يا فرعون… مَن فَرعَنك؟ / موفق نيربية

كانت هذه المقولة الشعبية صحيحة «قيل: يا فرعون مَن فَرْعَنك؟ أجاب: لم أجد من يردّني». لكن صحَّتها تضاعفت أواخر القرن الماضي، وازدادت عاماً بعد عام. فلم يعد بإمكان المستبدّ المغترب المتعالي أن يتجاهل قوة الشعب ويعتمد على الحديد والنار والإقطاع والعقاب، إذا كان هذا الشعب لا يُريد ذلك… أو لا يستسلم له.

وتُظهر تجربة العقود الأخيرة أن شعباً يطمح إلى الحرية، وينزل إلى الشوارع – مثلاً – بالألوف، ويصرّ على مطالبه، لا يُمكن تجاهله. بل إن ظلال القدرة على تنفيذ ذلك قد تكون كافية. مصير هذا الحراك سوف يكون تنحّي الحكومة المستبدّة أو سعيها إلى التسوية والتوافق على طريق وطريقة للتغيير، على الأقل لأن إمكانية القمع المفتوح أصبحت محدودة في العالم الجديد، بآثاره العكسية على الحكومات المستبدة.

ربما إذن كانت هنالك مشكلة لدينا، وربما كانت عصية أو معقّدة في ذاتها (بما في ذلك «أنا… ونحن») وموضوعها.

فالسلطة المستبدة تجد نفسها بين أهلها وتطأ سهلها، من شعبٍ مأخوذٍ بذاته وتاريخه وثوابته، وهي لا تحتاج إلا إلى أن تقول له إنها على العهد. والقَول هنا يفعل فعله في شعب يقدّس القَول، وقد يكتفي به. كما أن الحاكم لا يلاقي أمامه إلّا نخباً سياسية وثقافية تتكرر منذ عشرات السنين، وأصبحت سجينة عاداتها ومفرداتها، إضافةً إلى السجن الأول الذي تعجز عن الخروج منه، وهو تعلّقها بما يتعلّق به مَن يحكمها من ثوابت الأهل والسهل.

تخشّب بعض النخبة المعارضة، وفقد شيئاً من روحه وعقله بين السجن المديد أو القوقعة والسكون، وهو لا يدرك عملياً ضرورة الابتعاد قليلاً عن الباب ليدخل ما يمكن أن يفرزه المجتمع من جديد، مع شبابٍ مختلف بطرائقه وتمثّله لروح العصر. بل لعلّ معارضين مصريين – مثلاً – لم يحزنوا كثيراً في أعماقهم لسجن أيمن نور!

مثال: هذه معارضة لا تطرب لكلمة «المواطنة». فالمفهوم يُطلق المارد من القمقم، ولا يدع للمياه الراكدة أن تأسن، وهو يُناقض مباشرة ميلَ المجتمعات القديمة إلى الحفاظ على أشكال العصبية الموروثة، من العائلة إلى العشيرة والطائفة والطريقة وغير ذلك. المواطنة تجعل من الإنسان الفرد ملكاً، ولا يرغب أيّ ملك، صغيراً كان أو كبيراً، في رعية يشعر الواحد منها بأنه لا يختلف عنه.

مثال آخر: هي لا تطرب أيضاً لمفهوم «المجتمع المدني». فهذا الجسم الحيّ الذي يتحرك بلطف ويحتل القلعة رويداً رويداً، لا يترك للسياسة البائسة حيزاً يكفيها للبقاء على قيد الحياة، ويحاصر أهلها من الشارع في بيوتهم على أطراف المدينة وضواحيها. فيسخرون من الاهتمام بالبيئة وحماية المستهلك وحرية المرأة وحقوق الإنسان والصحة ونظام السير، ويقلبون شفاههم ازدراءً.

مثال أيضاً: يكرهون الثقافة، وبالخصوص حين تكون نقدية وأصيلة. حتى الآن، بعد أكثر من قرنٍ على وفاته، يتجاهلون الكواكبي ولا يقرأونه. ويُقال إنه بعد أن تم دس السم له في الحبر – وكان الكتّاب يمرّون بأصابعهم على ألسنتهم – فمات، قال أحدهم: «أرهقنا بكتاباته، فمات بها». وإن كان القائل من طرف السلطة آنذاك، فمشاعر النخبة السياسية المعارضة أيضاً لا تختلف عنه في النوع، بل في الحجم والشدّة، حتى لا نظلم القوم، وأنفسنا.

الاستبداد إن كان انفراداً بالأمر على طريقة لغتنا الجميلة المقدسة، فهو مشترك بين مَن يحكم ومَن يُعارض في فضائنا، أو تحت أرضنا. وإن كان نَسقاً يقوم على الأوامر، على طريقة أصل الكلمة الإغريقي الذي يشتقّ المفهوم من كلمة «المعلّم» (وفي بلادنا، تلتزم الوحدات السياسية والإدارية والأمنية كافة -هرمياً- بتسمية كبيرها بالمعلم)، فهو لا يسود النظام المستبد بالسلطة وحده، بل ينسحب على عقل وسلوك معارضين، ليزيدهم فقراً على فقر، وعجزاً على عجز.

يحلم الحاكم المستبدّ كثيراً وعبثاً، بأن يكون «المستبدّ العادل» أو «المستبدّ المستنير»، ويقوم باستعراضاتٍ متكررة في التاريخ القديم والحديث للظهور بهذا المظهر، ولتبرير السجون والقمع بالعدل وأولوية النظام العام، فيفشل. في حين يحيا المعارض – الشرقي الأصيل – حياته المزدوجة، بين الاستبداد الذي يجري في عروقه، والاستبداد الذي يضغط على صدره، فتكون محصِّلته السكون.

لا يكفي الاستعداد للتضحية (إن وُجد)، وإن كان شرطاً لازماً لمعارضة الاستبداد. فقد يكون مجرّد «سوسة» أو هواية، أو مجرّد ردّ فعل على الاستبداد يساويه ويعاكسه في الاتجاه.

في حين يكفي تمثّل مفهومٍ واحدٍ للخروج من الشرنقة: المواطنة أو المجتمع المدني أو الثقافة النقدية… والحرية نفسها ببساطة ووضوح… أم أن الأمر كلّه حديث خرافة؟

ذلك من دون أن ننسى لحظةً أن أصل البلاء في الجهة الأخرى.

عن جريدة الجريدة – 28/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق