يوميات لبنانية لئيمة / محمد شرف

كلام كثير يمكن أن يدور حول الواقع الذي نعيش فيه. هذا الواقع يشكّل مادة خصبة للمعاينة على مختلف أشكالها، ومن ثم تجلياتها التي قد تكون حديثاً عادياً، أو تتعداه الى ضرب من ضروب التعبير. تتبّع أحوال هذا الواقع ليس مهمة صعبة في ذاتها، إذ ترتسم الحقيقة الموضوعية أمام ناظرنا يومياً، وتزوّدنا صوراً ذات طبيعة متناقضة تعكس مزايا وتصرفات وأنواعاً من السلوك لا يجمعها منطق متوازن، ولا تخضع لنواميس واضحة. الصور التي نصطدم بها، لا تعبّر عن سلوك جماعي، لكن ثقل وقعها يجعلها أكثر بروزاً للعين. بعض الوقائع والمشاهدات في هذا المقال ذات طابع شخصي، بيد انها تتماثل بلا ريب مع حالات أخرى مشابهة، فهي ليست منعزلة عن طبيعة المجتمع والناس.

 

الهروب الى الموت

 

الشاب اللبناني الذي تعلّق بإطارات طائرة، منذ حين، أهدافه معلومة ومجهولة في آن واحد. الحدث في حد ذاته فريد، والطريقة التي تمّ على أساسها لا توحي الوضوح، بقدر ما تثير مختلف أشكال التأويل. سمعنا مراراً قصص أشخاص اختبأوا في حاويات سفن، أو داخل صهاريج مغلقة، لكن لم يرد الى أسماعنا خبر عن فتى يختبئ في مقصورة إطارات طائرة.

لم يترك الشاب العشريني رسالة ينبئ فيها عن نياته، ولا عما يهدف اليه. تُترَك هذه الرسائل، عادةً، ككلمات أخيرة فيها اعتراف أو اعتذار من أقرب الأقربين على فعل أو نية مضمرة سيؤدي تنفيذها الى مأساة. يُراد هنا التخلص من الحياة، انتحاراً، لضمان عدم المكابدة من عثراتها وموبقاتها. لكن الفتى، ولسبب نجهله، كان يظن انه سينجو، وان الطائرة ستحمله الى الوجهة التي كان يقصدها، واستدل عليها، ربما، من الكلمات المطبوعة على جسم الطائرة، الذاهبة الى المملكة العربية السعودية، البلد الغني، المقصود من خليقة تبغي الإرتزاق، وتحسين أوضاعها المادية.

يبقى ان العنوان العريض لمحاولة الشاب اليائسة، التي انتهت بموته، هو الهروب من البلد، الذي تحوّل في الحالة المذكورة، انعتاقاً في اتجاه نهاية تراجيدية. الانعتاق أو الهروب، صار يشبه الحلم بالنسبة الى فئات شبابية، وغير شبابية، تتضخم أعدادها يومياً، وفي كل ساعة. فكل لحظة آتية قد توفّر مناخات اليأس، وتبرهن لمجموعات جديدة من المشككين أن لا مكان لهم في هذا البلد. هذا الافتراض، الذي ينمّ عن تشاؤم ويأس واضحين، له ما يبرره، وليس هناك من شك في صحته، كما ليس في الأفق ما يشير الى عكس هذا الحكم المبرم ويدحضه.

يفترض أحد الاصدقاء، تفكّهاً أو من قبيل السخرية المرّة، أن فتح باب الهجرة الى الدول الاميركية وأوستراليا، على مصراعيه وبلا قيود، لن يبقي في البلد سوى حكّامه "المنتخبين ديموقراطياً"، والمستفيدين من حكّامه، والمستفيدين من المستفيدين، وأصحاب المصالح الكبرى وتجار العقارات والمرابين والشطّار القادرين على جني المال من دون جهد أو تعب.

نتصور حدوث هجرة جماعية كالتي شاهدناها في مغناة "ناطورة المفاتيح" الرحبانية، حين غادر الجميع قراهم تاركين فاتك المتسلط بمفرده، حاكماً على جدران وبيوت فارغة من سكانها، ما جعله يشعر بالفراغ والملل وبعدم جدوى مركزه.

فاتك المتسلط، الذي كان في المسرحية فرداً واحداً يحكم مملكة، مرتكباً فعل الظلم وهو يظنّه عدلاً، ومعاقباً كل من يخالف مشيئته، عانى وحدة جعلته يصرخ بعد رحيل رعيته: "بدّي ياهن بدّي ياهن شو بينفعني ملكي بلاهن". فاتك المتسلط في زمننا، ليس فرداً واحداً، بل طبقة حاكمة مدججة بصلاحيات يؤمّنها لها نظام العصبيات، وهي لن تشعر بالحيف وبالملل أو بالحزن لو رحل ثمانون في المئة من الشعب اللبناني، كما يقول صاحبنا، فهذه الانواع من الشعور في حاجة، من أجل حدوثها، لقليل من الحياء.

 

نجم "ستار أكاديمي"

 

أحد طلابي السابقين في طريقه الى أن يصبح نجماً، إن لم يكن قد صار نجماً بالفعل، في عالم الغناء. قد يُخيّل للقارئ، للوهلة الاولى، أنني أدرّس في الكونسرفاتوار الوطني، أو في معهد أو مؤسسة تُعنى بأمور الموسيقى والاداء، لكن الامر ليس على ما يبدو عليه.

كان سعد رمضان، أحد نجوم برنامج "ستار أكاديمي"، طالباً في جامعة خاصة. كنت أدرّسه مادة "صناعات حرفية وتراث شعبي"، للغناء صلة معيّنة بهذا التراث، كما نعلم، لكن ما يرد في هذه المادة لا يطاول إلاّ نواحي محض نظرية وتاريخية، في كلية لا تمت الى الموسيقى بصلة. لكن حدس الشاب والإمكانات الصوتية المتوافرة لديه، اضافة الى ما كان يراه في وسائل الاعلام، أكدت له ان طريق النجاح والشهرة في عالم الغناء، هو أقصر بكثير من تسلّق سلّم التحصيل العلمي، ذي الدرجات العسيرة، لأجل الحصول على وظيفة متواضعة، أو عمل زهيد الأجر، هذا اذا لم تكن البطالة في انتظاره، فاتحةً شدقها كحوت جائر.

حين رأيت سعداً على شاشة التلفزيون، في برنامج "ستار أكاديمي"، للمرة الاولى، وكان ذلك مصادفة إذ لا أتعمد مشاهدة البرنامج المذكور، تسرّب الشك الى نفسي في أن يكون هو بالذات من أراه على الشاشة الصغيرة. انتظرت ذكر اسمه كي أقطع الشك باليقين، إذ لم أتصور ان الشاب الهادئ، صاحب التصرفات الرزينة التي جعلته غير مرئي في غرفة صفّ تضمّ، كما العادة، بعض المشاغبين المتنمرين من أجل زيادة رصيدهم لدى ممثلات الجنس اللطيف الجالسات قربهم، نقول اننا لم نتصور أن هذا الشاب الوسيم تغلّب، كما يبدو، على تواضعه، وعلى بعض الحياء المستحب المميز لشخصه، ليتحوّل انساناً جريئاً، منفتحاً، ينافح عن موهبته في الغناء، في مسابقة لا تعرف الرحمة. استفزّنا حضوره كي نشاهد البرنامج، بين حين وآخر، لنرى قدرته في تسلّق السلّم المؤدي الى النجومية. وعلى رغم أنه لم يصل الى اعلى درجات ذاك السلّم ضمن المسابقة، لكنه صار معروفا، وصار له جمهور يهلل لحضوره ويتابع تحركاته. كما صنع له فيديو كليب، وربما اكثر من واحد، جُنّدت له فتيات جميلات كي يحطن بسعد كأكسسوار ضروري، يعتبر اللجوء اليه احد شروط نجاح التأثير البصري، مضافاً الى الاداء الغنائي.

ليس لنا سوى ان نسرّ لتقدّم احوال طالبنا القديم، وفي الوقت نفسه علينا أن نحزن على حالنا. كاتب هذه الكلمات، هو أستاذ سعد رمضان، وينتمي الى فئة من أساتذة الجامعة اللبنانية المتعاقدين، ممن لم تشأ الجامعة، ومن ورائها السلطة، منحهم حق التفرغ في آخر "طبخة" أُعدّت منذ سنتين، لكون المُسقَطَة اسماؤهم لا ينتمون الى عصبية او جهة نافذة. سرداب طويل مظلم لا طاقة هنا للحديث عنه الآن، كي نوفّر على انفسنا شعوراً اضافيا بالظلم الذي يتسبب به تذكّر الواقعة. سعد رمضان سلك دربه الى الشهرة، وربما الى الاكتفاء المادي من دون التذلل لأحد. تحوّل هذا الذل كابوساً يؤرق مضاجعنا، ونحن نسعى وراء مسؤولين يتهربون من لقائنا، ومن ضمنهم من له علاقة مباشرة بقضيتنا. موعد او لقاء كهذا، ما كان ليُرفَض لو سعى اليه مغنٍّ معروف، كي لا نقول مغنية من اللواتي صارت شهرتهن تفوق شهرة كبار المفكرين، ويُعتبرن ثروة وطنية يحتضنها المسؤولون، وهن مرفوعات على الأكفّ، ويمثّل اللقاء بهنّ حدثاً اعلامياً تُنشَر له صور تظهر فيها شخصيات تبتسم بسخاء، الى جانب المغنية القديرة.

اتصور ان يوماً سيأتي ويكون فيه طالبنا القديم "واسطتنا" للقاء احدهم، او لتحقيق امر لا يُنجَز بالوسائل القانونية العادية. هذا الاحتمال لا ينتسب الى عالم افتراضي، بل الى واقع عملي حزين ومكفهر كمعظم ايام اساتذة الجامعة اللبنانية، المتعاقدين مع الدولة… ومع العوز المهين.

 

الكاراج

 

ما إن افتح باب الكاراج الذي أركن فيه سيارتي، حتى تندفع الى داخله كل الزبالة الخفيفة الوزن الموجودة عند المدخل او بالقرب منه. تبيّن ان تياراً هوائياً يمرّ عبر الباب الكبير، وهو ناشط في غالبية الاحيان، مع الاشارة الى ان وقعه يزداد شتاء ويصبح ريحاً تحمل معها كل شيء الى الكاراج. اكثر من ذلك، تبيّن ان كل ما هو ورقي وبلاستيكي يحمله الهواء الى هذا المكان تحديدا دون سواه، نكايةً بي وبنزعتي شبه المرضية للحفاظ على النظافة، التي تقارب حد الوسواس القهري. تدفعني تجليات هذه النزعة للخروج الى الطريق ولملمة كل ما يتطاير في ارجائها، في ظل عدم قيام بلدية المدينة بواجبها القاضي بتنظيف الطرق، بحسب علمي.

لكن جهودي تذهب غالباً سدىً. اذ ما إن انتهي من مهمتي المكروهة لكثرة تكرارها، حتى تعود الطريق الى ما هي عليه. ثم توضّح لي، بفعل المعاينة المتكررة، ان الاكياس البلاستيكية الصغيرة، التي تشكل معظم الزبالة المتكومة، هي من النوع الذي حوى، قبل التخلص منه، مختلف رقائق البطاطا (التشيبس) والمقرمشات المالحة، وأكياساً صغيرة للمكسرات. هذه الأكياس الملونة تملأ عادةً رفوفاً متحركة توضع امام المحال التجارية التي تبيع مواد غذائية، وهي تحوي كل ما هو غير صحي ومطعّم بمواد حافظة، يحذّر منها خبراء التغذية في كل مكان. هذه الاطعمة مرغوبة من الصغار اكثر من سواهم، يُقبلون عليها لطعمها المغري، وسعرها الرخيص.

ما يهمّنا في هذه القصة هو كشف السر الذي يجعل هذه الاكياس الفارغة مرتاحة دوماً امام مدخل الكاراج، وليس امام اي باب آخر، او اي مدخل محاذٍ لبيتنا، وتسلك دربها الاكيد الى الداخل الذي نركن فيه السيارة، وهو عبارة عن ترّاس اكثر منها كاراجاً. لم نعثر على حلّ اللغز الا حين شاهدنا، مصادفةً، احد الاولاد يلقي الكيس الفارغ امام مدخلنا، بعدما استهلك محتوياته. زجرنا الصبي مع علمنا بأنه سيعاود فعلته مستقبلاً في اول فرصة ممكنة.

تكررت المصادفة مرةً ثانية، فثالثة، الى ان عثرنا على مفتاح السر. ففي مكان غير بعيد من منزلنا، ضمن زاروب جانبي، يقع الدكان الوحيد في هذا الجزء من الحي، ويقصده كل الاولاد لشراء زادهم من اكياس التشيبس. وبما ان اصحابنا الصغار يتلهفون لالتهام وجبتهم الضارة، فهم يشرعون في تناول محتوى الاكياس لدى خروجهم مباشرة من الدكان. وتشاء المصادفة اللعينة أن تتناسب سرعتهم في التهام التشيبس مع المسافة الفاصلة بين الدكان ومدخل بيتنا، بحيث يفرغون من كيسهم، او اكياسهم، لدى وصولهم الى مدخل الكاراج، حيث يرمونه بكل حرية.

لكن الأمر ابعد من ذلك في تشعبه. اذ لو كان الدكان ابعد قليلا من المكان الذي هو فيه، ولو كان كيس التشيبس اصغر، او اكبر حجما، ولو كانت سرعة التهامه مختلفة عما هي عليه، لتغيّر موقع القمامة، ولتبدلت المعادلة بكاملها. اما ما كان سيغيّرها جذرياً فهي، بلا شك، علاقة الصبية بمسألة النظافة التي تبدو بعيدة كل البعد عن نمط تربيتهم. وفي انتظار ان تصبح النظافة جزءاً من الثقافة والسلوك اليومي، وهو انتظار سيطول حتما، سيكون عليَّ ان انظف الطريق يومياً، مستبقاً انتقال النفايات الى الترّاس، بفعل الاجتماع الفريد لمجموعة من المصادفات اللئيمة.

 

رهاب زحمة السير

 

لا تتعبوا أنفسكم في البحث عن حلّ لأزمة السير، فهذا البحث لن يكون، للأسف، مجدياً. البحث عن حل لمشكلة ما، يستوجب العودة الى سببها، ويكون هذا الحل أسهل وأبسط حين يكون السبب، أو الاسباب، قليلة في عددها، محصورة في تشابكها. نعالج شجرة بعد أن نكتشف نوع الدودة التي تنخرها، وهي دودة وحيدة في غالب الاحيان، وتنتمي الى فصيلة محددة. وتعالج انساناً مريضاً بعد التوصل الى كشف طبيعة مرضه وأعراض سقمه. لكننا نقف عاجزين، أحياناً، لدى اكتشافنا أن ذاك الفرد يعاني "إشتراكات"، كما درجت العادة في استعمال التسمية حين تهاجم الجسم علل عدة، تتعامل مع احداها فتغدر بك زميلة لها، ثم زميلات، الى ان يستسلم الجسد، حين يفتقر الى إمكانات المقاومة.

تشبه أزمة السير في بلدنا، الجسد العليل الذي يعاني أمراضاً عدة معظمها عصيّ على الفهم، وغير قابل للعلاج. ففي هذا البلد الصغير، والجميل، يختال ما يزيد على المليون سيارة، وهو رقم مرشح للازدياد باضطراد وتسارع. مجرد التفكير في العدد، وفي ارتفاعه الحاصل لا محالة، يثير الرعب في النفوس، ويثبط العزائم، ويدفع الى اليأس قبل التفكير في الحلول. أكثر من مليون سيارة تتحرك على مساحة صغيرة، ونصف هذا العدد موجود، ربما، في العاصمة وجوارها. هذه الكمية من السيارات في حاجة الى شوارع وطرق غير موجودة كي تتسع لها، والى جهاز كومبيوتر لم يُخترَع بعد من أجل تنظيم سيرها، وتلافي عرقلته. لكن "إشتراكات" السير، من حيث هو جسم مريض، تتخطى مسألة العدد والمساحة لتمتد وتتوسع وتشمل نواحي أخرى تقع في صلبها الذهنية اللبنانية الفريدة، وطريقة تعامل البعض مع وسيلة النقل التي من شأنها تسهيل حياة الفرد وتيسير أموره. يتعامل سائقون كثر مع آلاتهم على أساس: أسلك طريقي كما أشاء، وبالطريقة التي أراها مناسبة، مستنداً الى شطارة وحنكة، ووقاحة لا حدود لها. لسنا بعيدين هنا عن عبارة لويس السادس عشر: "من بعدي الطوفان"، أو تبعاً للمثل الشعبي القائل "بيحرق حارة ليولّع سيكارة"، فيقع الطوفان الذي نراه فعلاً أرتالاً من السيارات في بحر الدخان، وتحترق الأعصاب عن آخرها في ساعات الحشر المتكررة يومياً، وكأنها تتغذى من آتون لا تنضب ناره.

علينا أن نضيف الى تلك "الاشتراكات" عوامل أخرى: تصرف سائقي المسؤولين القبضايات، وتصرف القبضايات ممن ليسوا سائقين لدى مسؤولين، واعتبار إشارات السير ديكوراً زخرفياً، واستعمال السيارة لمجرد النزهة في شارع طوله كيلومتر واحد، واستعمالها ايضاً لقضاء حاجة لا تستدعي الصعود وراء المقود، و"فانات" تسنّ لنفسها قوانين سير خاصة، ودرّاجات نارية لا تسنّ لنفسها أي قوانين، وسيارات مركونة في أمكنة تعطّل السير واصحابها جاهزون لأي "مشكل" ويتمنّون حدوثه، وحادث سير عند كل زاوية يسجن خلفه أرتالاً من العربات، وكميون عملاق يقوم بالمهمة ذاتها لصعوبة تجاوزه، وورش إصلاح طرق أو ورش بناء تستهلك جزءاً من الطريق و… و…

حين تجتمع بعض هذه العوامل، وربما كلها، نصل الى "الاشتراكات" الحتمية: عجقة سير خانقة وازدحام لا مثيل له، ووقت ضائع تذهب دقائقه الكثيرة، أو ساعاته، سدىً، ضمن علبة معدنية، في أتون يؤدي مجرد التفكير بالوقوع في لهبه الى رهاب صار يصيبنا لدى إقدامنا على فتح باب السيارة للانطلاق بها الى… الزحمة. صار الحديث ممكناً عن فوبيا من طراز جديد، سيتوافر لنا الوقت لصوغ أعراضها ومؤثراتها في زمن قريب، فالازدحام المروري لم يعد أمراً طارئاً، بل صار قدراً حتمياً علينا أن نتعايش، صاغرين، كمن لا حول لهم ولا قوة، مع ورمه المتضخم كسرطان خبيث، لا علاج له، ينمو في طرقنا وشوارعنا.

في مفهوم السعادة وشروطها

مفهوم السعادة شائك وفيه ما يكفي من التعقيدات. التعريف الكلاسيكي يصف السعادة كحالة من الاكتفاء التام، والشعور بالكمال المؤدي الى فرح او لذة. وككل شعور بشري، يمكن تناول السعادة من وجهات نظر مختلفة، تتدخل فيها الفلسفة، ولا تغيب عنها نظريات النسبية. يقول المغنّي الفرنسي ليو فيرّيه، وهو ايضا شاعر ومؤلف موسيقي، كتب كلمات اغانيه بنفسه وأدّاها بحسب اسلوب ذاتي مميز: "ان السعادة ليست شيئاً عظيماً، فهي الألم في وضعية الراحة".

ليو فيرّيه يشبهنا، او نحن نشبهه. لم يسلك التفاؤل طريقه بسهولة الى نفس المغنّي الرافض، الذي انتمى الى التيار الفوضوي (انارشيست) المزدهر في فرنسا نهاية الستينات، بدفع من ثورة ايار 1968 الطالبية، وهو القائل: "الفوضى هي النظام انما تنقصها السلطة". في عودة الى موضوع السعادة، نعثر لديه على عبارة اخرى تشير الى النقيض: "هذا الزمن الذي توقف عند حافة الابتكار الوحيد للانسان… الألم".

يبدو فعلا أن انحسار الالم في مجتمعنا، ولدى المقهورين تحديداً، قد يكون باعثاً لسعادة ما. نراهن، اذاً، على ضعف النقيض. ثمة امور تثقل كاهلنا في هذا الوطن قد يبدو الحديث عنها كمشكلة، امراً مبهماً لدى شعوب اخرى. هكذا تكون الحال حين نتطرق الى موضوع الكهرباء، التي صار حضورها في بلادنا ترفاً. اما استمرار هذا الحضور على مدار الساعة فأقرب الى حلم لن يتحقق في زمننا، وسنترك التمتع به الى اجيال قادمة، قد تؤاتيها القوة والاقتناع والقدرة على المحاسبة، وتوريط القائمين على البلد في مهمة الاهتمام الجدي بقضايا الناس. ما يقال عن الكهرباء، يقال ايضا عن الماء، الذي صار انقطاعه المتمادي يؤهلنا للانضمام الى صفوف شعوب افريقيا، في معاناتنا المشتركة من الجفاف. الفرق الوحيد ان الجفاف في القارة السوداء سببه بخل الطبيعة، وهو عندنا نتيجة سوء تنظيم وهدر وتقصير. نتعاطى مع مسألة الاغتسال كأنها نوع من الكماليات، والماء التي نغتسل به نشتريه من صهريج يجد صعوبة في الوقوف قرب منزلنا. وقف الصهريج خلال المدة التي تستوجبها تعبئة الخزّان، يؤدي كل مرة الى شجار مع اصحاب السيارات المارة بصعوبة، او غير القادرة على المرور في الطريق الضيق. سيارات قديمة مزمجرة وسائقوها اكثر زمجرة، نتجنب التلاسن او الشجار معهم لجهلنا انتماءهم العائلي او العشائري، اذ نمضي الصيف في مدينة على الاطراف، تسكن في محيطها عشائر مسلحة، متناحرة، نلتزم سياسة عدم الاصطدام بأحد عناصرها، تحت اي ظرف من الظروف.

نعود الى الماء لنقول ان حديقتنا تذوي ببطء، وقد بدأت مفاصل نباتاتها ترتخي، والمرجة الخضراء التي اشرفنا على نموّها صارت صفراء. علينا ان نمتنع عن الاغتسال وجلي الصحون ومسح الارض كي نوفر لها بعض الماء. هذه الأمور كلها تؤدي بوالدتي الى حال من التجهم والنكد والحزن. ولكن حين يزورنا الماء مرةً كل ثلاثة ايام، ترتفع معنويات والدتي واراها سعيدة، وتزداد سعادتها في حال تجاوز كرم مصلحة المياه مدة الساعة التي تتحنن بها علينا كل ثلاثة ايام. ساعة واحدة نتمتع فيها بالماء ونمارس سياسة تقتيرها وجمعها وتوزيعها.

اما إذا ترافق السخاء الفائض عن الساعة الواحدة مع عدم انقطاع الكهرباء، فسترى سعادة والدتي اكثر جلاء، واكبر من المعتاد. على هذا الأساس يصبح مفهوم السعادة وتصبح اسبابها ابسط من كل النظريات الفلسفية والمقولات الذكية. انه الانكفاء الظرفي للوجع الذي تحدّث عنه ليو فيرّيه. لقد نجحت دولتنا في ابتسار معنى السعادة وخفض معاييرها الى حدود قياسية، وهذا إنجاز لا بد ان تُحسد عليه ¶

 

عن ملحق النهار الثقافي 29/8/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق