«يد الله» أو «خطّ الحدود» لـ : ياسمين شار.. رواية الحبّ والحرب

   يأتي تبديل عنوان رواية «يد الله» إلى «خطّ الحدود» للروائيّة ياسمين شار، مغازلة للرقابة العربيّة، وإرضاء للقيّمين على الأمور في العالم العربيّ الذي يبدو مسوّراً بأسوار من المنع، ولاسيّما عندما يتعلّق الأمر بتجسيد الذات الإلهيّة أو المؤلّهة، حيث تجيّش الطاقات للدفاع عن الإله المتربّع بزهوّ وخيلاء في صمته القاهر المعبّر، وفي عرشه النائي المؤسطَر.. يبدو أنّ المبرّر الوحيد للتبديل، تأتّى من رغبة في التواجد في المعارض العربيّة، لتمرير الرواية، كي لا يحجبها العنوان من المشاركة، هذا على الرغم من ملاءمة العنوان المختار للنسخة العربيّة للمضامين المعالجة، لكنّ البراءة الظاهرة، لا تخفي أنّها مغلّفة بخشية مضمرة من الرقيب الفارض لشروطه..

   تنضمّ الروائيّة ياسمين شار التي كتبت روايتها «خطّ الحدود»، «المركز الثقافي العربي، ت : حسن عودة، 2009»، بالفرنسيّة، مُستلهمة ومستوحية من أجواء الحرب الأهليّة اللبنانيّة، إلى قائمة الروائيّين الذين كتبوا عن الحرب الأهليّة، واستوحوا من أجوائها الكارثيّة رواياتهم، التقطوا مختلف اللحظات؛ العدوانيّة فيها والإنسانيّة. حيث بقيت الحرب هاجساً انهمّ به الكثير من الروائيّين اللبنانيّين، وغير اللبنانيّين، حيث تسرد الكاتبة على لسان راويتها التي تكاد تتطابق معها، سيرتها الذاتيّة، التي تختصر سيَر الكثيرين من ذويها، وأبناء بلدها، الذين شرّدتهم الحرب المزمنة، قسَت قلوبهم، في محاولتها لانتزاع القيم الإنسانيّة، عند الاستماتة في الدفاع عن النفس، والبقاء على قيد الحياة..

   تكون الشخصيّة الرئيسة غير المسمّاة، فتاة مولودة في أزمنة الحرب، تكبر في ظلالها الثقيلة، تعاني من تداعياتها المريعة، الابنة الوحيد لأبيها الذي تهجره زوجته الفرنسيّة وتهرب مع رجل آخر، لتكمل معه حياتها في جزيرة نائية، ينتكس والدها جرّاء هجر زوجته له، يغدو قعيد البيت، يحاول العم التحكّم بسلوك الفتاة التي تنطلق، وهي مراهقة، محاولة ترميم الأهوال التي تخلّفها المعارك بين مختلف الأطراف.. كانت وهي تنتقل من منطقة إلى أخرى، تغامر بحياتها، لكنّها تصرّ على الدوام في المدرسة، على الرغم ممّا يكتنف الذهاب والمجيء من مخاطر لا تعدّ، علاوة على كسرها للقيود المفروضة على الجميع، إذ كانت تنتقل من خطّ إلى آخر، تجتاز الحدود بين المتحاربين، عساها تخلق حركة حيّة، من دون أن ترافقها الطلقات، أو تشوّهها الدماء.. تصف تلك المشاهد : «كان ذلك أشبه بفيلم صامت، بالأسود والأبيض. أتخيّل القنّاص كائناً بشريّاً، أمشي مبتسمة كي لا يطلق رصاصة عليّ، أضرع إلى الله أن يكون له أم، أن يكون له أخت أو خطيبة. أيّ صورة رقيقة تتوسّط بيني وبينه، بين عين القنّاص ورأس القنيص».

   في غمرة انشغال الفتاة بالحياة في ظلّ الموت المحدق بها من كلّ صوب، تتعرّف إلى رجل فرنسيّ، يقول لها بأنّه يعمل مراسلاً حربيّاً، يهديها مسدّساً، يعلّمها كيفيّة استعماله، يحنو عليها، ثمّ عندما تأمن له، ترتاح معه، يدعوها إلى بيته الواقع في برج منتصب في قلب بيروت، عندما يُدخلها البيت، يقول لها إنّ بإمكانها اختيار أيّة غرفة سوى واحدة يبقيها مقفولة في نهاية الممرّ، لم تبالِ الفتاة لما هو موجود في تلك الغرفة، هناك تسلّم له نفسها، سعيدة مبتهجة، تدعوه إلى الاستمتاع بجسدها، لتكون اللحظات السعيدة مختلسة من العالم الخارجيّ المحكوم بالضغائن والقتل والدماء، تهديه أعزّ ما لديها.. كانت تسأله عن مصاعب عمله الصحفيّ، وهو يروي لها الفظائع التي يلاقيها.. وبعدما استأمن الرجل على أنّه أحكم قبضته عليها، وتيقّن من تعلّمها استخدام السلاح بمهارة، يطلب منها أن تقوم بعملية قتل من أجله، تطلب الفتاة مهلة للتفكير، ثمّ تقرّر الاستجابة لطلبه، ترتدي زيّ المحاربات، البنطال الأخضر، البوط العسكريّ، تخبّئ المسدّس في خصرها، ثمّ تتجوّل معه على الشاطئ، في حين يظنّ المتحاربون أنّها ابنته، وفي مطعم على الشاطئ، تنفّذ المهمّة التي يطلبها منها، تقتل من أجله، من دون أن تسأل عمّن ستقتله ولماذا. تهرب بعدها، تخلع الزيّ العسكريّ، تنسلّ بين الناس، تسارع إلى بيت العشيق، في الطريق تقرّر أمراً كانت بيّتته سابقاً، وهو كشف الغرفة المقفلة، والتعرّف إلى ما تخبّئه، عندما تصل إلى البيت، تقتحم باب تلك الغرفة كاسرة القفل، لتكتشف الكارثة الكبرى بالنسبة لها، كانت الغرفة الواقعة في أعلى البرج، تحوي بندقيّة موضوعة على رأسها منظار قنّاص، نظرت في ذلك المنظار، رأت الجهات كلّها، وهي تنظر فيه، رأت صديقها، يحمل لباسها فرحاً، وضعته في قلب الهدف، ضغطت الزناد، ولم تأبه للتأكّد إن كانت الطلقة قد أصابت الهدف أم لا.. لأنّ اكتشافها كان ساحقاً لروحها، هي التي كانت تكره القنّاصين، وتتساءل عن طبيعتهم، وهل يمتّون للبشر بصلة أو لا، تقع في فخّ أحدهم، تعشقه، تهبه أعزّ ما لديها، تنساق لرغباته وأوامره، تقتل من أجله، تكتشف أنّها غدت وسيلة للقتل كغيرها، تحت ستار الحبّ والواجب..

   يمكن القول إنّ «خطّ الحدود» هي رواية الحبّ والحرب بامتياز، ذلك لما تشتمل عليه من قصص حبّ تنهيها الحرب، وقصص مأساويّة تخلّفها الحرب، حيث تكون المصائر متشابهة لشخصيّات الرواية، التي هي نسخ عن شخصيّات الواقع الذي تصِمه الحرب، حيث الموت بطريقة أو أخرى بانتظار الجميع، فالأب المهزوم من داخله، المقتول بهجر زوجته له، يموت على فراش المرض، تلحق به بعد شهرين، أمّه التي كانت فعّالة ونشطة في أوساط الفرنسيّين أيّام الاحتلال، حيث كانت قد افتتحت حمّاماً للنساء، غدت مع زوجها مركزاً لاستقطاب الأعيان، تُقتَل برصاص طائش يستهدفها وهي تتجوّل بين أنقاض حمّامها الذي شوّهته الحرب ودمّرته. ثمّ هناك الأم التي هربت مع رجل فرنسيّ متأمّلة الحرّيّة والعيش السعيد، تبقى وحيدة بانتظار الموت في جزيرة منقطعة عن البشر، لا تستطيع الخروج منها، كذلك هناك ليال، الفتاة المقبلة على الحياة، التي لم تكن تخجل من كونها فتاة، بل كانت تتباهى بأنوثتها الطافحة، تنتكس بدورها بعد تجربة قاسية مريرة، يخبو جمالها، يذوي جسدها، في رحلته إلى التلاشي..

   تصف الكاتبة حال لبنان أثناء تلك الفترة المديدة من تاريخه، كيف تقسّم شعباً متناحرة، في حين أنّ التعب أصاب الكلّ، كانت الوجوه ترشح بالحيرة والذهول، تشخص الأبصار إلى الأفق، تسيطر على الجميع فكرة وحيدة، هي الخلاص. ذلك أنّ الحدود المتغيّرة، التي كانت تشطر العاصمة، كانت مُلغمة قاتلة، في حين أنّ أيّة هدنة كانت هشّة تنهار لأتفه الأسباب، فيشتدّ أوار القصف.. تصوّر الكاتبة كيف أنّ بيروت كانت تتحوّل إلى محطّة إذاعة عملاقة، ينتقل الخبر؛ خبر القتل، التدمير، القصف، الاشتباك، من نافذة إلى نافذة، ومن حيّ إلى حيّ، متّخذاً شكل كابوس، متلبّساً الجزع وباثّاً الرعب في الأرجاء كلّها..

   تقدّم الكاتبة نماذج من زمن ما قبل الحرب، وما بعدها، حيث التغيير قد اجتاح الأشخاص والأمكنة، تغيّرت الملامح، اكتست الوجوه هيئات القتَلة، في حين أنّ الكلّ كانوا ضحايا.. تسرّب الكاتبة، بشيء من المباشرة، بعض التعريفات، التنظيرات، على لسان راويتها التي تظلّ نهباً للمآسي التي تتناوب عليها، منها مثلاً رؤيتها للمواطنة، التي تقول إنّها ليست فعلاً مُكتسَباً. وتدعو إلى القيام بالواجب إزاء الوطن، كما تحذّر من الشطط في الوطنيّة، «لأنّ الوطنيّة ليست مسألة جرعات مقدَّرة ومعيَّرة». تقترح حلّاً روائيّاً للمشكلة المستعصية، التي يكون حلّها عبر سؤال بسيط ينبغي أن يلقيه الجميع على أنفسهم، على أصدقائهم وأعدائهم، وهو : «أيّ مستقبل تعدّونه لأبنائكم؟».

   ولربّما تختصر المقولة التالية رسالة الرواية، حيث تسردها بكثير من الإيلام : «مع مرور الوقت ظهرت لنا الحقيقة. بتنا على يقين بأنّ الحرب ستمضي حتّى نهاية ما ينبغي لها تحقيقه دون حدود زمنيّة. صار ذلك بداهة تسحقنا، تبخّرت الآمال، وانهارت محاولات إعادة البناء. غدونا ناجين من أنياب الموت، وغدا لبنان مكاناً لتصفية الحسابات». ومن هنا فإنّ رواية «خطّ الحدود»، هي رواية الحبّ المهزوم، المنكسر، المجنون، ورواية الحرب المجنونة التي خبطت خبط عشواء، من دون أن تستثني أحداً من ويلاتها، تلتقط بعضاً من آثار الحرب المتواصلة التي أنهكت الجميع، أثقلت بضروب الإهانة، وغرست فيهم إحساساً بالألم لا يمّحَى، خابت على إثرها آمالهم، أجبرت على الهجرة، زرعت الفرقة، فكان أن أسكنت الغربة في الأرواح وعشّشتها بالأوجاع التي لا تنتهي، تصوّر الانتماءات المُتضالّة المتحاربة. تبقي الاسم مجهولاً لتعمّم المصيبة، عسى أن يُبحَث لها عن حلول ناجعة كي لا تتكرّر تلك المآسي مع غيرها..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This