ونصيبي من الكسل

{{1

أنا والكسل}}

إليها..
ذكرى صيف 1966

لكأنّهُ يوقظُ ينابيع قديمة..
أو يتسلّقُ قوس قزح..
لكأنّه ظلّ ينفخ في رماد الشّائعة..
يقودني إلى طفولة الماء..
الطّفولة التي لا تتسمّى.. أبَدًا..

تمبكتو تسبح في وهج الأسطورةِ..
الأرض تنضج ودائع الرّبيع..
الأشجار واقفة.. في ذلك الصّيف التّمبكتي البعيد..
لا أسرّةَ لطيور الدّوري إلاّ أسرّة الغبار..
تترجّح بين أغصان الأكاسيا..
حيث لها أن تغفو..
حيث للصّمت أن يستيقظ
في أذنيْ قطّة ضارعتين..
أو كلب يمشي على كُوعِهِ.. من الحرّ..

صباح معجون بماء الشّمس..

حتّى إذا بلغ (هو) آخر الشّارع المظلّل
في الحيّ القديم.. توقّف تحت شجرة
الكاليبتوس المنتصبة أمام الكنيسة
(كانت قد تحوّلت إلى مكتبة في ذلك
الصّيف التّمبكتي البعيد)..
تلفّت.. القطّة ماتزال لائذة بجذع
الأكاسيا.. ناصبة أذنيها.. وعيناها إلى
الأرض..
.. فجأة.. سقط شيء من شجرة الكاليبتوس..
اضطرب الصّمت قليلا.. آنثلم.. ثم آلتمَّ
في ورقة يابسة مطروحة بين قدميه..
سمع صرخة استغاثة مكتومة..
كانت القطّة قد أنشبت أنيابها في
الدّوري الذي سرعان ما استسلم.. وهمدَ..

أمّا الصّبية ذات العينين الخضراوين..
(أكانتا خضراوين؟!) فقد مرّت..
ولم تبق سوى صورة منها.. محفورة
في لحمه: وجهها النّديّ كبلحة..
أكان يعطُو إلى الأفق أم إليه هو؟
!
ويكتب:
الذّكرى ورقة يابسة.. تعلن عن شجر ما!
الحبّ.. أوّل شمس.. على أوّل صباح!..
حَجٌّ إلى الينابيع!
ويكتب:
الشّجرة امرأة هي أيضا.. تنزف حتّى
وهي في عادتها السّنوية الخضراء!
… ولأنّه يوقظ كلّ يوم.. ينابعها القديمة..
ينسى حلم الصّباح الملوّن..

شكرًا لهذا المطر الصبّاحي..
يترك في الأرض.. بصماتِ الماء!

ـ ميتافيزيقا وردة الرمل

{{2

حقّ الكسل}}

يدافع بول لافارغ عن حقّ الكسل في المجتمع الرأسمالي. ومن طريف المفارقات أنّ هذا الكاتب أو الفيلسوف الماركسي ـ وقد رثاه لينين أبلغ رثاء ـ اختار أن ينتحر وزوجته حتّى لا يعيشا أرذل العمرعندما يتخلّى عنّا جسدنا، ويتركنا وحدنا لمصيرنا.

وإذا كان ماركس في ‘رأس المال’ يعرض عرضا مستفيضا لـ”تقسيم الوقت” وما ينبغي أن يتخلّله من فترات الراحة وتزجية أوقات الفراغ، ويشدّد على اجتناب الخلط بين الكسل والراحة؛
فإنّ لافارج يرى أنه من الأجدى للعامل أن يكسل ويتوانى عن عمله على أن يعمل للآخرين أي لرؤسائه العاطلين.

* Paul Lafargue, Le Droit à la paresse (Réfutation du « Droit au travail » de 1848), 1883 (nouvelle édition).

ويرسم إيفان ألكسندروفيتش غونتشاروف(1812ـ1891) شخصيّة الكسلان في أجلى ملامحها وأكثرها طرافة، فبطله أوبلوموف الملاّك الكبير المقيم في سان باترسبورغ، لا يفعل شيئا. إنّما هو في مبذله النّاعم طوال اليوم، همّه الشراب والأكل، والجلوس على الأريكة أو الاسترخاء على السّرير
Ivan Gontcharov, Oblomov, traduit du russe par Luba Jurgensen, préface de Jacques Catteau, éditions L’âge d’homme, 475 p.
Nikita Mikhalkov a adapté ce roman au cinéma, sous le titre de Quelques Jours dans la vie d’Oblomov (1979)

{{3

العرب والكسل}}

الكسل لغة هو الفتور والتثاقل والتواني عمّا لا ينبغي أن يتوانى المرء عنه. والكسول والمكسال نعت للجارية المنعّمة التي لا تبرح مجلسها أو خباءها. وقال العرب إنّه ما سمع في الكسل أبلغ من قول القائل(يرجو الله أن يجمعه بصاحبته، وأن ينوب منابه في فعل الحب):

سألت الله يجمعني بسلمى أليس الله يفعل ما يشـاءُ؟
ويبطحها ويطرحني عليها ويُدخل ما يشا فيما يشـاءُ
ويأتي من يحرّكني بلطف شبيه الزقّ يحمله السقـَاءُ
ويأتي بعد ذاكَ سحابُ غيثٍ يطهّرنا وليس بنا عنــاءُ
الكشكول لبهاء الدين العاملي

وأكسل ما سمعناه ما أنشدناه أبو أحمد عن ابن عماد عن سليمان عن يحيى بن سعيد الأموي لبعضهم:
سألت الله أن يأتي بسلمى وكان الله يفعل ما يشــاءُ
فيأخذها ويطرَحُها بجنبي ويرقدها وقد كُشف الغطاء
ويأخذني ويطرَحُني عليها ويُرقدها وقد قُضِيَ القضاءُ
ويرسل دِيمةً سحّا علينا فتغسلنا ولا يُلقى عَــــــــناءُ
ديوان المعاني للعسكري

وقال [الوليد بن يزيد] في سلمى قبل تزوّجه بها:
لعلّ اللهّ يَجمعني بسَلمَى أليس الله يَفْعل ما يشـاء
وَيَأتي بي ويَطْرحَني عليها فيُوقِظَني وقد قُضي القَضَاء
وُيرْسلَ ديمةً مِن بعد هذا فتغسلها وليس بنا عَناء
العقد الفريد لابن عبد ربه

وقال الوليد في سلمى أشعاراً كثيرة فمنها:
ألا ليت الإله يَجِي بسلمى كذاك الله يفعل ما يشاءُ
فيخرجها فيطرحها بأرضٍ فيرقدها وقد سقط الرداءُ
ويأتي بي فيطرحني عليها فيوقظها وقد قُضي القضاءُ
ويرسل ديمة سَحّا علينا فتغسلنا ولا يبقى عناءُ
مختصر تاريخ دمشق لابن منظور

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This