وفي السودان يطبق شرع الله

“هل تعترفين بأنك ترتدين ملابس غير محتشمة؟”

أجابت والدمع يملأ عينيها وبصوت مرتجف يكاد أن يكون غير مسموع : نعم. لو أشاروا إلى الشمس وسألوها إن كانت رغيف خبز لكانت تلفظت بنفس تلك الــ ’ نعم ’. لم يتعد استجوابها هذا السؤال. وهو الوحيد الموجه للمتهمات الأخريات. وهكذا هو حال عشرات الآلاف من المتهمات منذ عشرين سنة.

ماثلة هي هنا أمام قاضيها، بلا دفاع، في محكمة لا ترحب بالمحامين ولا تحتاج إلى شهود، ولا ترسل حتى استدعاءات رسمية مكتوبة. محكمة، وحدهم الفاعلون فيها القاضي والمدّعي والمتهمة وهو ذاته الذي اعتقلها وقد يكون أيضا وكيل النيابة إن اقتضت الحاجة، إنه الشاهد الوحيد. وأما المتهمة فما هي سوى جثة يتداول على تشريحها كل من رئيس المحكمة والشرطي. 

تقف داخل قاعة المحكمة وحدها أمام الرجلين. و بباب القاعة يجلس رجل منحني الظهر، أذهله المشهد، يرفع يديه إلى السماء داعيا: اللهم اجعلهم يكابدون ما يفرضون على بناتنا! ردد الدعاء ثلاث مرات والعرق من وجهه يتصبب ،إذ كالعادة كان يوم قيظ في الخرطوم في ذلك الخامس من جويلية2009. مررت بمحاذاته، كنت أنتظر دوري لأُسأل وأحاكم. أعرقٌ كان أم هي دموعٌ؟ أنا متيقنة أن الله سيستجيب لدعائه.

 حدثته فأجابتني زفراته: أحمد الله على أنني كنت موجودا وإلا أخوها الأكبر كان قد قتلها. 

حكى لي قصته: 

في تلك الليلة التي كان عائدا فيها من عرس زفاف بمعية ولديه الشابين وبناته الثلاث المراهقات. كانت تصل إلى التاكسي أغاني مصرية تهز الشارع، منبعثة من مطعم أم كلثوم. هل ذلك تسجيل أم هو المطرب بلحمه و دمه؟ لم تكن البنات على رأي واحد. راهنت كل منهن تعميرة هاتف نقال بسيطة، ثمنها دولارات أربع. وافق المسكين توقيف التاكسي بعض دقائق ريثما تدخل البنات والأخًوان إلى المطعم لمعرفة من فازت بالرهان. و لم تمر ثوانِ أو بعض دقائق حتى نزلت شرطة حفظ الأمن بقوة لتسد مدخل المطعم. وبقي ينتظر في التاكسي إلى وقت متأخر جدا، قبل أن يخرج الأخوان وأختين فقط. أما البنت الثالثة فقد كانت ترتدي في تلك الليلة سروالا.

من أجل مراهنة لكسب أربع دولارات، حكم عليها بغرامة مالية قدرها 100 دولار وجلدات عشر. وأراد أخوها قتلها وفسخ خطيبها الخطوبة. أوقفوها في نفس الوقت الذي أوقفت فيه وبعد يومين تمت محاكمتها. ولم تتمكن من استعادة حالتها الطبيعية إلى اليوم. هذا هو القانون المطبق في السودان, في الخرطوم، ودون الحديث عن تلك القوانين المجحفة التي تطبق في دارفور..لا تقتصر قوانيننا – إذا جاز لنا نعتها بالقوانين- على المادة 152 من قانون الجنايات لعام 1991 التي تعاقب ارتداء السروال بأربعين جلدة. بل هنالك مواد أخرى غريبة في هذا القانون، إذ أضيف لهذا القانون نفسه تكملة عن كيفية جذع الأنف وبتر الساق وقطع القضيب و تهشيم الذراع ! تعاقب المادة 148 المثليين بـ 100 جلدة وهو ذات العقاب المطبق على المغتصبين، أي ما يعادل “سروالين و نصف”. أما عن ثمن ممارسة الحب بين بالغين متوافقين ولكن غير متزوجين، فهو مرتفع جدا: الرجم. 

أما المادة 154، فهي غريبة جدا: تعتبر في حالة ارتكاب الحرام كل النساء والرجال الحاضرين في مكان واحد دون أن تربطهم علاقة زواج أو رابطة دم، إذ يمكن للرجال، حسب المشرع، ممارسة الفعل الجنسي. نحن هنا في حدود العبث، في قلب مملكة التعسف. 

ستكون المعركة ضارية ولكن هي ليست خاسرة مسبقا. لقد فزت في الشوط الأول حينما كسبت المجتمع، لما فتحت أعينه على أن أولئك النساء لسن مذنبات ولكن ضحايا. لسن سيئات ولا فاحشات، وإنما القانون هو السيئ و الفاحش. 

كانت تحتل محاكمات النساء في أحسن الأحوال حيزا بسيطا على صفحات الجرائد المخصصة للمسائل القضائية ما عدا إذا كانت المرأة معروفة. أما اليوم فتتصدر المحاكمات أولى الصفحات حتى وإن كانت النساء مجهولات. بالأمس كانت تُكتب بعض سطور للتنديد بقلة حياء المتهمات واليوم نقرأ مقالات تُندّد بتفاهة القانون والمؤسسة القضائية. بالأمس كان العار يقتل العائلات وتنعم اليوم غالبا برسائل الدعم والتضامن. لا يتم التغيير بين عشية وضحاها. إنه طريق شاق طويل، ولكننا بدأنا المشوار. وسنخرج من أسر الأصولية والتطرف خطوة بعد خطوة، ونحقق هدفنا الذي لا ينحصر في حق ارتداء ’بنطالون’ فحسب بل الحق في الحرية، ابتداء من حرية اللباس. هدفنا نهاية الظلم المسلط على النساء، الحق في المساواة أمام القضاء، الحق في قضاء حقيقي، الحق حتى للمجرم في الدفاع عن نفسه. نهدف إلى جعل القانون يتطابق مع الدستور ومع مبادئ حقوق الإنسان. وحتى مع ديننا إذ أن قوانيننا تسيء إلى ديننا حينما تختلق نصوصا غير موجودة أصلا. فلا القرآن ولا الحديث تحدثا عن معاقبة طريقة اللباس. وإذا كانت دولتنا مسكونة بهذا الموضوع، فلماذا لا تنشئ وزارة للإلباس والخياطة كما هو الحال بالنسبة للفلاحة أو البترول. 

 تقدمتُ بشكوى ضد رئيس البرلمان السوداني لأنه ذُكَرني بالاسم في حوار مع جريدة مؤكدا أن المادة 152 من قانون العقوبات لا تطبق سوى في الخرطوم و بعض المحافظات الأخرى وليس في باقي السودان. وقال في ذات الحوار أن سلوكي كان غير لائق أثناء توقيفي وأن لباسي كان مسيئا للأخلاق والقيم السودانية. وتبعا لذلك شرعتُ في المطالبة بإبطال الدعوة لأن تدخله يمكن أن يؤثر على مسار المحاكمة. أما بقية القصة، فكانت مضحكة. قصدت مقر البرلمان وتمكنت من الدخول معتمدة على بطاقتي الصحفية وشرحت مسعاي للنواب الحاضرين. ومنذ ذلك اليوم بدأ الصحفيون والصحفيات على وجه الخصوص يخضعون لمراقبة تعسفية على عتبة باب البرلمان. أما بخصوص المظلمة التي رفعتُ ضد رئيس البرلمان فقد رُفضت بسبب الحصانة التي يتمتع بها. لقد رفضت مؤقتا فقط لأنني سأقوم بكل الطعون من أجل رفع حصانته. من الضروري أن أنجح في ذلك و إلا سيصطدم ضحايا دارفور بعقبة كأداة يوم يقررون، هم أيضا ، تقديم دعوى قضائية ضد مسؤولين كبار في الدولة عما كابدوه من ترحيل تعسفي واغتصاب وقتل وجرائم أخرى ضد إنسانيتهم. في حالات معينة، ينبغي حتما أن تنتهي أسوار الحصانة بالسقوط. 

 كانتا هنا في محكمة النظام العام بالخرطوم يوم 22 اكتوبر2009. مهندستان تم توقيفهما في مطعم أم كلثوم في نفس الوقت الذي أوقفت فيه. كان لهن محام و لذلك تمكنتا من تأجيل المحاكمة. وفي انتظار إدانتها، انهارت الأولى أمام القاضي، وكانت نساء ملتفات حولها، ساعدنها على الوقوف ومسحن دموعها. 

يجب أن تستمر المعركة، لا ينبغي أن تسيل مثل تلك الدموع أبدا. أعيش تحت تهديد توقيف جديد وإدانة أخرى. ولكنني لست خائفة. لماذا يوقفونني؟ يقول قائل. في السودان يجب أن يكون السؤال مقلوبا: ولماذا لا يوقفونني؟ في يوم 30 أكتوبر 2009 كنت أرتشف كوب شاي عند بائعة متجولة بمعية جنان قارة تاجر التي ساعدتني على تحرير هذا الكتاب وكان المصور الذي يرافقنا يلتقط صورا لبائعة الشاي التي كنت قد طلبت موافقتها، وفجأة اقترب منا مسؤول أمن يرتدي قميصا تقليديا أبيضا لا علاقة له باللباس الرسمي الموحد ليمنعنا من أخذ الصور. استفسرت عن القانون الذي يمنع التصوير: 

أنا عقيد ! –

تلك كانت إجابته الوحيدة كأن رتبته هي القانون. 

تريدين ابتزاز الحكومة، أضاف رافعا نحوي أصبع الاتهام. –

نادى دورية شرطة وكانت و يا للصدف الغريبة مرابطة في المكان ومستعدة للتدخل. وقد تدخلت بفظاظة لتقودني إلى محافظة الشرطة. وثمة اتهمني : 

 – قالت أنها تريد استفزاز الحكومة. وجهت لي اتهامات ثلاث: التقطت صورا،اعتديت على الحكومة، وهددت النظام العام. في غياب نص قانوني، تم سحب التهمة الأولى، أما بشأن الأًخرتين، فقد حدقت في الرجال الذين أوقفوني: 

– كونوا نزهاء أمام ضمائركم وأمام الله، هل سمعني أحدكم أتلفظ بتلك الجملة؟ حتما لقد ساقني القدر هذه المرة نحو أناس شجعان رفضوا المشاركة في المكيدة. وهكذا أطلق سراحي بعد ثلاث ساعات من الاستنطاق والتفاوض. ولكنني أعرف أن رجال أمن آخرين سيقبلون وينفذون كل ما يطلب منهم. أنا مهددة، ربما بالموت. وماذا بعد؟ أيقلصون في يوم من الأيام من مدة الحياة التي وهبني الله؟ 

لا يهم ليكن ذلك، في هذه الحالة أنا مستعدة للموت من أجل قضيتي. 

المرجع: 

 Lubna Ahmed Al-Hussein, 40 coups pour un pantalon, éd. Plon,2009.pp 217-224 

 العنوان من اقتراح المترجم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق