“وغدا من أحشاء الزمان تندفع سنة جديدة”1


هي جميلة، لا بل هي أكثر من ذلك، هي الحياة ذاتها في رقّة الفجر الساطع. لم يتهيّأ لكم أن تعرفوها أو تلحظ أعينكم صورة واحدة لها، غير أن جلاءها بديهيّ، بداهة حسنها والضوء المنبعث من كتفيها في حنوّها على المهد مصغية لأنفاس الرضيع ولمّا يزَلْ كتلة لحم وردية متخلّقة، إنسان صغير أقلّ حولا من صغار القطط ومستنبت الشجيرات. هي جميلة من أجل هذا الحبّ الذي تنـزعه لتدثّر عراء الوليد. هي جميلة بقدر تجمّلها في مغالبة إعيائها ملبّية نداء صغيرها.

         
  جميع الأمّهات يمتلكن هذا الجمال، كلّهن يقوين على السموّ لبلوغ تلك الحقيقة المحفوفة بألطاف خفيّة. جميع الأمّهات يمتلكن ذلك اللطف المنساب المستفزّ لغيرة الخالق ذاك الذي لن نستطيع تمثّله إلا مجلّلا بدثار ذلك الحبّ، واحدا أحدا مظلّلا بشجرة الأبد. جمال الأمهات يتجاوز بما لا نهاية أمجاد الطبيعة. جمال يفوق التصوّر ذاك الذي يمكن تضمينه للتعبير ابتسارا عن تلك المرأة في تحفّز إصغائها لدبيب الحركة في أعضاء الوليد. الجمال شيء لا يتحدّث عنه يسوع  ويَأْلف عيره، في حقيقة اسمه يكمن الحبّ. يأتي الجمال من الحبّ، تماما مثلما ينبجس النهار عن سطوع الشمس المشرقة بقدرة باريها المنبعث أصلا من إعياء امرأة أنهكها تهجّدها تهدئة لروع المهدهد في حاضنة مهده.
     
    يذهب الآباء إلى الحرب، أو يُفْضُون إلى مكاتبهم يُـمضون العقود ويتصنّعون في جلَدٍ تحمّل مسؤولية الاجتماع البشريّ وأرزائه، ذاك قدرهم وتلك أعمالهم الجليلة المذهبة لأعمارهم. يمثّل الآباء شيئا آخر غير ذواتهم الحميمة في أعين من ينجبون مجهدين أنفسهم في تمثيل دور حُمَاةِ حِمَى الجماعة المعوّلين على العقول المدبّرة لمنطوق الشرع وفقه العمل والقانون. 
   
      لا تمثّل الأمّ إزاء وليدها شيئا، فهي ليست قبالته، لأنّها تحيطه، لتحلّ في أعماقه أو تنتبذ موضعا خارج تلك الأعماق يجسم الأماكن جميعها، ترفع وليدها على أطراف أناملها عاليا تزفّه للحياة الأبدية. تحمل الأمّهات وزر العناية الإلهية، ذاك عشقهنّ وأجلّ اهتماماتهن، وهو مَضْيعتهنّ وصولجان ملكهنّ أيضا.
     
     أن نكون أباء هو أن نصطنع لعب أدوارنا كآباء، أمّا معنى أن نكون أمّهات فذاك ما لن نجلوه أبدا، ذاك شيء سرّي لا يتواضع مع أيّ شيء لأنّه مطلق لا يتناسب إلا مع اللاشيء، هو تحمّل ما لا يُعقل برباطة جأش حتى من قبل من نضَعُهُن غالبا في مصافّ أفشل الأمهات. هنّ دائما على قاب قوسين أو أدنى من المطلق، هنّ في ألفة سامق ليس بمستطاع الآباء بلوغه في انشدادهم أزلا لتحقيق أغراضهم وملء مواقعهم والحفاظ على منـزلتهم. ليس للأمهات من منزلة أو موقع، فهنّ يخرجن إلى الحياة في ذات الوقت الذي يضعن فيه ولدانهنّ، ليس لهن على غرار الآباء سبق على أبنائهن، سبق تجربة أو “كومديا” يتصنّعن لعبها أبدا على مسرح المجتمع. تخطو الأمّهات الزمن قدمًا بقدمٍ مع أبنائهن. ولأنّ أولئك الولدان حال خروجهم للحياة يساوقون علياء الإله، فإنّ الأمهات مُحاطات في المشيئة بألطاف السكينة مكلّلات بالرضا.
     
    ما استبق خالص الجمال غير عميق الحبّ، لكن من أين يجيء الحبّ ؟ ما مادّته ؟ وما يخرق طبيعة تلك المادّة؟ يتحدّر الجمال عن الحبّ، عن العناية، عن بسيط التواضع عن تواضع التواضع، تواضع حيّ منشئ لحياة حمل وديع لا يستطيع أن يقتات، لا يعرف من معاني الحياة غير دموع يمتلكها أمير مهد يحذق التأوّه متشوّفا للحبّ البعيد بصيحات تستجلب ما نأى عنه، ليستفيق الحبّ مع خطوات أمّ ملبّية للنداء. يستفيق في أثرها الله مثبّتا أقدامها الواهنة من فرط التعب وضنا الإرهاق، تعب أيّام الخلق الأولِ وأولى سنوات الطفولة، من هاهنا ينبعث العالم وخارج ذاك العدم.
    
    ليس هناك من لطف أعمّ من لطف الأمّهات اللائي أرهقتهنّ أحضان المهاد. يمتلك الرجال العالم ويبقى للنساء امتلاك الخلود المحتضن للعالم والرجال. تتمثل القداسة في مصادفة استكشاف الأطفال لكنوز حنوّ الأمومة ولطفها مع القدرة على توسيع النعمة لتعمّ الضرع والزرع عظيم الكائنات كما حقيرها.
       
      لا وجود في الحقيقة لقدّيسين ليس هناك غير القداسة غبطة لطف، أمومة تحتضن جميع الكائنات ومطلق الكون، أمومة هي عماد أعماق كلّ شيء، أمومة تتخطّى مفرط التعب وتبتلع الموت مشرعة أبواب البهجة.  حتى نقول عن أحد أنه قد بلغ شأو القديسين فمدلول ذلك ببساطة أنّ مسار حياته قد تفتّق عن جسم عجيب ناقل للبهجة، تماما مثلما نقول ذلك عن معدن جيّد النقل عندما ينقل الحرارة دون أن يختزنها أو يكاد، أو عندما نقف تعظيما لامرأة تقبل أن يلتهمها فرط التعب تارك لها بالكاد رمقا من العافية.
      
  يسافر الرجال في جميع الأزمنة بعيدا، يتغرّبون عن بلدانهم عن طفولتهم لمصادفة أنصاف أجسادهم المكمّلة لأرواحهم. لو لم يتزوّجوا غير جارتهم فإنّ ما يبحثون عنه ليجدون فيه ضالّتهم، يقبع في أحلك زوايا أعماقهم. المرأة هي أبعد ما يوجد في العالم بالنسبة للرجل، هي القادرة بجميل لطفها أن تنـزّل في غفوة من تُحبّ ملائكة تخترع له وَلَهًا عشقا لم يتلألأ نوره على العالم بعد، فيذرف في لوعة ما أخذ بلبّه دمعا جميلا ويستعيض بهشاشة الوجد المعنّى عن كبريائه منافسا غيره في مطلق الجمال لا في قوّة البطش.
     
     تُرضع الأمهات صغارهنّ حليبا مزاجه أحلام الصبيّ الغضّ يصعّد من أعماق ألبائهن متفجّرا عن نهودهنّ كجرح سعيد. تنبثق أحلامهنّ من أسرار طفولتهنّ لتصل شفاههنّ أغاني تهدهد الوليد وتحتضنه لتخترق برقّتها أحاسيسه كعطر لا تذهب الأيام بشذاه.
       
   ما تجفره الأمّ في اسم وليدها هو ما تدسّه بين جسمه وروحه، تماما مثلما تعمد إلى دسّ صرّة الخزامى من بين غطاءين. باللقب العائلي يلتحق الطفل بعالم الأموات خلفا عن سلف، وباسمه يتّصل بعالم الأحياء الشاسع مجال الممكن فينشد إلى مطلق الحبّ على شاكلة المبشّرين والقدّيسين أو يحتضن هشاشة الحياة كالشعراء والمغنّين، وقد يصيب ثنناهما بلطف خفيّ مبشّرا من فرط الوجد مغنّيا، أو حواريا أصابه العشق في مقتل.   

هامش:                                                

        يترجم العنوان مقولة Demain du ventre du temps surgira une année nouvelle  لـ”نجابولو. س. ندبلي Njabulo. S. Ndebele ضمن أثره “لوحة الحب Portrait de l’amour ”
الخواطر المنقولة ضمن هذا المقال عبارة عن ترجمة تصرف حرة لمقتطفات من الفصل الثاني لكتاب Christian Bobin  “الوطء Le Très-Bas” وهو أثر كنا قد أفردنا لتقديمه مقالا يحمل عنوان “تداعيات الأنا في سيرة الأخر نشر ضمن موقع الأوان.   

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق