11 سبتمبر بعد سبع سنوات : أيّ أسئلة وأيّ موقع نقديّ (7) الحدث امتداد للسياسة بوسائل أخرى

بين تاريخ اكتشاف أميركا والإعلان عن العالم الجديد في 1492 من جهة، وبين تاريخ تحرير الكويت وإعلان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب عن النظام العالمي الجديد (وعن العصر الأميركي) في 1991 من جهة اخرى ثمّة خمسة قرون تخلّلتها محطات تاريخية انعطافية عرفها مسار التاريخ البشريّ بشكل عامّ والتاريخ الأميركيّ بشكل خاصّ، مرورا ًبالثورة الأميركية1776، وكذلك تسلم أميركا قيادة النظام الرأسماليّ العالميّ من بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية في1945، فرسمت(هذه القرون الخمسة) وحدّدت منطلق وزخم السياق الإمبراطوريّ في مجرى تطوّرأميركا وارتقائها وتبوئها مركز الصدارة في ميزان الصراع العالمي التاريخيّ، حيث جاءت هذه الصدارة على خلفية كلّ المعطيات والإمكانيات الذاتية والموضوعية الهائلة من ثروات بشرية وطبيعية، وموقع جغرافيّ ومقوّمات أسّست للجبروت الأميركيّ الاقتصاديّ والعسكريّ والسياسيّ والتكنولوجيّ على الأرض التي لاتكاد تخلو بقعة جغرافية فيها من طائلة سطوته.

لكنّ الهيكل المعرفيّ لهذا الجبروت سرعان ما يضعنا أمام السؤال التالي:
بعد كلّ عظمة الدولة الأميركية المنجزة خلال خمسة قرون مضافا ً إليها العائدات المفترضة لانهيار الإتحاد السوفييتيّ وللشرعية الدولية للتسيّد الأميركيّ التي جسّدها الحلف الدوليّ الثلاثينيّ الذي اصطفّ خلف الإدارة الأميركية في حرب تحرير الكويت وصولا ً إلى إعلان النظام العالميّ الجديد بقيادة القطب الأوحد الأميركيّ كما أسلفنا على لسان جورج بوش الأب 1991، بماذا نفسّر ما أفصح عنه العقدان الأخيران من وقائع وأحداث خرجت عن السياق التراكميّ التاريخيّ لهذا العظمة ووضعت النظام الأميركيّ في أزمة وارتباك وعجز كما يلي:

1- أحداث 11سبتمبر2001 التي خطّط لها ونفّذها تنظيم القاعدة بما توفّر له من إمكانيات ومجهود وإسناد فكنس برجي التجارة من جغرافية نيويورك وقتل الآلاف من الاميركيين وغيرهم ما شكّل اختراقاً أمنيا ومعنويا ًًخطيرا ًكشف عن الفساد والضعف وهشاشة ضمانات الحياة على الساحة الأميركية، وهذا لا ينسجم ولا يتناسب مع عظمة أميركا التاريخية وجبروتها، واقعاً وإعلاما َ.

2- تعدّد مراكز القوى العظمى الدولية وانتظامها في إطار ما يسمّى الثماني الكبار بما في ذلك روسيا نواة الإتحاد السوفييتي، حيث تعدّد وتنوع الاصطفافات والمواقف في مواجهة مختلف قضايا الصراع وبؤر التوتر في العالم، وهذا بدوره لا يأتلف مع الموقف والمصالح الأميركية المفترضة على أساس وحدانية المرجعية الدولية المرتكزة هي الأخرى على عظمة أميركا التاريخية وجبروتها.

3- عجز الإدارة الأميركية عن تحقيق مصالحها المتناسبة مع ما يفترض أنّه تفوّق قوتها الاقتصادية والعسكرية ومعالجة الوضع الذي استنزفها واستغرقها في العراق بعد احتلاله في عام 2003 وإسقاط النظام العراقيّ، دون تقديم التنازلات وإيكال جزء كبير من المهام لدول جواره، وهذا ما أوصت به لجنة هاملتون بيكر، كما عجزها في أفغانستان وفي ملفات اخرى كلبنان وفلسطين حيث تضطلع جهات دولية وإقليمية أخرى بانجاز الحلول الممكنة، كاتفاق الدوحة، الذي جمع الأطراف اللبنانية المتنازعة تحت سقف وفاق برعاية هذه الجهات، وكذلك قمة دمشق الأخيرة التي جمعت الرئيس السّوري والرئيس الفرنسيّ والأمير القطري ورئيس الوزراء التركيّ فأطلقت عناصر توافق على مسائل صراعية عالقة لا سيما دفع عجلة التفاوض المباشر لحلّ الصراع العربيّ الإسرائيليّ على المسار السوريّ، وكلّ ذلك في إطار تتعدّد فيه المرجعيات الدولية والإقليمية كمراكز قوى تحدّ من استئثار المركز الأميركيّ بالنفوذ والوصاية والقرارات الدولية، ولعلّ مجلس الأمن يشكل ساحة أخرى للعجز الأميركيّ ولتشظّي القطبية الأميركية.

وعلى أساس ما سبق، وبدلا ً من أن يشكّل انهيار الإتحاد السوفييتي غيابا ًمرّة وإلى الأبد لقطبٍ طالما لجم المطامع والطموحات الأميركية، وتتويجا ًللقطب الأميركيّ سيداً أوحدَ للعالم، وبما ينسجم مع السياق التاريخيّ من الناحية المنطقية والرياضية، فإنّ العقدين الأخيرين(1991-2008)رسما هبوطا ً حادا ً في منحنى التاريخ الأميركيّ، (1492-1991)الصاعد، وبما يتناقض مع المعطيات والإنجازات الأميركية المعروفة والمركزة كنظرية مؤامرة في وعي الناس الذين يخلصون دائماً إلى النتيجة التسليمية بأنّ ما تريده أميركا يصير.

ويبدو أنّ ما يرتكز عليه النظام الرأسماليّ الأميركيّ من امكانيات تميّز وتفوّق استراتيجية إقتصادية وعسكرية وتكنولوجية كبيرة، شيء، وأن تتحوّل هذه الإمكانيات بنفس القدر إلى فاعلية سياسية مرنة ونتائج تلقائية تعكس هذا التميّز وهذا التفوّق، شيء آخر، ويبقى هذا الفارق بين الإمكانيات الأميركية وبين النتائج الواقعية غير المتناسبة مع هذه الإمكانيات قابلا ً للاحتواء والامتصاص لنتائجه ما دامت الترجمة العملية لهذا الفارق أرقاما مهما بلغت من الخسائر المالية والمادية والبشرية التي يتكبّدها النظام الأميركيّ في الصراع الدوليّ والصراعات الإقليمية وفي مواجهة الكوارث الطبيعية كذلك، ما لم يفقد هوامش المناورة والمخارج والمسارب الإحتياطية، ويلامس المنسوب الحرج باتجاه القاع/الإنهيار، ولعلّ سابقة انهيار الإتحاد السوفييتي كبيان عمليّ تاريخيّ يذكّر بأفول الإمبراطوريات ويحمل الهلع بقدر ما إلى أوصال الإدارة الأميركية التي يبدو أنّ نظامها لا يزال عصيا ً على الإنهيار ويرتكز على امكانية شنّ حروب استباقية استراتيجية يتحمّل نتائجها ضمن سقف الأمان الرقميّ في ميزانيات النظام.

وإذا كان دافع الضريبة الأميركيّ بشكل عامّ قد اعتاد أن يموّل عن طيب خاطر السياسة الخارجية الأميركية بشقّيها المدنيّ والدبلوماسيّ والعسكريّ، (الصراعات والتوتر والحروب)، فلكي تبقى السياسة الداخلية حينئذ ٍفي إطارها الآمن السلميّ الذي يبرّر ويشرعن نفقات ديمومة هذا الإطار تحت مظلّة الحماية التي توفرها السياسة الخارجية، وتكون ـ والحالة هذه ـ لدى المواطن الأميركيّ سياستان، داخلية وخارجية تشكّل امتداداً للداخلية بوسائل أخرى، لكنّ دافع الضريبة هذا، وقد فاجآته أحداث 11سبتمبر 2001بشكل صاعق ودراماتيكيّ، وترحيل مفاعيل هذه الأحداث بعيدا ًعن العفش الداخليّ الأميركي عبرالإحتلال الأميركي للعراق ربيع/2003 عبر ما يسمّى الحرب على الإرهاب، وجد نفسه(المواطن الأميركي) بدون سياسة، حيث رحلت السياسة الداخلية هي الأخرى إلى الخارج، وباتت الحرب على ما يسمّى بالإرهاب امتدادا ًللسياسة الأميركية برمّتها، وارتهنت أعصاب أميركا وانشدت للقلق والخوف والإستنزاف المزمن التي تبعثه ساحة الحرب في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى، كما تبعثه وتشيّعه إجراءات الطوارئ وتقييد الحريات وانتهاك حرمة المواطنََة على الساحة الأميركية والساحات الأخرى كسجون أبو غريب وغوانتانامو والسجون الطيارة والمتنقلة بما يتنافى مع قيم البشر وأخلاقهم بشكل عام ويتنافى مع االتبشير بالديموقراطية ورعاية حقوق الإنسان التي لم تجد لنفسها موطئ قدم في أرض داستها ماكنة الحرب الأميركية الدائرة على خلفية أحداث 11 سبتمبر2001 في مسعى ً دائب لتحقيق هدفين:
• إحكام إغلاق الملف الداخليّ الأميركيّ، لدرء مخاطر انفضاح أمرالفساد الذي يرزح تحت وطأته النظام الأميركيّ، والذي أفصح عن عمقه من خلال أحداث 11 سبتمبر2001.
• إعادة إنتاج أميركا لهيمنتها داخل الثماني الكبار، وهذا بات بعيد المنال من خلال المؤشرات التالية:

1- الاستفراد والعزلة التي وجدت نفسها بها الإدارة الأميركية في أزمة العراق.

2- العصيان الذي تبديه إيران في معالجة ملفها النووي مستفيدة ًمن غياب الموقف الدولي الموحّد تجاهها.

3- أزمة القوقاز الجاريه وتداعياتها داخل الحديقة الخلفية للإدارة الأميركية من خلال التحالف الروسي – الفنزويلي، وعلى صعيد عودة الحرب الباردة.

ويبدو أنّ حرب الإنتخابات التي تشاغل الساحة الأميركية وإدارتها لن تضع أوزارها إلا عند تخوم أحداث 11سبتمبر وتداعيات الإرهاب الذي ستنتظم خارطة الطريق الأميركية في طورها المقبل على إيقاعه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق