يد مبسوطة للمصالحة في شكل صلاة

يد مبسوطة للمصالحة في شكل صلاة

الخطاب الذي ألقاه باراك أوباما في القاهرة يؤكّد تغييرا في الإستراتيجية لمواجهة التحديات المعقدة لفترة ما بعد 11 سبتمبر، دون التخلّي عن صياغة دينية جدّا للرهانات.

قد أراد بوش، بخلطه الخطير بين الإنجيل وأفلام رعاة البقر، أن يجيب عن التطرّف الديني بالحرب باسم الإله، بينما يريد أوباما محاربة الأصولية بالحوار بين الأديان. هذا تقدّم واضح. لكنّه لا يقاوم إغراء تفضيل الإيمان كلغة مشتركة بين أمريكا والعالم الإسلامي.

لقد استشهد الرئيس الأمريكي في خطابه عدّة مرات بـ”القرآن الكريم” و”التوراة المقدّسة” أو “الإنجيل المقدّس”، وأثنى على الأنبياء موسى وعيسى ومحمد، مضيفا “السلام والنعمة والبركة عليهم”، قبل أن يعلن أنّه راغب في السلام لأنّ “الله يشاء ذلك”. كان جورج بوش قد شنّ الحرب على العراق “لأنّ الله طلب منه ذلك” (أيضا). إله أوباما مسالم أكثر من إله جورج بوش، وهذا أفضل. غير أنّ هذا التعزيم لا يزال محفوفا بالمخاطر، لأنه إذا كان الربّ يقف وراء كلّ هذا، فما الذي حدث إذن؟ أتراه غيّر رأيه؟ أم هل أنّ البيت الأبيض غيّر الخطّ المباشر (معه)؟ ولكن، في الواقع، من ذا الذي يستطيع أن يؤكّد لنا أنّ صلته بالإله أفضل من صلة تنظيم القاعدة به؟

لنقم، بدلا من ذلك، بافتراض أنّ الله لا علاقة له بهذا الأمر، وأن فِرق عمل أوباما لم تجد ببساطة، (وسيطا) يعيد خطّ الهاتف بين واشنطون والقاهرة، أفضل من هذا الفني. وفي الواقع، فإن معظم مقاطع الخطاب التي حظيت بالتصفيق كانت تلك التي استشهد فيها الرئيس الأمريكي بـ”القرآن الكريم”. فوفقا للتقاليد الأميركية، التي تعالج مسألة الحجاب من زاوية الحرية الدينية، اعتبر الرئيس الأميركي أنّ من واجبه أن يعيّن مع ذلك عدوّا مشتركا يتمثل في تلك البلدان العلمانية النكراء التي تحظر على المسلمة تغطية الرأس.

لا أحد يمكن له أن يلومه على محاولته تسوية الخلافات وسعيه لتحقيق مزيد من التقارب بين أمريكا والعالم الإسلامي، إلا إذا كان هذا التقارب على حساب العلمانية. ذلك أن العلمانية – وليس وحدها الحرية (أو حتى التعددية) الدينية – هي التي تستطيع أن توقف هذه الحلقة المفرغة المغذّية للأصولية.

في الولايات المتحدة، يؤدي اللجوء بصورة مبتذلة إلى الله في السياسة، إلى تعزيز موقع اليمين الديني. ونجد نفس الشيء، لكن بشكل أسوأ في البلدان الإسلامية. لا يساعد استخدام الإسلام لغايات سياسية على الحدّ من التعصّب الأعمى، على الإطلاق؛ بل العكس هو الصحيح. عندما يكون الإسلام دين الدولة، وعندما تفشل الدولة يتبدّى الأصوليون بالضرورة وكأنّهم بديل مشروع. وهذا ما يضفي على عملية الدمقرطة، إذا ما تمّت قبل العلمنة، خطورة كبرى. إذ أنّ الإسلاميين يحرزون على نجاح كبير عند كلّ نفحة من الديمقراطية.

فالبلدان التي، مثل تركيا، تمتعت بأفضل الحظوظ، تعلمنت أوّلا، ثم تدمقرطت بعد ذلك. حتى وهم في السلطة، فإنّ الإسلاميين الأتراك وجدوا أنفسهم مقيّدين بالدستور العلماني. أما في مصر، حيث العلمانية آخذة في الانحسار، فإنّ انتصارًا للإخوان المسلمين من شأنه أن يُستخدم كإشارة إلى كلّ الذين يحلمون بإنشاء نظام ثيوقراطي عن طريق التصويت الديمقراطي.

يبدو أنّ الحلّ الوحيد يتمثّل إذن في العلمنة أوّلا ثم الدمقرطة تاليا – مع منع الأحزاب التي تسعى لاستعمال الاقتراع الانتخابي لإقامة دكتاتوريات دينية أو لائكية – من المشاركة في الانتخابات. وهذا لا يمنع من فتح الحوار مع كل الفاعلين في هذه الحلقة الجهنمية، سواء كانوا مستبدّين (علمانيين) أو تيوقراطيين (دينيين). شريطة ألا ننسى أبدا من هم الحلفاء الحقيقيون للديمقراطية، أي أولئك الذين لم يعودوا يطيقون (هيمنة) المجموعتين معا.

لن يكون هؤلاء الديمقراطيون العلمانيون في موقع قوّة، في غياب علمنة حقيقية. ومن هنا تأتي أهمية مخاطبة العالم الإسلامي بلغة العقل، لا بلغة الدين. وإذا كان الألمع من رؤساء الولايات المتحدة لا يستطيع الإقرار بذلك، فإنّ أوروبا، لا يجب عليها ترك هذه النغميّة تنطفئ.

{{نشر المقال بصحيفة “لومند” بتاريخ 6 جوان/حزيران 2009}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق