يهود العراق: عود وانعطاف إلى أيام الحب والعفاف / شموئيل (سامي) موريه

ترددت كثيرا في كتابة هذا الفصل، فقد اتهمتني الدكتورة هدى بأن لا أتورع في كتاباتي بذكر الشتائم والسباب بالقلم العريض، ولكنها الواقعية بل لنقل المذهب الطبيعي في الأدب الذي ينقل الواقع بحذافيره دون تدخل الرقيب أو مقصه لنراعي ذوي الأذواق الرقيقة الذين “يجرح مر النسيم خدودهم “. وخشيت أن أجرح مشاعرها الرقيقة فعزمت على أن أجيل فما أكتب “مقص الرقيب” لشرطة الأخلاق العربية، وأن حذف ما سمعته في طفولتي وصبايا في العراق من سباب وشتم لكي لا تحمر صفحة شاشة الحاسوب خجلا من جرأة الواقع الذي عشته وبقي محفورا في ذاكرتي، “والعلم في الصغر كالنقش في الحجر”.

ولكن لو كتبت كل ما انطبع في ذاكرتي من ذكريات ومشاهد في العراق، لقيل بأنني أبالغ. وكدت أحذف بعض الكلمات من شجون الذكريات، ولكن عروس الإلهام عاتبتني بلهجتها العراقية المحببة التي تفخم حرف اللام، بقولها “يابا ليش تشيل واتحط، عدل بدل، يعني قابل أنت دتخترعها من راسك؟”، لقد قلت لنا بأنك تقوم بالكتابة الواقعية وما تكتبه هو الحقيقة، ولكن أن تقوم بعمل مكياج فيما تكتب، أو تجيل فيه مقص رقابة شرطة الأخلاق، فإنك تشوه الحقيقة. ثم وصلني مقال للأستاذ خالد القشطيني يتحدث بصورة واقعية عن يهود العراق ويحسدهم على لباقتهم وصدقهم وأمانتهم في معايشة المسلمين، وهو يحب الحديث عن الجنس أو ما يسمى بالأدب المكشوف، ففي مثل عمرنا لا يوجد “بعد كلمه اسمها عيب”، وكان العراقيون يقولون لرفع الكلفة بين الأصدقاء “العيب بالجيب”. والعجيب أنني وجدث تشابها كبيرا بين مواضيع كتاباته وكتاباتي، ولَِمَِ لا، فنحن عراقيون أبا عن جدّ، ومتقاربان في السن، ولذلك فان مواضيعنا تتشابه وإن كانت من بعيد. وفي حديثه هذه المرة أيضا كتب يحسد اليهودي حتى في كيفية وفاته. وهذا اليهودي هو من هواة الفن هذه المرة وليس من التجار الأغنياء، وهو يهودي دنبكجي أي بالعربي الفصيح “ضابط إيقاع في الجوقة الموسيقي”، أحب راقصة عراقية مسلمة، ثم “أنجبر بيها” أي أحبها حبا لا يستطيع الفكاك منه، شيخ من شيوخ الخليج، وتزوجها “على بركة الله وسنة رسوله” ومضت الأيام ولم تحمل منه، وعلمت انه مصاب بالعقم، فقررت أن بكون لها طفل بأي ثمن لكي يرث ثروة أبيه الطائلة، فتذكرت عاشقها اليهودي البغدادي الدنبكجي، فليس مثل اليهودي في كتمان علاقاته مع النساء المسلمات، وسافرت الى لندن لتعود بولي عهد للشيخ المبجل، ومن فرحة الدنبكجي بان حلم حياته تحقق، أصيب بسكتة قلبية ولكنه استطاع أن يخلد نفسه في صلب ابنه الذي سيصبح شيخا جليلا. وليعذرني الشيوخ على تلخيص هذه القصة، ولكن “ما على الرسول إلا البلاغ”، ولا اعلم اذا كانت هذه القصة حقيقية أم من نسج خيال الأستاذ القشطيني المبدع، ولا يهمني إذا كانت هذه القصة حقيقة أم من بنات افكار الأستاذ الجليل، ولكن المهم أنها تشبه قصة واقعية عاصرتها ورويتها في ذكرياتي، وهي حب صباح ابن نوري السعيد لرفيجته (رفيقته أو خليلته) اليهودية. وعندما أجبرت تصرفات الحكومة الملكية وعسفها اليهود على الهجرة إلى إسرائيل، كانت هذه الرفيجة حامل وهناك وضعت أبن صباح وحفيد نوري السعيد في مستشفى ولادة اسرائيلي.

وبعد مصرع نوري السعيد ومقتله الشنيع وسحله في شوارع بغداد حتى لا ندري إذا بفي من جثته بقايا تدفن، وبعد سماعها بوفاة صباح نوري السعيد، طالبت “الكرل فريند” اليهودية بنصيب ابنها من الإرث، والرفيجة باللهجة العراقية وفي اصطلاح الفقهاء، كلمة يشم منها رائحة الفسق والفجور والفاحشة الكبرى، ولكن اليوم بفضل الثقافة الأمريكية ونشرها لمدنية العولمة، أصبحت “الرفيجة”، كما أخبرتني الدكتورة هدى، تسمى “كيرل فريند”، وبذلك غسلت العار عن المصطلح القديم كما تغسل أموال المتاجرة بالمخدرات والاسلحة الفتاكة، وتكون صالحة لايداعها في البنوك المحترمة لعمل المبرات في سبيل الله. وهذه مكرمة من الحضارة الأوربية على العراق الذي كان قد غنم أيام الاحتلال البريطاني ثقافة إنكليزية عالية عبر عنها المرحوم جارنا محمود وناس في البتاويين بقوله: والله يا جماعة الخير، أتمدّننا وحتى الجلب صرنا أنسميه بوبي”. و لكن هاي الرفيجة اليهودية “وين تروح وين تجي” ومقاطعة إسرائيل من جانب الدول العربية تجرى على قدم وساق، ولم تقبض من كل الدعوى ولا فلس احمر واحد، ولعلها ستجدد الدعوى بعد أن يحل السلام بين العراق وإسرائيل باذنه تعالى. ويبدو “ان الدم ما ينقلب ماي” كما يقول المثل العراقي، وترعرع الحفيد اليهودي لنوري السعيد وعمل في السياسة مثل جده الداهية المرحوم، والذي أخذ بعض العراقيين اليوم يحنون الى أمجاده التي شوهتها الانقلابات المتتابعة في العراق، ثم أصبح هذا الحفيد فيما بعد رئيس بلدية في مدينة كبيرة في إسرائيل، وهكذا نرى صحة المثل العراقي في “أن الدم ما ينقلب ماي” والعرق دساس.

نع/ لقد عجبت للتشابه بين القشطيني وبيني من حيث استحواذ هاجس الكتابة عن يهود العراق، فهو مولع بالحديث عنهم وعن ذكائهم ومسالمتهم ومسايرتهم للواقع وصدقهم ويرى أن سبب صمودهم في العراق هو تسامحهم لأنهم كانوا يميلون إلى حيث الريح تميل، فالأستاذ خالد القشطيني يحسد اليهودي في كل شيء حتى على ساعة مماته، ولا يتورع من استعمال المفردات الجنسية في سبيل الواقعية، كما كان يفعل رواد قهوة الشط وقهوة عزّاوي في بغداد أيام العز. فقلت لنفسي، اذا كان أستاذ وكاتب قدير ومشهور من كتاب جريدة “الشرق الأوسط” الخابصة الأوساط السياسية والثقافية في العالم، يكتب بالقلم العريض، فلماذا أتردد في الكتابة عن الحب في العراق كما شاهدته. فأنا أرى نفسي شاهد عيان لفترة حرجة من تاريخ العراق وتاريخ يهودها، وقد أقسمت أمام التاريخ بان أقول الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق، وذلك حين دفعتني الأقدار، بدون سابق إنذار، إلى تدوين مذكراتي في مجلة “إيلاف” المتسامحة الحرة. وفي هذا المجال من الكتابة الواقعية، تكون الكتابة عن الجنس مباحة في الدين والتاريخ والأدب، وخير دليل على ذلك نوادر كبار الكتاب في العصر العباسي الذهبي كالاصفهاني في كتابه الأغاني، الذي تحدث عن مغنية “نِزْلتْ للكار” كما يقول العراقيون، فقال ببراعة: “وحلت تكتها، وسرت الشيخ والصبي”، أو عن الوليد بن يزيد العابث الذي كشف مزماره الابنوس أمام أشعب، وساله بفخر: “هل رأيت مثل هذا؟”، والجاحظ في كتابه “الحيوان” تحدث بصراحة عن علاقة بعض الرجال بإناث الكلاب، وابو حيان التوحيدي في “الإمتاع والمؤانسة” قال معرضا بابن العميد، حين حجز نديمه، وأبى ان يسمح له بزيارة زوجته، فلما ألح النديم في طلبه، أمر بإحضارها أمامه، ليتمتع بأول عرض “للايف شو” حفظته لنا الكتب الأدبية عن اللهو في العصر العباسي. هذا وناهيك عن حكاية ابي القاسم البغدادي لابي المطهر الأزدي وقصص ألف ليلة وليلة التي كان القراء العرب يتشاءمون من وضع أجزائها كاملة في مكتباتهم لأنها تسبب النحس والخصام بين الأزواج، كما كانوا يعتقدون، فلذلك كانوا يضعون الأجزاء المختلفة في مكتبات متفرقة خارج دورهم.

ثم هناك كتاب ابن كمال باشا في رجوع الشيخ الى صباه، الذي ألفه لبعض السلاطين العثمانيين ليستعمله بدل أقراص الفياجرا في هذه الأيام السعيدة، الذي ينغصها الإرهابيون المتعصبون في كل مكان. وكتاب أبن كمال باشا هذا كان من الكتب المحظورة في البلاد العربية والذي كان بعض العراقيين حتى في إسرائيل يستعيرونه من مكتبة الجامعة قبل زفافهم، وكان القراء في العراق يتناقلونه سرا نسخا وإعارة وحفظا عن ظهر قلب كما كانوا يفعلون باشعار إبراهيم طوقان الاباحية في عشيقاته المسيحيات تتناقل شفويا ونسخا ولم تطبع حتى اليوم، وقصائد حسين مردان العارية في عاهرات الميدان في بغداد التي تأثر بها بالشاعر الرجيم بودلير، وقد اعترف مردان في إحدى قصائده قائلا:

قد رضعت الفجور من ثدي أمي وترعرعت في ظلال الفجور!!

أما شعر ابن الحجاج فقد كان محظورا على شباب كتاتيب الملالي في العصر العباسي، وعندما كتبت نقدا لكتاب “تلطيف المزاج من شعر ابن الحجاج”، شرح وتحقيق الدكتور نجم عبد الله مصطفي، في مجلة “دي ويلت دس أسلامس” التي كان يحررها أ.د. شتيفان ويلد من جامعة بون، قلت عن الكتاب معجبا بالتحقيق، بأن مثل هذا الشعر يستطيع قراءته من لا يخشى التحديق في الأغوار المظلمة للنفس الإنسانية، ولذلك تحدث الكاتب الكبير نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب، دون أن يرى ذلك مساسا بالشعب المصري، عن الدكتور بوشي “طبيب الأسنان” في “زقاق المدق” وزيطة صانع العاهات ونابش القبور بحثا عن الطقم الذهبي في فم الأموات، أما الدكتورة نوال السعداوي، في كتابها “موت الرجل الوحيد على الأرض”، فقد تحدثت عن سارق أكفان الفتيات ليبيعها في قرى مجاورة كسبا للعيش، وذلك كشفا عن أغوار النفس الإنسانية المظلمة، لان مثل هذا الشذوذ يتعلق بالنفس الإنسانية عامة، كما يفعل كتاب الغرب الكبار والصحفيون اليوم المهتمين بالشذوذ، وقد سمعنا حديثا بقصة الأب الذي حبس ابنته عشرات السنين واغتصبها وحمل منها، الى غير ذلك من المآسي الإنسانية.

والأستاذ القشطيني حفظه الله له نفس “الخوي” أو الهاجس الذي يلاحق قلمي، والذي يجتاحني عند الكتابة، فهو يتحدث عن حكمة اليهود العراقيين، أما أنا فتطاردني أرواح ضحايا الفرهود حتى عندما أقلعت بي الطائرة من مطار بغداد في يوم 25 ابريل، 1951 إلى إسرائيل، فسمعت أصوات الضحايا تستغيث بي صارخة “كيف تتركنا وتذهب دون أن تقول كلمة احتجاج عن مصرعنا؟” ولذلك لا استطيع كتابة فصل من فصول ذكرياتي إلا وتقفز فظائعه إلى ذهني، بالرغم من المجازر الفظيعة التي حدثت في الشرق الأوسط قبل الفرهود وبعده، والتي لا يمكن حصرها اليوم، بل تتكرر حين تغيب الحكمة وتسيطر سكرة القوة والغاشمة على الضعيف.

وهناك تشابه آخر بين كتابات القشطيني وكتاباتي، إذ يحلو للأستاذ خالد القشطيني الكلام عن شطارة اليهود، أما أنا فيحلو لي الكلام عن السباب والشتم العراقي، كما سمعتها، وذلك حرصا مني على المحافظة عليها كما سمعتها، حفظا للحقيقة والتاريخ والتزاما بالواقعية.

كتبتُ في الحلقتين 29-30 من سلسلة “يهود العراق، ذكريات وشجون”، التي نشرتها في جريدتي “إيلاف” و”الأخبار”، عن الحب في العراق، فلماذا لا أواصل الكتابة عن هذا الموضوع الشيق الذي يشتاق اليه العراقيون الكرام في كل مكان، وخاصة المشردون العراقيين في منافيهم والذين يعذبهم الحنين إلى عراقنا أيام الجيرة الحسنة والإخاء، ليخففوا عنهم عذاب الغربة والحنين والشجون؟

نشرت السيدة نيللي كباي كتابا باللغة العبرية عن “مكانة المرأة اليهودية في بغداد”، وقالت إن مكانة المرأة اليهودية كانت أفضل من مكانة المرأة المسلمة، وذلك لأن الرجل المسلم يدفع المهر لوليّ أمر الزوجة، ويرى نفسه كأنه اشتراها منه، فيسمح لنفسه بضربها وتهديدها بالطلاق بالثلاثة إذا لم تطعه كخادمة أو كجارية، أما اليهودية فكان وليّ أمر الفتاة يشتري العريس بالمهر الفاحش الذي يدفعه له على أن يكون المهر تحت تصرفها، فإذا عاملها زوجها بخشونة، فإنها تستطيع أن تعييره وتهدده بأنها سوف تطرده من بيتها ليعود إلي والديه الطماعين الذين زوجوه وهو “أبطرك اللباس”. روت الممثلة العراقية شوشة غورن وهي من أنصار إحياء اللهجة العراقية اليهودية في إسرائيل، قدوة بالممثلين من يهود العراق الذين وضعوا نصب أعينهم إحياء اللهجة اليهودية البغدادية على مسارحهم في المدن التي تسكنها أغلبية عراقية، ومن بين هؤلاء دافيد يوسف أبو الهوا، الذي انتخب بفضل عروضه المسرحية باللهجة اليهودية البغدادية هذه، رئيسا لبلدية أور- يهودا والذي يقوم بعروضه عن حياة يهود العراق أيام سكناهم في مخيمات القادمين الجدد، ويكرر لازمته المحببة إليه في عروضه “أبدالا الهذيك الايام الحلوة”، ويملأ منولوجاته وعرضه المنفرد على المسرح بنكاته المفعمة بالسباب والكلمات البذيئة التي تفاجئ المشاهدين وتضحكهم. ودافيد باشا الذي يروي النكات عنهم بلهجة يهود بغداد الرشيد مرتديا البجامة اليهودية المخططة. أما الممثلة شوشة، فهي تؤكد في عروضها على مكانة الذكر في المجتمع اليهودي العراقي في تمثيلها لأدوار النساء العراقيات على مسارح إسرائيل، فتقول أمام الجمهور المشدوه: “إذا أيقولولا للمغا العراقية، ابنك ما حلو، كانت أتقلم، إي صدق، الولد ما حلو ولكن ببو (ذكره) يحلينو”، وقال لي صديقي فكتور عوزير وهو من خير الرواة المتخصصين بعادات يهود بغداد وأغانيهم: “كانت الأم اليهودية العراقية، تنظر بفخر إلى طفلها العاري وتقول: “أبدالو الببو، يا غب، اشقد غاح يطلعولو” (أفدي عضوه، من يعلم ما مبلغ المهر الذي سوف يحظى به). يا لها من تجارة رابحة لأم البنين الذكور في مجتمع مادي كان المال والبنون فيه زينة الحياة الدنيا.

وعندما احتفل يهود العراق في إسرائيل بتسنم قريب العائلة، موشيه ليفي، منصب رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، وهو الذي كان يدعى بموشي وحتصي (موسى ونصف) لطوله وقامته التي تبلغ طول رجل ونصف، صاروا “ايشيلون غاسم (رأسهم) بينو”، بعد أن كان الاشكناز يعيرونهم بقولهم “ماذا فعلتم في سبيل أمن إسرائيل؟”. ولإكمال الفرحة أتوا بالدقاقة (المغنية التي تغني على وقع النقارات في حفلات النساء العراقيات)، المعروفة من بيت شمة من المستشفى لتحيي حفلة عراقية أصيلة ولتعيد للمحتفلين فرحة هلاهل وصداح مغنيات العراق في فردوسهم المفقود من جنات عدن العراق. وعندما اقبل عليها الجنرال ليحييها بتواضعه المعهود، أعجبت بطول قامته وقبعة جنود المظليين الحمراء القانية التي كان يعتمرها وشارات وأوسمة رئيس أركان جيش الدفاع “اللي اتكركع الما يتكركع”، أفلتت من شفتيها أصداء دهشة الأمهات اليهوديات واعتزازهن وفخرهن بطول قامة أولادهن، مغمغمة دون وعي منها أمام الميكرفون المفتوح : “وي ابدالو الزبو على هل طول”، وهكذا أضحكت الثكلى من بين أمهات يهود العراق في حروب إسرائيل، اللواتي كـُنّ بين الحضور.

وفي الحقيقة والواقع، فقد كان للمرأة اليهودية سيطرة خفية على زوجها، وكانت العروس ذات الشخصية القوية تحاول أن تطأ قدم العريس قبل أن يطأ قدمها في ليلة الدخلة لكي يدرك من الليلة الأولى لمن ستكون السيادة في دار الزوجية. ومع ذلك كان اليهودي العراقي، مثل المسلم، “إذا بشّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّا وهو كظيم”، وقد يهرب الوالد من البيت إلى أن تخمد ثورته وسورة غضبه على الأقدار وعلى الزوجة المئناث الخايبة في كل شيء و”حظها اسود بس بالركي أبيض، ما تجيب الخايبة بس بنات”. وقد كشف الوالد سرّ حبه لي بقوله: “نولدت ولد، يعني فحل، وجاء الفرج وياك، وكنت ما أنام الليل من خوفي لكون أسيغ أبو البنات، أبداله العينك”، فقد أبعدتُ عنه وصمة عار لقب “أبو البنات”. وعندها فقط أدركت لماذا احتفل الوالد بصورتي بعد ولادتي عاريا، فإنهم كانوا يفخرون بفحولة أبنائهم الذكور ويعرضونها في صورهم التذكارية أمام الاقرباء والاصدقاء، كما يعرض اليابانيون في كارنفال الربيع محتفلين بالعضو الذكري حاملين تماثيله، وكما كان القراقوز التركي في عروض خيال الظل والمهرجون في الشرق والغرب، يحمل العضو الذكري بفخر واعتزاز. ولذلك نرى أن أكثر ما يخشاه الرجال في الشرق خاصة، هو أن تكون امرأتهم مئناثا، فيطلق الناس عليهم لقب “أبو البنات” تعييرا له وتشفيا بالعبء الثقيل الذي ينتظره عند زواج بناته أو المحافظة على عفتهن، وذلك لأنه بعد ولادة الأنثى، كان على الوالد اليهودي أن بدأ حياة من التقتير والتقشف ليوفر لبناته المهر قبل خراب البيت، ولا يستطيعون دفع المهر الثقيل للعريس الذي يأتي متعجرفا “أبطرك لباسه” كما كانوا يقولون. فكثيرا ما كان الوالد اليهودي يبيع حلي زوجته وبيته وما فوقه وما تحته لكي يقوم بواجب دفع المهر واحتفالات الأعراس عند زواج البنات، ولذلك اتهم المسلمون العراقيون اليهود بالبخل والتقتير دون أن يعلموا السبب الحقيقي لذلك. أما ما لفت انتباهي فهو قول الرحالة اليهودي يعقوب اوبرماير الذي زار العراق في السبعينيات من القرن التاسع عشر أن الفتيات اليهوديات كن يتزوجن في سن 11، والفتى في سن 15، أما الرحالة إفرايم نييمارك، الذي زار بغداد في الثمانينيات من القرن نفسه فيذكر إن الفتيات كن يخطبن في سن 8 أو 9 من عمرهن، أي اصغر من سن عائشة أم المؤمنين في حينه، مما يدل على نضوج الفتيات في الشرق قبل الفتيات في الغرب البارد، أما الفتيان فكانوا يتزوجون في سن 18 أو 19. وهذا التشابه في أعمار زواج الفتيات في الشرق، يذكرنا بالتشابه بين صلاة النبي سليمان في الهيكل، حسبما جاء ذكرها في التلمود، بصلاة المسلمين، من قيام وركوع وسجود وخشوع، ثم تغيرت صلاة اليهود بعد خراب الهيكل، واكتفوا بانحناءة خفيفة في صلاتهم يوم عيد الغفران (الكيبور) وقوفا، بينما ظل المسلمون، كما يبدو لي، متمسكين بشعائر صلاة النبي سليمان في الهيكل إلى اليوم.

وعندما ناقشت هذه النقطة مع صديقي يوسف الذي كان “يفتهم بالنسوان” حول نضوج البنات المبكر في الشرق بالنسبة للغربيات، روى لي حادثة وقعت له ليدلل على غريزة الأنثى الكامنة فيها منذ نعومة أظفارها. حتى أن شاعرا مصريا فال في مدح مدينة القاهرة المحروسة التي يدخلها الناس آمنين، “كل النساء فاجرات، غير انك وحدك الطاهرة”. أما صديقي يوسف، فقد روى لي ليؤكد هذا البيت، إنه عندما كان في سن الرابعة من عمره وكان يسكن قرب دارنا في البتاويين، صعد مع جوزفين بنت جاره إلى سطح دارهم حيث ينام البغداديون، وجلسا في ضحى النهار في المهد البغدادي الذي كان على شكل أرجوحة (كاروك، باللهجة الإسلامية، وجلالة، باللهجة اليهودية البغدادية) بحيث يسع الجدة والحفيد وهي تغني له تنويمه “هووه هووه بالجلاّلة، والخيل تاكل اسحالة”، (أما جدتي لوالدتي التي كانت تحبني لأني أنقذت ابنتها من لقب الأمهات الخايبات، فقد كانت تغني لي من نظمها، “هذا سامي ساميات، كلـُّو ذهوبة وغازيات”). قالت له جوزفين ابنة الخامسة من العمر، “تال نلعب عغوص وعغيص” (تعال نلعب لعبة العروس والعريس)، قال لها يوسف الغشيم، “أشلون نعلب عغوص وعغيص وماكو حاخام وماكو جالغي بغداد”، فقالت له بغريزة الأنثى: “لا بلا حاخام وبلا جالغي، تال دغويك” (تعال، سأريك)، وارتعد جسده الصغير عندما أخذت يده اليمنى وأدخلتها في مكان دافئ حريري، مخملي الملمس من جسدها وشاهدها وهي في غيبوبة من اللذة وقد فغرت فاها بآهات حرّى ولمعت عيناها ببريق غريب، وهي تقول له بين شهيق وزفير، “أبدالك بعد، حيل، بعد!”، وعندما هدأ روعها، التفتت إليه وقبلته وقالت له بحنان: “أبدالو العغيص مالي الحلو” (أفدي عريسي الجميل). كل ذلك قامت به طفلة في سن الخامسة. قال يوسف، وفجأة سمعنا صوت قدم تصعد الدرج إلى السطح، فقالت له بخوف، “وي أبيل، أبدالك، جا أخويي حسقيل، دنقوم بقى!”، تركت مكانها من المهد الأرجوحة وتوجهت نحو البلكون (الشرفة) ووقفت كأنها تتطلع إلى الخارج. قلت له: إن رواية التوراة حول طرد الله لآدم وحواء من الجنة هي خير تعبير رمزي للوعي بنضوج الغريزة الجنسية عند المرأة قبل الرجل، ألا ترى أن غريزة الأنثى في الحب كامنة أبدا في الضلع الذي انتزعه الله من صدر آدم، وأن ما ورد في التوراة بأن حواء أغوت آدم بتفاحة، فالتفاحة هنا هي رمز للشعور الجنسي المتيقظ عند الأنثى قبل الذكر، بإغواء الحية، التي ترمز إلى الإغراء والفتنة وكيد النساء والغريزة الجنسية التي لا يمكن مقاومتها.

أما الكتاب العرب فقد كانوا يحاولون في قصصهم إثبات أن شهوة المرأة أقوى من شهوة الرجل، فبالرغم من آلام الحبل والمخاض والرضاعة، ولعنها في ساعة المخاض زوجها الذي أوقعها بمثل هذا العذاب، فإنها تعاود الحمل وتنسى ما عانته من آلام الولادة السابقة. ولذلك أصبح الرجال قوامون على النساء وقيل في حقهن إنهن ناقضا عقل ودين وأن على الرجل أن يشاورهن ويخالفهن. أما القصة التوراتية بأكملها فتشير إلى أن المرأة تنضج جنسيا قبل الرجل ولذلك قدمت حواء التفاحة، رمز النضوج الجنسي عند المرأة إلى آدم بإغواء الحية، الجنس الذي استيقظ في جسم حواء قبل جسم آدم؟” ثم أضفت قائلا “والآن فقط صرت أفهم لماذا كان الفتيان في بغداد يضحكون أذا ما طلبت فتاة منهم مساعدتها بقولها، “أبدالك، تال سويلي!” فينفجرون ضاحكين لكلمة “سوّيلي”.

عن موقع إيلاف

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق