يوميّات الكلام

{{1. حتّى الكلام لا يصغي..}}

أحمد حارس العمارة في حيّ ” المعادي”(1) الفاخر

صرعته نوبة داء “السكّريّ” مثل عادته،

مرّة كلّ أسبوع،

كان يتمتم لي ببعض الكلمات

في غيبوبته

“من فضلك يا باشا لا تعلم صاحبة العمارة.. لا تخبرها..

فقط أنجدني بالماء.. بقطعة سكّر.. أيّ شيء ..”

أحمد يخاف الموت مثلي

ولكنّه يخشى، أكثر ما يخشى، سطوة صاحبة العمارة

التي تتفنّن في طرد العمّال

لا أحد يتوقّف أمام جسده المريض

الملقى في اللاّمكان

وحدها لاجئة اٍفريقيّة من خدم البيوت

تمسح عرقه بمنديلها المزركش

بذكريات الألم

وقطط الحيّ الشّريدة تصغي

لشكواه الخجولة

حتّى الكلام، الذي خلناه للحظة،

ترياق العذابات

الكلام الذي يملأ ثقوب الأيّام

لم يعد يصغي

لأنّة وحدة فريدة

نحن الذين نحبّ الكلام

مثلما يحبّ بخيل كنوزه

قطعة فقطعة

نودعه في كهوف اللاّمبالاة.

{{2. حياة أخرى}}

يبدو أن لا شيء يمكن أن يربك روعة الهدوء

في جولة أرق

في حيّ “سان دونيه”(2)

اللّيل يتنفّس في صمت

غبار النّهار

ويمرّغ نهايات أحلامه في باقات

من ضحكات حياة ودموع

خبّاز الحيّ يرقص مع سلاله

رقصة عاداته الصّوفيّة

وبقيّة حلقات الشّباب السّهران

تودع أسرارها في شقوق الجدران

لا شيء سوى ذلك المتشرّد المقعد

يحاول بعناء أن يخلّص كرسيّه المتحرّك

الحبيس أمام حائط الكاتدرائيّة

صرخات عنفه البذيئة

توقّع حركاته

وتؤرجحه على حبال سكر

أبديّ

” أكاد أرى حياة أخرى

لي فيها انتصاب الشّجر

ورائحة الغابات”

كلمات انتشلها من غمغمات

يأسه

وأنا أدفع كرسيّه إلى آخر اللّيل.

{{3. حدائق بيضاء}}

ضحكات الطّفل “مسعد”

من خطواتنا المرتبكة

في مقاطع حجارة “المنيا”(3)

تشبه موسيقى ناي “موزارت”

لذّة معرفة خبيثة ودهاء من يدرك

نظام الأشياء

بين قطع الحجارة المقطوعة

بحكمة أزليّة

يقفز “مسعد” مع بقيّة الأطفال العاملين

لضمان حسن ضيافة

الألم

شقوق أجساد الأطفال المملوءة

بعنف الحجارة

أسنانهم المهدّمة بذاكرة العبوديّة

العائدة

كلماتهم

بيضاء

الحجارة

آلات القطع

الشّاحنات

الغبار

الوجوه

كلماتنا

ترسم ورود حدائق بيضاء.

{{4. زيارة}}

لا شيء تغيّر تقريبا

في قرية “الوديان”(4)

الهضاب الباحثة عن حلم الحدود

السّاحات المنحنية

تحت هدير الأودية

الحبيسة

وحل الطّرقات

مدرستي الابتدائيّة

ووجوه العجائز المبتسمة للفراغ

فقط منجم الفحم الحجريّ

انغلقت أبوابه أكثر تحت ثأر

التّراب الأسود

وقرية ” أطفال بورقيبة”(5)

تساقطت حجارة غرفها

في أزمنة الغياب

في مذاق شاي مقهى القرية

تهيج ذكرياتي

أرى أواني الحساء التي أحملها

مع “اللّقطاء”

فرحة استقبال الملابس المستعملة

التي أرسلها الحزب

ودموع آباء وأمّهات شرّدتها

لغات الخطيئة

” لا تخف من ثورة الوادي

هتف أبي

في الشّاحنة التي كانت تبتعد بنا عن “الوديان” سنة 1975

لوداع الجدّ المحتضر في “حمّام الغزاز”

لا تخف

سنصل”

الكلمات

أودية ودموع

تجري في عيون أوقاتنا.

{{5. أقحوان}}

فجأة

تتوقّف الأصابع عن نقر رؤوس حروف الكمبيوتر

لعاب يسيح ويغطّي

حركة الكلمات

فمي المترهّل

يلعق حبرا بمذاق الأقحوان

ويدي اليسرى تتذكّر حركة الدّواة

على ريشة من سراب

تحلم كلماتي

والحبر لم يزل يطرق أبواب المعاني.

{{6. احتباس}}

” سنسبح اليوم في هذا البحر الخريفيّ”

قال رؤوف قارة(6)

وهو يلوّح لي بـ”مايوه”عجيب

يسع كلّ البحار

على شاطئ “حمّام الغزاز”(7)

أعشاب بحريّة مرهقة

صيّادون يختبرون لغات الصّبر

ورمال تنتظر مثل كلّ يوم وداع القوارب

وذلك النّورس المريض

لم يهرب عند قدومنا

في أجنحته المنكسرة ماتت تهويمات

ذاكرة الفضاء

“سنحمله إلى السّباخ.. يلتقط قوته”

قال رؤوف بطيبته التي اختبرت

جوع الألوان

ولكن في حشرجات النّورس المحتضر

ذاكرة لغات صحبة

وعزاء.

{{7. رحلة}}

ذلك المهاجر سرّا

لفظ البحر جثّته قرب “رأس ملاّح”(8)

ملتقى حكايات العواصف

والسّكون

على وجهه الأبنوسيّ المنطفئ

ثقوب كثيرة

هي منازل لحشرات بحريّة

وفتات مرجان

يبدو أنّه أعدّ رحلته

بعناية

كان يلبس أكثر من سروال

وكنزتين

ربّما لاتّقاء برد اليمّ

أو لضمان غيار ملابس نظيف

في اٍقامته في ايطاليا

التي تخيّل أنّها ستطول

” أين سيدفن؟”

سألني ابني

الذي لم يقدر على اٍشاحة وجهه

عن الجسد المكفّن بالحصى والأعشاب

ستواصل أوهامه الأثيريّة

التّيهان

والرّحيل.

{{8. درس حقوقيّ}}

” ولكن ماذا تبقّى لنا من انتماء

إلى الإنسانيّة؟

ماذا تركوا لنا؟”

سألتني تلك السّيدة

ذات العيون المرهقة

في مخيّم ” صبرا وشاتيلا”

صرختها

أربكت كلماتي

الماسكة بأسرار معرفة

واثقة

فجأة

رأيت الصّرخة

تهجر قاعة الدّرس

تتسلّق شجرة الحيّ الوحيدة

ومثل سكيّن مضرّجة بآلام

قديمة

شرعت تقشّر تفاّحة كلمات

بدأت تتعفّن.

{{9. حواسّ}}

على طريق النّبيذ(9)

في تشيلي

أطلنا حفلات التّذوّق

“كابارنيه” بطعم دم نقيّ

و”مارلوه” يلسع حريره

براءة الفضاء

في آخر الطّريق

منزل بابلو نيرودا

المتعرّج ببطء

في اتّجاه السّماء

زجاج غرفته العلويّة

الملوّن

يتمايل في رأسي

كفراشات عملاقة

وأوراق كتبه المعروضة ببرود

في صناديق بلّوريّة

تنتفض بتشنّج

وقد هجرتها الكلمات.

( القصائد هي نصوص منتقاة من مجموعة ” يوميّات الكلام”)

1- المعادي: حيّ في القاهرة.

2- سان دونيه: حيّ في باريس.

3- المنيا: مدينة بالصّعيد المصريّ.

4- الوديان: قرية في الوطن القبلي في تونس. كانت منجما للفحم الحجريّ في عهد الاستعمار الفرنسيّ.

5- أطفال بورقيبة: تسمية أطلقها الزّعيم التّونسيّ على الأطفال الطّبيعييّن في تونس فمنحهم اسمه. ما زالت مجتمعاتنا تطلق عليهم صفة ” اللّقطاء” إلى يومنا هذا.

6- رؤوف قارة: رسّام حالات البحر في تونس.

7- حمّام الغزاز: قرية ساحليّة في تونس.

8- رأس ملاّح: مكان بحريّ بالوطن القبليّ بتونس.

9- طريق النّبيذ: هو طريق في تشيلي يمتدّ على مسافات شاسعة ويتيح لزائريه متعة التّعرّف على حكايات زراعات الكروم وحياة أنواع شهيرة من النّبيذ مثل الكابارنيه والمارلوه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق