وهم الجنس والاستمناء بالأدب

” استندت إنانا عند شجرة ولمعت عانتها زغباء فتنة للناظرين ” ملحمة جلجامش (طه باقر)
“وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت … هيت لك” (سورة يوسف)
كانت منازلهم مغلقة والجنس محرماً .. كنا مراهقين نصغي لحديث الشباب الأكبر سناً عن هاتيك العذراوات اللواتي يمارسن الجنس معهن دون إيلاج .. ونحلم … نحلم بتلك التقاطعات المثيرة لأجسادهن تحت الثياب وبكسر غطرستهن المحتدمة ذات يوم … ( علي بدر، رواية)

وتتوالى هذه الصور الانطباعية مشكلة أمداداً محفزاً للرغبة وللقدرة المتباينة للاستمناء، إن لم يكن الاستمناء ذاته هو المساحة التي يشغلها الكاتب لتركيب مخيلة زاخرة باللذة الجنسية والشهوة المحرمة، هذه الفضيلة التي يحتكرها الكاتب تتسرب عبر القراءة والتمثل إلى ذهن القارئ وبدنه معاً، وبذا يخط الاستمناء ذاكرة مدورة من القراءة الى الكتابة أو بالعكس، لكن هذه الطاقة الكامنة في الرغبة الجنسية والهيئة المتعدية للاستمناء الأدبي محال وصفها بالنزاهة، ذلك أن الوعاء اللغوي الذي يحتوي هذه الطاقة مزخرف ومتشكل بالتمني لأن الأمنية الحقيقية ليست الجنس وحده وإنما نوعه وطريقة ممارسته، فضاءات لغوية متقنة تداخلها مناخات عدة لقضاء الشهوة وكل مناخ منها يدفع نحو شغف متطلب إلى التجريب، عضوية نابضة بشعرية النص السردي تدعمها أسطرة شخوصه، مما يقربها أكثر من أن تكون حالة إلهام مثالية، حالها حال الكثير من المفاهيم كالنجومية و (الكاريزما) والتي تؤثر بطريقة أقرب إلى الحقيقة بالنسبة للتابعين لها والمريدين.
ولا تكتمل هذه المثالية الناشئة بدافع أدبي إلا بالمواعدة، خصوصاً إن تحققت هذه المواعدة في بيئة تربوية واجتماعية ترفض اعتبار مؤسسة الزواج معياراً للعلاقة الثنائية، وقتذاك تكتسب العلاقة نوعاً من حرية داخلية وخارجية تستمر في دفع الصورة الأدبية العالقة في الذهن نحو تمثلها واقعياً، في محاولة لإعادة بناء مناخ جنسي يشترط على الفاعل لاكتماله وجود ألفة من النوع المتوحش حيناً والمباغت حيناً آخر، أو إتمامه بمنح الفعل الجنسي “الواقعي” أبعاداً أسطورية كأن يطارح الرجل (البطل) الغرام مع أي فتاة يلتقي بها أو يسعى إلى ذلك، بوصف أن أي أنثى هي الحب كله، وكل واحدة منهن تشكل امتداداً لاينقطع مع الربة المانحة، وأن قضايا كالإخلاص والوفاء والمحبة ” الروميووية” قضايا كلاسيكية ليس لها إلا أن تخبو وتتضاءل أمام قوة البوح.

بهذه المبررات ما يتيح تمثل البطل” الرجل” لـ شبق نيرون وفسق كاليجولا وحيوانية جوزيه أركاديو الرجل الدغلي الخارق بدعة (غابريل ماركيز)، لكن الانهيار المدوي للصورة الأدبية الذهنية يحصل باكتشاف “الرجل” عاديته، وبالفشل الذريع للتمثل وبأن هذا التخييل لن يتحقق أبداً مادام الفعل الجنسي يفتقر إلى تلك الكثافة الزمنية البارعة وإلى بلاغة التصور اللغوي وشرطيته. أي بالمعنى البسيط؛ لا يمكن إعادة إنتاج ذات المناخ الشهواني، لسبب أن هذه العناصر تنتمي إلى عالم الفرضية الأدبية، وهذا “الرجل” لن يجد نفسه إلا وقد انخرط في لملمة أجزاء تركيبة إباحية أقرب إلى فلم إباحي رديء، وليس فيها الحد الأدنى من المثالية المنشودة في الأدب.
الكبت والفشل داخل العملية الجنسية لهو أكثر تأثيراً وإيلاماً من الحرمان الجنسي، وهذا يعود بنا إلى الفوارق الواضحة بين الجنس كحقيقة والعملية الجنسية كممارسة، فما إن نمتلك القدرة على التفريق حتى نجد أن القضية غير مرتبطة بتوفر الجنس أو عدم توفره وإنما بتجاوز الصورة المبرمجة والمسبقة عنه والواردة من خلال وسائل تهيج الحاجة إليه، وأظن أن الأدب في مقدمتها؛ فهو على خلاف الأفلام الإباحية التي ينتهي تأثيرها بمجرد الوصول إلى”الانتعاظ”، أو تنفيس الخوف بمجرد قتل الوحش في أفلام الرعب، أو الهدوء والراحة النفسية التي يخلفها انتصار البطل في أفلام الإثارة، فالأدب يرسم في الذهن صورة مثالية مستديمة تتعاظم الحاجة إلى تمثلها كلما اتحدت هذه الصورة مع الإشارات القريبة والبعيدة لإقامة علاقة.

وخوفاً من التباس الفهم أنا أناقش في هذا المعرض المحطات الجنسية الواردة في سياق عمل أدبي عظيم كـ “غانياتي الحزينات” أو “عابر سرير” والذي يضع الممارسة الجنسية داخل إطار مثالي مؤسطر يشعل الرغبة في إشباع التصور قبل إشباع الحاجة،على عكس مافعله الماركيز “دو ساد” عندما جرد الكتابة من معناها النفسي والذهني ولم يهتم أبداً في بناء الشخصية؛ لقد تجرد عن كل هذا وكتب للجنس الصرف، لا شخصيات وإنما صفات بشرية بمهن تتناكح في المطابخ بين الأواني فوق أكوام القش، أسفل أحواض العمادة ، فلاحون غسالات مجانين راهبات .. إلخ
إن الحياة السرية الجنسية في مجتمعاتنا، والتي تختبئ وراء الكثير من الشرعيات والمبررات، تمنعنا من المجازفة في تقرير وجود الكبت وأيضاً في عدم وجوده، فالممارسات المحرمة أخلاقياً وقانونياً تزداد بإطراد، خيانة الزوجات للأزواج، جرائم السفاح المسكوت عنها أكثر بكثير من المقبوض عليها، التحرش بالأطفال وغيرها من الممارسات الأخرى من غير المنصف لصقها بمفهوم الكبت فقط ، والقبول بدور المتمنع الثرثار، وكيل الشتائم ودعوات العزل على أناس تعيش على تشريعات اكتسبتها من تراث أخلاقي وفقهي امتد إلى آلاف السنين ولا يزال.
إذ من السهل القول إن هذه الممارسات كلها منشؤها الكبت، لكن الصعب هو نبش الحياة السرية الجنسية في هذه المجتمعات وإدراك السبب في كونها سرية، وما تعكسه هذه السرية من مظاهر شكلت على مر الزمن ثوابت وأسس تربوية تتوارثها أجيال من الفتيان والفتيات.

هناك ثلاث مؤسسات تتناوب على خنق الحياة الجنسية في مضمار ظاهري شرعي، كما هي حريصة أن تحكم قبضتها أولاً على كل سبل الالتقاء والتفاعل، لذا فهي تقتل وتقلب في طريقها المراحل والمقدمات العاطفية التي تدفع إلى الاختلاط والتفاعل، وبالتالي إلى الجنس. ولكي تبرر وجودها وتستمر فيه فإنها تثري مخيلة البشر بالتداعيات الجنائية لأي فعل يخرج عن نطاق شرعيتها، ولا ينتج عن هذا الحبس المشّرعن للحياة الشخصية سوى اللجوء إلى حياة جنسية سرية، صحيح يحكمها الخوف والحذر، لكنها رغم ذلك تتسع وتمتد أكثر نحو الأسفل.
هذا التحصيل متوقع، خصوصاً وأنه يقوم على تشريعات وتقاليد متضاربة ومتناقضة، ففي الوقت الذي ترخص فيه الدولة للمواخير والكازينوهات ومتاجر الليالي الحمراء وتشجع على الدعارة الموسمية وتعبد الطريق سهلاً أمام ” مافيات الجنس” فقط من باب التشجيع على السياحة وإثراء خزينة الاقتصاد الوطني، ولافرق عندها إن كانت الداعرات محليات أو مستوردات، قاصرات أم بالغات، المهم أن نشهد حركة في الأسواق والشقق السكنية السياحية المهجورة، لكنك تراها تستمر في ممارسة الفصل العنصري في المدارس وتشدد على منع الاختلاط، ودائما نراها تطارد فلول الفتيان المتجمهرة عند بوابات مدارس الفتيات أو تطلق أزلامها لنبش بيوت السكن الشبابية، تدعمها الرقابة الأهلية، والتي تمثل المؤسسة الثانية المسؤولة عن خلق هذه الفوضى الجنسية العارمة، هذا إن لم تتجاوز الأجهزة الرسمية وتمارس دورها عبر أجهزتها الخاصة مستندة في ذلك على ثقافة الحارة والمنطقة والطائفة، ضحية تلعب دور الجلاد وجلاد قد يكون ضحية في مكان أخر.

يضاف إلى ذلك المؤسسة الدينية، والتي لا تمثل القانون هنا بل الشريعة الروحية والعقائدية والتراث الأخلاقي المتجدد عبر أتباعها، وتتمظهر في المجتمع على شكل تتويج لعمل المؤسستين السابقتين وجوهر لنشاطها الردعي، وخطورتها تكمن في أنها تدخل في تركيبة العالم النفسي للفرد مشكلةً جهازاً رقابي ذاتياً شديد الثبات، من الصعب إزاحته أو حتى تفكيكه، لذلك هي ليست بحاجة لأن تجري نشاطاً موازياً لخطابها، فخطابها نفسه يؤلف العناصر المشكلة للضمير الأخلاقي لدى الأفراد، وبالتالي تخلق وبقدرة فائقة ضميراً أخلاقياً جمعياً يدفع بالفرد كي يردع نفسه بنفسه، ليس فيما يتعلق بقضية الجنس كلياً وإنما داخل عملية الممارسة الجنسية؛ يمنع ويسمح، يحلل ويحرم، أو يبرر عجز نصه عن الإحاطة بالشيء بشرعة ” المكروه” كما في التشريع الإسلامي، هذه الشرعة التي تبدو أكثر لجماً من التحريم.
وإن كان التشريع الإسلامي قد نجح في شرعنة النزوة الجنسية بطريقة دائمة “تعدد الزوجات”، ومؤقتة ” زواج المسيار وزواج المتعة”، إلا أنه أدى إلى شطر الحياة الجنسية إلى شطرين، أحدهما مقدّس والأخر مدنّس. دائرة تحصر في محيطها النساء المقدسات، والأخرى تجمع نساءً مشبوهات وغريبات وخارجات عن الشرعية، أو هن في الأصل لاينتمين إلى هذه الشرعية بحكم الاختلاف ” سبايا”، وإن أي اختلاط بين هاتين الدائرتين يجلب معه التجريم وجرائم الشرف. وهذا العار المغسول بالدم كفعل، يشكل امتداداً وثنياً مع غيره من طقوس التطهّر ومحو الخطيئة، إذ يبدأ أولاً في نزع صفة القداسة عن المذنبة ومن ثم شملها في دائرة الدنس مما يسهل ذبحها، ودمها السفوح يكون دليلاً على عودة الطهر لدائرة المقدس، والسلام المعقود بين هاتين الحياتين مشروط بعدم حدوث هذا التداخل مرة أخرى، لأن القاتل “الذكر” لن يقوى على تنفيذ القتل إن لم يجرد الضحية من إنسانيتها. وإنسانيتها هنا هي جوهر قدسيتها، ومن غير المستبعد أن تكون “الذكورة” كمفهوم في جملتها وتفصيلها طريقة متطرفة في ممارسة التقديس والتعبير عنه .

إن السبيل إلى إنقاذنا من هذه الفوضى التي يختلط فيها الشبق بالأخلاق والمقدس بالدنس، لن يتحقق بمحاولة هدم التراث الأخلاقي، لأنه عصي على التحطيم، ولا بخلق جبهة مضادة تضع نصب عينيها كل ماهو شرعي وتعاكسه، وحتى إن نجحت في استنبات نفسها في بيئة غير ملائمة، فهي لن تتسم بالأصالة، فالمفاهيم الأصيلة تخلق نوعاً من الراحة تجاه الفشل والإحباطات مما يدعم عند الأفراد وسائل الترميم الذاتي، لكن ماهو غير أصيل يعجل لدى الأفراد مهمة التدمير الذاتي ويساهم في حال الفشل بخلق النقمة والكره من الداخل. نحن بأمس الحاجة إلى وجود تثقيف جنسي ذي طابع مؤسساتي لا استطبابي، يجعلنا نتوقف عن الشعور بالبلادة وعدم الانسجام حين نتحدث عن أجسادنا بصيغة الغائب، والى توقف “الحشريين” عن التدخل في حياتنا الشخصية تحت شعار ثقافة الجسد، لأن أجسادنا هي شأننا الخاص (والخاص جداً) شأنه شأن الجوانب الشخصية الأخرى في حياتنا، وهذا لن يحدث إن لم يمتلك التثقيف الجنسي استقلالية علمية وتخصصية عبر “مأسسته” ومنهجته، هذا التثقيف سيدفع بنا لندرك الفرق بين جماليات الجسد والتأويل البشري الإبداعي لها وبين الممارسة الجنسية كفعل بيولوجي، وبذا سنمتلك قناعة موضوعية لمعالجة الصورة الذهنية الساحرة والأسطورية للرجل الخارق والأنثى الكاملة في مشهد الجنس أي أن هذا المشهد الخرافي بأبطاله يشتمل على مزايا وشروط بيولوجية محضة.

يقول بول ريكور” إن الحياة بدون خيال مجرد ظاهرة بيولوجية”، لكن ما يجانب هذه الحقيقة هو “أن الجنس مجرد ظاهرة بيولوجية”.

* مسرحي سوري

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق