11 أيلول ثان في فورت هود: أميركا أمام التباس المواطنة / بلال خبيز

ما الذي ايقظ هجاس الهوية والأصول في نفس نضال حسن قبل ارتكابه جريمة قاعدة فورت هود؟ المتابعون لما جرى لا يقطعون الشك بأي يقين. الانتماء إلى الولايات المتحدة الأميركية في وصفها وطناً نهائياً لمواطنيها ليس أمراً يتم حسمه بمجرد حيازة الجنسية الاميركية. وهذا، والحق يقال، أمر تشترك فيه الولايات المتحدة مع غيرها من دول العالم الكبرى عموماً. اي تلك الدول التي تملك الجرأة السياسية والأمنية لتوطين مواطنين من أصول بعيدة. وثمة اعتقاد راسخ بين اوساط المفكرين وعلماء الاجتماع يفيد ان الاندماج في المجتمع الجديد يحتاج جيلين او أكثر. هكذا يهاجر المرء فلسطينياً لكن اولاده يصبحون نصف اميركيين، اما اولاد اولاده فيصبحون أميركيين كاملي الصفات. بمعنى أنهم يندمجون حكماً في الاجتماع الاميركي ويصبحون من عداد المواطنين الذين يحوزون صفة المواطنة بالولادة، وليس بالاكتساب. بمعنى آخر، لا يضطر الطفل المولود في الولايات المتحدة ان يحفظ بعض مواد الدستور الأميركي ليحوز مواطنة كاملة الصفات. لكن السؤال عن المواطنة الكاملة لا يتعلق بحقوق حاملي الجنسية الأميركية بمقدار ما يتعلق بعمق انتمائه إلى هذا البلد، وعلاقته بهويتها الوطنية، وهي علاقة ملتبسة في معظم الحالات.

في ما يخص قضية نضال حسن قد يكون هذا الرأي ناقصاً ومثلوباً. نضال حسن كان أميركياً إلى اللحظة التي اطلق فيها نار رشاشه في قاعدة فورت هود. في تلك اللحظة بالذات بدأ الرجل رحلة خسارته صفة المواطنة، ليس بالمعنى القانوني، فهو من دون شك سيبقى يتمتع بحقوقه القانونية كرجل يحوز الجنسية الاميركية، إنما بالمعنى النظري للمواطنة والانتماء. منذ اللحظة الأولى دأب المحققون على استطلاع علاقته المستجدة بأصوله الدينية واستحضار اصول هويته الوطنية على نحو متزامن ومتواز. وليس ثمة سبب يدفع المرء إلى دعوة هؤلاء بالكف عن النبش في أصول مرتكب الجريمة، ذاك ان ما يفعلونه يقع في باب تحصيل الحاصل. إذ ليس ثمة شك في أن دوافع نضال حسن لارتكاب جريمته متصلة بمعنى من المعاني بأصوله الجغرافية والعقائدية.

لكن هذا القطع لا يحسم المسألة برمتها. أصلاً ليس ثمة جرأة عند أي كان، من غير المتعصبين ودعاة التمييز العنصري والاتني والمذهبي، على الإعلان ان ثمة خلل في الخريطة الجينية للمسلمين او العرب يمنعهم من الاندماج في المجتمعات الغربية الديموقراطية. فمثل هذا الرأي لا يصمد عند اول مناقشة جادة. على اي حال لم تلبث الأصوات الداعية إلى اعتماد مثل هذا الاعتقاد ان انحسرت لصالح بروز آراء أخرى تدعو إلى محاولة معالجة المشكلة من جذورها والتعامل معها بوصفها واحدة من مشكلات الديموقراطيات الكثيرة ومرضاً من أمراضها الملازمة لها.

بصرف النظر عن المسار التحقيقي والقانوني الذي ستسلكه قضية نضال حسن، إلا ان الثابت ان هذه المسألة استأنفت طرح اسئلة كاد المجتمع الاميركي يغض النظر عنها بعد الذروة التي بلغها المجتمع الاميركي، تشدداً وحيرة واطلاق علامات استفهام، في الأيام والشهور التي تلت 11 ايلول من العام 2001. والارجح ان ما جرى بعد 11 ايلول ذاك، من تشديد أميركي رسمي وثقافي على ضرورة نزع فتيل التمييز الديني والمذهبي والاتني، لم يكن إلا محاولة لطمس الأسئلة الشائكة بديلاً من محاولة فتح هذا الملف على مصراعي النقاش الجاد والهادف والمفيد في الوقت نفسه.

الحديث عن صعوبات الاندماج في المجتمع الاميركي ليس جديداًً. لكننا ايضاً لا نستطيع ان نلوم الاجتماع الأميركي على صعوبات التأقلم والاندماج. ذاك ان من يريد ان يتقصى الوقائع والظواهر في المجتمع الاميركي يمكنه ان يلاحظ ان هذا الاجتماع انما يتشكل فعلياً من أقليات لا تحصى، أقليات وطنية، وأخرى اتنية، واقتصادية، ودينية وعرقية… الخ. أما أميركا نفسها فهي كما تتقدم للعالم أمة أخرى لا تشبه الاجتماع الاميركي كثيراً بل هي تناقضه على الأرجح. والحق ان ملاحظة الكسي دو توكفيل عن شعوب الولايات المتحدة الاميركية الكثيرة، ومحاولة تقصيه الفروق بين شعوب الولايات بوصف كل شعب من هذه الشعوب يملك قوام هوية وطنية تبدو أحياناً ضيقة وغير قادرة على التسامح او احتمال التعدد، ما زالت راهنة وحالّة في الاجتماع الاميركي. بل ان شعوب الولايات وحكوماتها لا تزال تتصرف حيال السلطة الفيدرالية بوصفها سلطة مفارقة، لكنها توكل إليها أمرين مهمين على الأقل: حماية شعوب الولايات من العدوان الخارجي، أكان العدوان اقتصادياً ام عسكرياً ام سياسياً، واعطاء المعنى القانوني والحقوقي للهوية الاميركية. وغالباً ما تشترك السلطات المحلية في الولايات مع السلطة الفيدرالية في ترتيب اندماج المهاجرين الجدد في المجتمع الاميركي، بوصف هؤلاء عينات من أمم مختلفة من دون ارض يستعمرونها، وهم بهذا النقصان يختلفون عن المهاجرين الأول الذين أسسوا أميركا وصنعوا معظم مناحيها ورسخوا حدودها وطبيعة شعوبها وسلطاتها.

والحال، لم تتغير شروط المواطنة الاميركية منذ توكفيل وحتى اليوم كثيراً. ما زالت هذه الأمة أمة مهاجرين، وما زالوا يهاجرون في كل شيء، في الاقتصاد هم مهاجرون، يهجرون غالباً مؤسسات راسخة تجنباً لخوض صراعات تنافسية مع دول أخرى، ويحاولون بناء مؤسسات جديدة محمية من المنافسة إلى أمد غير منظور. على هذا يمكن للمرء ان يتذكر اسماء كبيرة غابت كلياً عن صفحات الاقتصاد الأولى، روكفلر، اوناسيس، والت ديزني، ج. ب. مورغان، لتحل محل هذه الأسماء الكبيرة اسماء جديدة ومختصة في قطاعات بعيدة كل البعد عن تلك التي كان يعمل فيها هؤلاء. فأميركا المغامرة والمهاجرة في الاقتصاد، هجرت روكفلر وصناعة الصلب نحو قطاع إدارة الاموال وصناعة السينما، ثم نحو صناعة التأمين والكفالات، وصولاً إلى الانترنت وعالمها الافتراضي، واليوم ها هي تستعد لهجرة عالم السينما وصناعة الصورة نحو صناعة العاب الكمبيوتر والانترنت. بعض الأرقام في هذا المجال معبرة وبالغة الدلالة، فلعبة (وار كرافت) التي يحتاج المرء للاشتراك فيها إلى دفع مبلغ شهري بقيمة 50 دولاراً، درت على منتجيها العام الماضي اكثر من عشرين بليون دولار.هذا وقد بات معلوماً ومعروفاً على نطاق واسع ان قطاع انتاج العاب الكمبيوتر يتحول يوماً بعد يوم إلى قطاع توظيف مزدهر.
خلاصة هذه اللمحة السريعة عن اتجاهات الانتاج الاميركي تتصل بفكرة توكفيل عن الهجرة الأميركية الدائمة. فالأميركي كان يهاجر من الشواطئ نحو الداخل سعياً وراء الربح وزيادة الانتاج، ليحل محله على الشواطئ مهاجرون جدد. لكنه اليوم يهاجر من القطاعات الاقتصادية الرائجة عالمياً نحو قطاعات مبتكرة ومستجدة كل الجدة، ثم لا يلبث، بمعاونة سلطته الفيدرالية، وبقدرتها الفائقة على التأثير في اربعة اركان الكرة الأرضية ان يصنع لهذه القطاعات احتياجاتها. إذ ليس عصياً على من هم في منتصف اعمارهم اليوم تذكر انهم كانوا يعيشون حيواتهم من دون الشعور بأن ثمة بريد الكتروني ينقصهم لتسهيل أعمالهم وطريقة عيشهم، لكنهم هم انفسهم اليوم ما عادوا يجرؤون على تخيل العالم من دون غوغل وياهو.

لا تقتصر حال الهجرة هذه على الاقتصاد وحسب، بل هي مركونة في الأصل والاساس في طبيعة النظام الأميركي نفسه. حيث تستطيع السلطة الفيدرالية وتملك من المقومات والموارد ما يؤهلها لابتلاع أمم كبرى وضمها إلى مدى صولجانها من دون ان تتأثر على اي وجه من الوجوه. والحال تعاني ولايات الغرب الأميركي: تكساس، نيو مكسيكو، اريزونا، نيفادا وكاليفورنيا من هجرة مكسيكية كثيفة إليها، وثمة في هذه الولايات، ممن يعتبرون انفسهم اميركيين اصليين، من يعتقد ان استمرار الهجرة قد يدمر اميركا برمتها ويخرب اجتماعها وثقافتها. لكن السلطة الفيدرالية الاميركية لا ترى مثل هذا الرأي تماماً، بل هي على الأرجح قادرة على استقبال اعداد لا تحصى من المهاجرين وتشريع اوضاعهم القانونية ووضعهم على قائمة الانتظار الطويلة لاكتساب صفة المواطنة الفعلية في ما بعد وتعلمها انتماءً واستعداداً للدفاع عنها.

نظرة سريعة على مدن أميركا الكبرى توضح ما نحن بصدده. نيويورك هي اكبر مدن اميركا قاطبة واشهرها، تدانيها شيكاغو ولوس انجلس في الأهمية والدور، وثمة مدن أخرى تملك اهمية متفاوتة مثل بوسطن، نيو اورلينز، سياتل، سان فرانسيسكو… الخ. لكن واشنطن هي العاصمة الفيدرالية. والفارق بين اي مدينة من هاته المدن وواشنطن نفسها يمكن ملاحظته بالعين المجردة. في واشنطن لا يعكس الشارع طبيعة المدينة. هذه مدينة تنمو في المكاتب والغرف المقفلة، موظفون فيدراليون وعسكريون ورجال أمن واستخبارات يعيشون في أسرار مكاتبهم وطبقاتهم العالية. وهؤلاء كلهم لا يفرضون نمط عيشهم وثقافاتهم في الشارع مثلما هي الحال في نيويورك او في اي مدينة أخرى. ذاك ان واشنطن الحقيقية هي عاصمة الامبراطورية الفيدرالية الاميركية، وتلك الأمبراطورية لا تتجسد في ارض وشعب، مثلما هي الحال في الولايات الاميركية، بل تنمو وتتكاثر في المكاتب المحصنة والغرف المقفلة. لكن الثابت ان هذه الامبراطورية تنتخب مواطنيها من شعوب الولايات انفسهم، وتشترط في من تريد انتخابه او من يتقدم للدخول في سلك هذه السوبر مواطنية سلوكاً محدداً ومراقباً على نحو ما. والحال، لا تتورع الأمبراطورية الفيدرالية الاميركية عن محاولة انتزاع بعض الحقوق المدنية من مواطنيها والمنتسبين إليها، كمثل الحق في حرية التعبير والرأي والتصريح، والاستعاضة عن هذه الحقوق بامتيازات مادية، مثلما هي حال الجنود في اي دولة من دول العالم. فالجندي في اي مكان من العالم لا يملك حق المواطن على دولته في حماية امنه اليومي وحياته من اي خطر قد يتهدده. على العكس فإن المطلوب منه على الدوام التضحية بحياته من اجل حماية حيوات المواطنين ونمط عيشهم. والحال فإن المهاجر المكسيكي الذي يحوز الجنسية الأميركية لا يصبح مواطناً اميركياً تاماً، بل يبقى مواطناً على الطريق، هو مواطن كاليفورني او تكساسي، لكن الطريق إلى المواطنة الاميركية طويلة جداً وتفرض عليه المرور باختبارات صعبة، قد يكون اولها إجادة اللغة الإنكليزية، وليس آخرها ضرورة العيش منفصلاً عن اصوله وافكاره الشخصية واعتقاداته.

نضال حسن كان واحداً من هؤلاء المتخبين. لكنه آثر ان يعود إلى هويته الأصلية. والأرجح ان مثل هذه العودة كانت لتلزمه ترك السلك العسكري، وهو ما كان يرغب فيه على ما تقول التقارير. لكن ما حدث قد حدث، وهذا الذي حدث بالضبط ما يلزم المؤسسة العسكرية الأميركية على مواجهة اختبار جديد يتعلق بأمنها الخاص والقوانين التي ترعى سلامة هذا الأمن.

الحديث عن المؤسسة العسكرية الأميركية يشبه الحديث عن أي مؤسسة عسكرية أخرى في العالم. فهي مؤسسة مولجة بحماية النظام الديموقراطي من الأخطار التي تتهدده خارجياً وداخلياً، ولهذا السبب بالتحديد تعمل وفق قوانينها الخاصة، التي تتعارض احياناً مع القوانين التي تنظم العقد الإجتماعي بين الناس. ولن يكون غريباً ومستهجناً ان تلجأ هذه المؤسسة إلى تضييق خياراتها في عملية انتخاب الذين يريدون الانخراط في سلكها. لكن المسألة الأهم من قوانين المؤسسات العسكرية وما ينظم سير أعمالها، هو ما يعتمل في الاجتماع الاميركي من هواجس تصل حد الاستسلام للحيرة. فواقع الأمر ان القانون يمنع على رجال الأمن اعتقال الناس او التحقيق معهم على الشبهة والظن. فلو ان رجلاً قرر ان ينشر فكراً متطرفاً يصيب اعتناقه والعمل بموجبه الاجتماع الاميركي بأفدح الأضرار، لما حق لرجال الأمن اعتقاله او توقيفه من دون ان يضبط بالجرم المشهود متلبساً بمحاولة تنفيذ جريمته. والحال، إذا كان ما قام به نضال حسن هو اختراق امني للمؤسسة العسكرية الاميركية فإن هذه المؤسسة ستحاول معالجته بالطرق التي تراها مناسبة. لكن هذه المعالجة لن تمنع اي رجل آخر غير منخرط في سلك من اسلاك السلطة الفيدرالية ان يعمد إلى إطلاق النار على حشد في مجمع تجاري. لهذا يبدو ان السؤال الكبير الذي سيبقى يؤرق الاجتماع الاميركي لن يجد جوابه الشافي بواسطة الإجراءات التي ستتخذها المؤسسة العسكرية لحماية امنها الخاص. إنه السؤال الذي يتلخص بالمعادلة التالية: مسلمو الولايات المتحدة يشكلون هدف المبشرين الأصوليين بسبب من أصولهم الدينية. والحال، فإن كل مسلم يعيش في الولايات المتحدة قد يصبح ذات يوم إرهابياً. لكن القانون الذي لا يبيح التمييز والأخذ على الشبهة والظن، يمنع على رجال الأمن والقانون مساءلة المسلمين وتمييزهم عن غيرهم بوصفهم ارهابيين محتملين.

في مجال آخر، يتفهم الإجتماع الاميركي بعض العنف الذي يقوم به السود الأميركيين بسبب من تاريخ الاضطهاد الذي عانوا من نيره طوال قرون. لكن هذا الإجتماع لا يستطيع ان يتفهم الدوافع التي تدفع مسلمي العالم إلى الوقوع في موقع الإرهاب المحتمل. ذلك ان الاجتماع الاميركي لا يملك تاريخاً من العدوان على المجتمعات الإسلامية عموماً. فالعلاقة التي تقوم بين المجتمعات الإسلامية واميركا هي علاقة تختصرها الدولة الأميركية واجهزتها الأمنية والسياسية، ولا علاقة مباشرة لهذا الاجتماع باستيلاد الظلم الذي تعاني منه هذه المجتمعات واعتبارها ان الولايات المتحدة الاميركية هي سبب مصائبها وتقع في رأس قائمة أعدائها. هذا من جهة اولى، ومن جهة ثانية لا يستطيع الإجتماع الاميركي تفهم معنى ان يلجأ أي كان إلى اميركا نفسها ويطلب الحصول على الجنسية الأميركية مع ما تفرضه عليه من واجبات وتمنحه من حقوق، ثم يعتدي في الخفاء على المجتمع الذي منحه ميزة ان يغذي سريرته ويخفي بواطنه فلا يحاسب على الباطن ولا يقمع على ما تخفيه سريرته او ما يُظن انها تخفي. والحق ان ثمة جدال عميق الدلالات في ما يتعلق يمعتقلي غوانتانامو ما زال صاخباً ويقع في متن الثقافة الاميركية، حيث يجزم البعض، متسلحين بالقانون الاميركي، ان من حق المعتقل في غوانتانامو ان يعترض على اجراءات التعذيب التي تعرض لها في المعتقل، بوصف ما تقوم به أجهزة التحقيق هو مخالفة صريحة للقانون الاميركي بصرف النظر عمن وقعت عليه هذه المخالفة. فيما يرى البعض الآخر ان المعتقل في غوانتانامو يتحدر من بلاد تزدحم سجونها بسجناء الرأي، ويعتقل المرء فيها او يقتل على الشبهة والظن، ولا تقيم سلطاته تالياً اي اعتبار لحق الفرد او المواطن بمطالبة الدولة التي ينتمي إليها بالمحافظة على أمنه وحياته وحريته وعدم تعذيبه في السجون. هذا المعتقل لا يحق له ان يطالب بمحاكمة وفق القانون الأميركي، لأنه اولاً وآخراً ليس مواطناً اميركياً، وما ينطبق عليه هو بالضبط ما ينطبق على الأعداء في الحروب.

ثمة نقطة أخرى في هذا النقاش تبدو بالغة الخطورة، فالقانون الأميركي، كأي قانون آخر، يعاقب المجرم استناداً إلى سلسلة من العقوبات، يقع التمويت، او الإعدام، في اعلى هرمها. باعتبار ان السلطات القانونية تتوخى من سلسلة عقوباتها هذه ردع المرء من مخالفة القانون عبر تهديده بحرمانه من حريته او حياته في اكثر العقوبات قسوة. والحال، فإن الآتي من أفغانستان تحت حكم طالبان لم يكن يتمتع بالحرية التي يهدد المجتمع الاميركي جانحيه ومجرميه بحرمانهم منها، أما أمر رغبته بالانتحار فيبدو مثابة الضربة القاضية للنظام القانوني برمته. فإذا كنت ستعاقب الراغب بالموت بتمويته، فإنك لن تستطيع في هذه الحال ردعه على اي وجه من الوجوه.

في العودة إلى النقطة الأولى في هذا النقاش يجدر بنا ان نستحضر تاريخ الأعمال الإرهابية المتصلة بالسياسة والعقيدة قبل ان تتصدر الحركات الإسلامية هذا النشاط وتكاد تقصره على ناشطيها وانتحارييها. كانت الحركات السياسية العنيفة في المجتمعات الغربية طوال عقود سابقة تتغذى من الاجتماع المتماسك نفسه، فالحركات اليسارية في العالم اجمع كانت تشترك في ما بينها بعمق صلاتها بالحداثة. والرحم التي كانت تحمل وتلد الانتحاريين والإرهابيين في تلك الأثناء هو الاجتماع نفسه. فكان ثمة مناضلون في تلك الحركات من كل الأجناس والأعراق والمذاهب والأصول والطبقات. وكان المجتمع برمته مثابة رحم متسعة يولد منها ارهابيو ذلك الزمن. لكن ارهابيي اليوم يتحدرون من أصول محددة يمكن عزلها ومراقبتها، والحال ليس ثمة في هذا النقاش ما يقيم اوده. بدعوى ان الإرهاب السابق لم يدفع المجتمعات إلى اعادة النظر في قوانينها ودساتيرها وحقوق المواطنين على الدولة نفسها على نحو حاسم وجذري. على العكس لم تخسر تلك الحركات الإرهابية اليسارية معاركها إلا يوم فقدت اسباب اعتراضها وخسرت حججها، مما سهل عزل فلولها وملاحقة أفرادها والقضاء على هذه الظاهرة عموماً.

لكننا اليوم نجد انفسنا أمام استسهال نظري يقول الآتي: كل مسلم هو احتمال إرهابي. ما يعني ان المطلوب امنياً على الأقل، عزل هؤلاء، ومراقبة الرحم التي يولدون منها، والانتقاص من حقوقهم على نحو ما، ليتسنى للمجتمع ان يحفظ أمنه العام. وذلك بخلاف ما كان سائداً في معظم عقود القرن الماضي، حيث كان امر عزل الرحم التي يولد الإرهاب منها مستحيلاً لأن ذلك يعني انقلاباً على النظام نفسه وتدميراً لأسسه المكونة له. والمحاولة الأميركية لمثل هذا العزل، إبان الحقبة الماكارثية، ارتدت سلباً على المجتمع الأميركي، وما زالت حتى اليوم تمثل لطخة سوداء على صفحة النظام الديموقراطي. ولا شك ان اتساع تلك الرحم وشمولها فئات المجتمع كافة هو ما ساهم في صورة رئيسية في نبذ سياسة العزل والمراقبة والمنع ولتضييق إبان الحقبة المكارثية. في حين ان دعاة العزل والمنع والتضييق اليوم، يستطيعون الإدعاء ان محاصرة الرحم التي قد تحبل بالإرهابيين ممكنة ومتيسرة، لأنها محصورة، تقريباً، بالأشخاص الذين يتحدرون من اصول دينية او جغرافية محددة. وبالتوازي مع هذا الإدعاء، ثمة اتجاه ينمو ويزدهر بين بعض الاميركيين، يفترض ان التمتع بالحقوق المدنية لا يشمل الأجناس والأعراق والأديان كافة على نحو بديهي، بل يمكن اقتصاره على بعضها فقط.

لا شك ان مثل هذا الاتجاه، فيما لو قدر له ان يعم وينتشر ويأخذه المشرع الاميركي في اعتباره عند التشريع، قد يحول النظام الاميركي إلى نظام فصل ديني يذكر كثيراً بالحقبة النازية في ألمانيا، لكنه من جهة ثانية يطرح سؤالاً بالغ الإقلاق في ما يخص مجتعاتنا العربية والإسلامية نفسها. فإذا كان التمييز في حق المسلمين في الغرب قد يحول هذه المجتمعات إلى مجتمعات شبه فاشية، فما الذي نفعله نحن بأقلياتنا؟ هل ثمة نظام او فكر او سلطة حاكمة ما في منطقتنا ما زال ديوانها متسعاً لاستقبال الاقليات الدينية والمذهبية؟ هل ثمة فصل عنصري يمكن ان يكون أكثر بشاعة وهولاً من مشهد الدم الذي يسيل بين المصريين والجزائريين على خلفية مباراة كرة قدم؟

عن جريدة المستقبل – ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق