يفلت الذئب من ذئبه وينغمس بي.. نص في الشغف والنقض

حفروا كلمة (ذئب ) في ذاكرتي بمخلب وحش، لكنّ القلب ارتعش في غضب مضاد لميثولوجيا الضواري، تلك التي سودت الصحائف بأباطيل الإنسان عن ذئاب البراءة.
هو ذا ذئبي الفرد، أتأمله، وأكثر ممّا اشتبه به آلفه، وأكثر مما أخافه أحبه، وهو يلحق
العار بالحكايا والنصوص المضادة ويتسلل إلى دمي شبحا قمريا  محمولا في كلمة  شوهت تاريخه وأعاقت استمتاع الجسد بلذة القنص وصعود شهوات الدم .
ذئبي الفريد استحال بحبي إلى ذات حرّة نجت من سواد الذاكرة الملغومة، لتواجه نصاعة التجربة وتمحو التلفيقات  المقدسة..
هاهو ذئبي الآن: متوج بالغرابة وهالته لامبالاة تدحض كل ما سبق لحظته وتطلق روحا عاصية في برهة السلام بيننا ..
بافتتاني به ولامبالاته بي أدرك الذئب أننا نفلت من ذاكرة أفسدتها النصوص، كلمتي تغويه، فيتمدد في دمي ماحيا تلك الذاكرة التي يشتبك فيها الدم بالمخلب والأشلاء بالمخيلة..
يفلت الذئب من ذئبه وينغمس بي لنتكاثر في نضارة المفردة الجديدة التي تشعّ برحيقنا الداكن: قطرة لغة على تاريخ المخاوف..
كلمة ذئب تشكلها هبّة الريح وغفلة الغاب وشهقة النبع في ظهور سحري يباغت اللّيل ويجلو براءة الذئب ويؤجل شراسة القاتل في أصابعنا .
والكلمة تغوي القمر بالسطوع والذئب بالعواء فتهيج عاطفة فاتكة من شهوات سلالات القتل .
وأنا بما أنا فيه كلُ مكتمل إزاء فتنة الوحش، أعزز سر المرأة والذئب..


بوحه مشوش بالتراث البشري المظلم، وجسده يتموج باتجاه ماض مثلوم بالمخلب والناب والصرخة العاوية  وارتعاش  العظم  الوردي المتبقي من شلو الفريسة..
أتقدم إليه بتاريخ حروبي وخطايا الأسلاف واجمع شتات أنينه الخافت في نومته وعيناه  تستولدان اليقظة الذئبية من خدر الكائنات في المدن والغابات. عيناه تبرقان في الوسن الذئبي  وحذر الضواري وأنا أتعالى إزاءه في توأمة غامضة مع روحه الأخرى ..


نومة الذئب عزلة ناجزة، لا وعي يحكمها باختيار أو هروب، أما وحدتي فهي توطد التوأمة بين صرخة ذئب وشغف امرأة.
أراه الآن: لعبته النوم  في صحو ناقص يعاكس خدر نومنا البشري، يراني ويرنو إليّ في تحديقة المسرنم الهائم غير مدرك لفرادته  إزاء تكرار الثوابت  فينا..
هو الذئب الذي لا ينسخ وجوده، إنّما يوجد واحدا في كل مرة، ذئبا خارجا عن نمط السلالة  بينما يتكرر البشري في لذائذه وغروبه، والذئب لا أول له ولا آخر، وأنا اصطاد لحظتي وأتوغل في المجال السحري القائم بين حدود الذئب  وحدودنا..
هو نائم في التحام شغوف بالتراب والضوء، أنينه الخافت منغم شبه أغنية النهر، وعنقه يحفر صدعا في الهشيم ويرسل نبضه إلى حواسي التي يدركها نداء البراري وأصابعي تتندّى بنسغ  الدردار بينما الذئب يشتعل بافتتان الدهشة الأولى ..
هو سيد لحظته، غير مكترث بما هو آت ولا آبه  بما هو سابق له، لكني اقذفه إلى الغد الذي لا يدركه حدسه وأنا أزيح ارث أسلافي عن ذئبيته وأمحو تاريخ القتل عن أنيابه ورجفة دمي ..
تحت رأسه عشب مسحوق ودم فريسة ساخن تشع رائحته في رعشة زفيره وخطمه الأسود، فيجف تاريخ الكوكب الأرضي القاتل على شدقي ذئب وديع ..
هذا الذئب الفاتن الناعس وأنا المرأة الطالعة في يقظتي الوعرة أبث إشاراتي إلى ذاكرة بيضاء وآخذ الذئب من لبّ البراري إلى حافات المثول البشري ..
أخافه لبرهة، وافكك تاريخي الذي دونته المخاوف والعداوات الغامضة بيننا وأتقدم نحوه أتحرى الجمال في روح داهمتها عتمات الوقت واختلاجات جسد متحفز، أذناه ترتفعان برهافة رادار يقظ يلتقط إشارات السماء ..
أحنو عليه واسأله : ما الذي يأتيك من أقاليم الغمام ؟؟
أفكر أنه يتهيأ للإفلات والهرب، لكنه يدرك فكرتي  فيرد:
– إني أتأهب لخيانة كل ما حدسته فيّ..

يدير وجهه غير مكترث بردة فعلي، يهملني هذا النواّم، نائما صنو براءة راسخة يرصد اختلاج العالم فيه وغير مكترث بتلفيقاتنا عنه، يترقّب ما سوف تهبه أصابعي من ألفة دون أن يتيح للغفلة أن تنتابه ..
 أناديه في مباهج الركض بين فخاخ الرعاة، هذا المتهم بدم أنبياء وجدات غامضات. هذا
الذي اسقط قرائن القتل وأدرك أن تدليسنا البشري هو الذي أحال إليه جرائمنا ..
يراني أول الحدس واحدة تكافئ فتنة براءته باللمسة الواجفة. يراني ويحني هامته ثم يعدو عاويا بوجه القمر ..
أقترب منه، اقترب أدسّ أصابعي في الدفء الناعم لعنق الوحش الذي يسترخي ويتمدّد أمامي، دفئه ضوء روح وحرارة جسد حيواني واختمار تراب مع عصارة زهرة الأدونيس السامة والدم المتخثر  من فرائسه..
تتقبض أصابعي من فعل ذاكرة خربها التلفيق البشري عن الذئب. نبضه يتردد في استرخاء العنق الذي يعود متوترا في لحظة الشك الذئبي بنا. أسحب يدي فيهب الذئب غير آبه بي  ويحدّق في مدى الطبيعة الغامض، ثمّ ينظر إلي بعينين لهما وميض ذهب ودهشة طفل وبحركة ناعسة يدرك  تخلخل الريبة بيننا بالشغف، فيقفز إلى روحي مثل فهد رامح: مستقيما وساطعا  لتتناثر صورته في دمي  كاشفة عن أسرار  براءته في همهمة وعواء..
خجلا يحدق إلى نظرتي، وصوته محتشد بلغات الغاب والليل، ضامّا مخالبه إلى وسائدها الفرائية، نافيا عن رعشتها شهوة الإنغراز في لحم الفريسة  مبطلا آخر أكاذيبنا عن ضراوته ..
 خجلا يهمهم لي :
–  أنا غير معني بما تظنونه بي ..
 عين الغابة. عين السنديانة، عيون الشقائق، عين الهضبة، كلها ترصد بشعاعات الطبيعة، الخط الممتد بيني وبينه وترانا بمعرفة أخرى، والذئب يضحك من بلاهة الرصد البدائي، ويقفز ثانية إلى دمي..

2


لما وجدني  ساكنة في ذهولي به ، ضجر منّي ثم نسيني وأطلق عواءه مخترقا اشتباك الضوء بالشجر والغبار، وبدا غير آبه بشغفي وكأنه لم يعرفني، ولما تكلمت  توقف وأدرك  ما  بيننا ثم مدّ خطمه إلى يدي، همست له:
–  نحن نتاج هدنة بين ذئب يقظ وصياد اخطأ التصويب ..
طرفت عيناه إزاء فكرتي، ثم برقت أنيابه في ابتسامة هزء وهمهم:
– إنما نحن محض مصادفة ..
– الم نعقد اتفاقا ؟؟
– ما نحن فيه هو من فعل إرادة اللحظة..
– أنت متفق معنا !!
– بل مفترق عنكم فأنا معني بالنقض لا بالصفقات ..
– تروقني لامبالاتك ..
– لا تسرفي في تقدير ما أنا غير معنيّ به، ثم لماذا يقترب بشري مثلك ممن هو وحش؟؟
–  المجازفة  شرعتي ..
– شرعتي ارتياب متجدد بكم ..
– أنت محكوم بضرورة المخلب .
– أنا غير ملزم بماض صنعه لي سواي..
–  أأنت معني بما أنت فيه ؟؟
– بل بما لست فيه ..
 ـ أنت تنسى، مؤكد أنك نسيت..
– أنا مولع بالإلغاء، أتمرن على التغاضي ..وأتدرب على اللامبالاة بشيء ..
– إزاء   كل شيء؟؟
 ـ إزاء ما لا يوازيني !
– وإزاء ما يهدد ك؟؟
– أكون نفسي ..
– ذئبا   كالضواري ؟؟؟
 – بل كل الذئاب في مخلب واحد
– أنت تربكني  فأخافك ..
لأنك محكومة بوقائع نسبوها إليّ ولا أبالي بها ..
– مع ذلك أنا مفتونة بك أنت كائن حر صاعق الجمال ..
– ذلك أمر آخر..
-أنت أشدنا براءة..
– بأي قياس ؟؟
 ـ بلعبة القتل والفتك..
 – تلك لعبتكم ..
 – وسر بقاء الضواري
 – خطؤكم الأبدي الحكم بدلالة براهين من أوهامكم عناّ..
– أين ستمضي بلامبالاتك ؟؟
– لست ملزما بالإجابة على كل التساؤلات ..
-إذن أية أجوبة ستمنحني ؟؟
–  ما أريد إبلاغه لعالمكم .
–  وماذا ستبلغني ؟؟
-أن تغادري كل حال  وتهبي الأسئلة للعراء وتدركي نداء الشراكة بين روح الذئب وروحك..
– أتدركنا  بما هو فينا قبلك ؟؟
– أ درك نفسي بما هو فيها فأبلغ ما هو مكافئ  لروحي فيكم ..
– أأنت أكيد من هذا ؟؟
  -لاشيء أكيد في هذا العالم، إلا ما نكونه لحظة نشاء وننقضه لحظة تحوله إلى حالة ممكنة..
–  أموقن  بهذا الذي تقول ؟؟
–  بل مرتاب به أيضا ..
– دائما ؟؟
– لا، فالديمومة اكتراث بما يأتي به الزمن وأنا فوق الزمن..
–  أين أنت من الزمن ؟؟
–   فوقه  – أنا أطفو فوقه  مندفعا إلى الأمام وهو الذي يلحق بي ..
– تطير – يا له من مشهد فاتن: ذئب يطير
–  قلت أطفو،  فالطيران لعبة أخرى من وهم الريش ..
– أنت تحب اللعب وسلالتك مولعة به ..
– وماذا تفعل سلالات البشر ؟؟
– نحن نغلق الوقت .
  -على أوهامكم فتتكاثر فيكم، أعرف فانتم وارثو الأقفال..
– تلك  معارضتنا  للموت، فنحن نعادي الفناء
–  ولماذا تقتلون التنهدات وأحلامنا ؟؟
– التنهدات أتعرفها حقا ؟؟
– لا، إنما هي التي تعرفني..
– كم تشوش لغتك ما بيننا ..
أنا لا أشوش  سوى قناعات البشر، أخطاءكم ، لأنني لا أبالي بما هو متفق عليه ..
– والهدنة بيننا ؟؟
 ـ أنقضها متى أشاء!
– تدحض براءتك  بما أسقطناه معا ؟؟
– أعلنها بما لا يدركه البشر ..
– براءتك المعلنة تحذفنا ..
-إنني  تعب. لماذا لا تدعونني  في لذة النوم ؟؟
– أيها النوّام. كم يغويك النعاس!!
ـ وانتم أيها البشر، كم تعرقلون المباهج. أدركت الآن أنكم مروجو الظلمات ..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق