشعبوية وتشبيهها وكذبها. وأحسب ان هذا لم يفت وسيلة تمزالي. فجزائرها القريبة والأليفة والأثيرة هي الجزائر الطبيعية، الجبال والبحر والشمس والضوء. والتاريخ الجزائري تاريخ «طبيعي»، و «طبقات» أقوام وفتوح ولغات ومواقع. وهي تقول انها «عادت» إلى الجزائر بعد هجرة نيف وعقد. وقد يجد القارئ عسراً في تصديق أو تعديل (من عدالة) خبر لا يُعلم وجوه روايته.

عن ملحق نوافذ- جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق