يستودعون الشرف حيث لا يدرون / سلام الكواكبي

فجعت الأوساط الحقوقية والنسوية السورية بقرار قضائي أفضى إلى الإفراج عن قاتل أودى بحياة شقيقته «زهرة» ذبحاً لأنها خطفت قبل بلوغها السن القانونية على يد أحدهم، ومن ثم عُثر عليها وأوتها إحدى الجمعيات التي تعنى بالقصّر من الفتيات. وقد تقدم للزواج منها «على سنة الله ورسوله» ابن خالتها حيث عقد قرانها وقبض أهلها المهر وأقيم حفل زفافها. وبعد أشهر زارها أخوها القاتل لينفذ جريمته في ضيافتها وضيافة زوجها. لقد حظي هذا المريض حتماً برأفة «العدالة» التي منحته عذر «الدافع الشريف» حيث خفض الحكم عليه من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة وأفرج عنه.

جريمة عار جديدة تُرتكب في مجتمع تتراجع معاييره المدنية للتقوقع في كهوف جاهلية مُحدثة ومشغول عليها من بعض الرموز المتنكرة بلبوس الدين والتعبد، ولكن أيضاً من بعض المسيّرين له والمنظرين لتخلفه المستنبط. فما معنى أن تقترف «العدالة» مثل هذه الخطوة بعد أسابيع عدة من تعديل القانون الذي كان يمنح المجرم العذر المحلّ واعتباره من الآن فصاعداً مجرد عذر مخفف، مما أدى إلى تعبير الجمعيات الحقوقية والنسوية عن فرحتها المتسرعة بهذا التطور. تطور لم يعتبر أن ما يسمى جرائم الشرف هو عار على جبين أي مجتمع يبحث عن تقدمه، ولو بعد سنوات قمرية، ولكنه حاول مسك العصا من منتصفها علّ وعسى… وبالتأكيد، وما يمكن تمنيه سذاجة أو تفاؤلاً، فإن القضاء سيراجع هذا القرار المفاجئ، أو أن هناك سلطة عليا ستوبّخه وتعيد القضية إلى البحث.

ولكن الإشكالية تتجاوز المسألة القضائية لتعيد فتح باب لم يتجرأ أحد على إغلاقه تماماً ولا على فتحه مشرعاً أمام المساءلة الأخلاقية والتوعوية والمدنية والحضارية والإنسانية. الكل حاول تجنب المواجهة، من رجال دين إلى منظمات نسوية إلى سلطات تنفيذية إلى نخب مثقفة. لقد جرى تناول جرائم العار ممّن «هب ودب»، ولكن في إطار «المعقول» وغير المزعج وغير الصادم. فيما يشهد المجتمع تقهقراً فكرياً وأخلاقياً، بالمعنى الحقيقي للأخلاق لا في معناها التحريمي والتخلفي. ويتحاشى الجميع مواجهة الأمر ويحصرونه في نص القوانين المنقوصة، ويتبرأ منه رجال الدين في العلن ويكتب عنه المثقفون في هوامش تعبيراتهم، ويتورع القضاء عن الحزم في مواجهته، وتغيب عن المناهج الدراسية أية إشارة سلبية له وكذا عن الدروس الدينية التي تنتشر بشدة.

أزمة ربما تظهر للبعض بأنها هامشية ولا تمثّل ظاهرة تستدعي التنبه والحذر. وهذا فعلاً ما يذكره بعض الرسميين بحصر الأمر بجرائم محدودة ويرون في الحديث عنه رغبة «خارجية» أو «لا وطنية» لزعزعة الاستقرار الداخلي. ومن جهتهم، يعالج المتدينون هذه الجائحة بإلقاء اللوم على الضحايا واعتبار أن تربية المجتمع لهم منقوصة، وخصوصاً من الوجهة الروحية، وبالتالي، فهم يجدون المخرج الأسهل في العودة إلى مبادئ الدين والابتعاد عن الوقوع في «الموبقات» وكفى الله المؤمنين شر جرائم العار.

القضية لا تنحصر في المشهد السوري، ولكنها تنتشر في المجتمعات الشبيهة التي لم تحاكم بعد ذاتها. فلم تطرح حتى الآن استراتيجية عمل إقليمية لا تكتفي بالتنديد والشجب بل تقوم على العمل العام الناشر للتوعية والمساهم في منح أخلاقيات جديدة لأجيال قادمة ليس من الضروري أن تكون متعارضة مع المقاييس التقليدية حتماً، ولكن أن تحاول قدر المستطاع إيقاظ العقول وتنبيهها إلى أنها تجاوزت حقب داحس والغبراء وقيس وليلى وحروب الفرنجة. ربما أسس ذلك لثورة أخلاقية تتجاوز الصيغ الممجوجة للمفاهيم الأخلاقية المتعامل بها حتى اليوم. ولكن العمل العام يحتاج إلى رأي حر يعبر عن ذاته دون خوف، وإلى احتشاد مدني منظم لا تقهره قوانين أو لا قوانين قراقوشية، وإلى مساحة تعبير يطل بها على «العامة» عبر وسائل إعلام غير مقيدة ومحصورة التبعية، وإلى تعددية سياسية تسمح له بالانتقال من حيز التعبير النظري إلى حيز التعبير العملي، وذلك عبر أدوات تشريعية له فيها تمثيل حقيقي. وبالتالي، فالمؤسسات التشريعية ضرورة قصوى والوصول إليها لا يكون إلا من خلال تعزيز ثقافة المشاركة والمواطنة والابتعاد عن القيم العشائرية والهياكل التبعية والزبائنية.

برنامج عمل طويل المدى فعلاً، وربما محبط لبعض الهمم «المستعجلة». ولكن النظرة الهادئة والتحليل غير العاطفي يحيلان إلى مثل هذه البرامج. فالتغيير لن يأتي على صحن من ذهب. والإصلاحات القائمة حتى الآن في المجتمعات العربية تحصل بالكاد و«بالقطارة»، والتعويل عليها في نموّها الحالي وانتظار تطورها هو وهم شائع. المطلوب من النخب التي لم تنخرط بعد في منظومة النفاق، ومن تلك التي لم تندمج بعد في الأطر المستندة إلى الأخلاقيات الدينية لإقصاء الأخلاقيات المدنية ليس إلا، وبعيداً عن الحق الشخصي في الاعتقاد وفي التمسك بالأديان مهما تنوعت، مطلوب من هذه النخب «التصدي» لدورها البنيوي الذي ما فتئت الأدبيات السياسية والفلسفية والاجتماعية تشير إليه، واعتبرت أن ضموره هو علامة على «احتضار» الحضارات أو على الأقل تقهقرها. وهذا التصدي صعب للغاية في ظل مؤسسات سياسية أو دينية إقصائية، وفي ظل استقالة مجتمعية وابتعاد «العامة» عن الانخراط في العمل العام، وفي ظل ضمور ثقافي يستعاض عنه بخطابات جوفاء لا حول لها ولا قوة، وفي إطار المساحات التعبيرية الضيقة وشبه المعدومة، وفي ظل الاستقطاب السلطوي أو الديني أو المالي للبعض من هذه النخب.

فعلاً، وفي مثل هذا المناخ، التصدي صعب، ومن يتنطحْ للقيام به يتخلَّ آلياً عن مكتسبات الاقتصاد الريعي والرضى السلطوي أو الديني الرسمي في كل البلدان المعنية، ولكنه «شرٌ لا بد منه» إن أردنا أن نحمي مجتمعاتنا من الوصول إلى مرحلة اللاعودة. قال أحد رجال الدين التنويريين في نهاية القرن التاسع عشر ما معناه: «الغربيون يستودعون شرفهم في العمل والشرقيون يستودعون شرفهم في الفروج». ومضى قرن ونيف على تلك العبارة الجريئة وما فتئ البعض من الشرقيين في استيداع «شرفهم»، الذي هو عار عليهم، في الأعضاء التناسلية، مثبتين بالتالي أن عقدهم الأوديبية لم تتجاوزهم وهم بحاجة إلى سيغموند فرويد أكثر من حاجتهم إلى نصوص فقهية. والله أعلم.

عن جريدة الأخبار 27/11/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق