11 سبتمبر بعد سبع سنوات : أيّ أسئلة وأيّ موقع نقديّ؟(3) “ليلو” والحادي عشر من أيلول!

“ليلو” هو الاسم الذي أطلقتُه على صديقتي الإيطالية “آنجلا” فسعدَتْ به أيما سعادة. أطلقتُه عليها لأنها تشبه كثيرا بطلة الفيلم الكرتونيّ الشهير “ليلو وستيتش”. هي جميلة وناعمة و”آنجلا” أيضا، “ليلو” مشاغبة ومرحة وصديقتي الإيطالية أيضا، هي شعرها طويل وأسود فاحم وشعر “آنجلا” أيضا، هي تحبّ البحر وصخب الألوان من حولها وصديقتي أيضا، أما اتساع عينيها وسوادهما الشديد فكان أكثر شيء تشبهه فيها بشكل غريب: “آنجلا”، لها عينان تشبهان في سحرهما صمت الليل وحزن الغسق وعذوبة الفجر. “ليلو” كان لديها رفيق ملأ عليها حياتها وآنس وحدتها أسمته “ستيتش” أما صديقتي فحبيبها كان اسمه “إلياس”، شاب عربيّ مسلم ولد ونشأ بالولايات المتحدة ويعمل فيها الآن طبيبا للعيون وكانت “ليلوالإيطالية” تحبّه إلى درجة الجنون رغم معارضة ذويها لرغبتها في الزواج منه بسبب قلقهم على حياتها معه في الغربة والبعد عنهم والذي ازدادت حدته بعد الأحداث المهولة للحادي عشر من أيلول، هذا القلق الذي كانت كثيرا ما تحكي لي عنه “ليلو” وعن تطوراته في كل مرة كانت تأتي لزيارتي فيها.

زياراتها كانت عزيزة على قلبي، وبينما هي الآن تنعم بحياة العشق والمحبة التي اختارتها مع “إلياس” الذي أصبح اليوم زوجها، أنا هنا، أتذكرها بعد مرور أربع سنوات على لقائها الأخير بي وأكتب عن ذاك اليوم الذي زارتني فيه -وكانت أثنائها لم تتزوج بعد- كي تستشيرني في أمور تخص بعضا من دراساتها وأبحاثها الجامعية… يوم لن أنساه أبدا ما حييت…كانت “ليلو” فيه سعيدة حتى تلك اللحيظات التي غادرتها فيها إلى المطبخ كي أعدّ لها بنفسي الشاي المغربي الذي كانت تحبه والذي كنت أعطره لها بوريقات من زهر الليمون والياسمين… كانت سعيدة إلى أن انتهيت من إعداد الشاي وعدت إلى غرفة الضيافة كي أجدها و قد تغيرت ملامحها وظلّلت عينيها الجميلتين سحابة كثيفة من الحزن والخوف، سألتها عمّ دهاها وغيّر حالها هكذا فجأة، وإذا بها تشير بأصبعها إلى شاشة التلفاز ببراءة طفولية وتقول بصوت متشنج :

“I musulmani si sono arrabbiati un’altra volta, hanno attaccato l’America, ora li ho visti in tv… Ho paura “Jasmine”, ho paura e penso a quel poverino di Elia e non so cosa gli sta succedendo adesso in America, gli l’avevo detto di lasciare questo paese e di venire a vivere con me qui in Italia, ma lui non vuole, non vuole sentirsi straniero, l’America è la sua terra, là è nato e là è cresciuto…”

“غضب المسلمون مرة أخرى، لقد هاجموا امريكا ، رأيتهم الآن على شاشة التلفاز….أنا خائفة يا ياسمين ، خائفة و افكر في ذلك المسكين إلياس و لاأعرف ما الذي يحدث له الآن بأمريكا، كم مرة قلت له بأن يترك ذاك البلد و يأتي للعيش معي بإيطاليا و لكنه لا يريد أن يحس بالغربة معي و ببلدي، هو هناك ولد و نشأ…”(ترجمة الكاتبة)
كانت كلماتها ودموعها المتهاطلة تنزل على رأسي كالسهام و لم أفهم شيئا مما كانت تقصده و لأنني كنت أكبرمنها سنا وكانت هي بمنزلة اختي الصغرى وجدتُني أقوم من مكاني واقترب منها واطلب منها في هدوء أن تفسر لي ما الذي حدث وما سبب دموعها وإذا بها تصرخ من جديد وقد جحظت عيناها:
“? eccoli di nuovo sulla tv, non sono loro ? sì, non vedi le immagini delle torri gemelle”

حاولت أن أركز انتباهي حول ما تقوله المذيعة وحول ما قالته “آنجلا” وإذا بالأمر يتعلق ببرنامج وثائقي عن صناعة الموت، أعدته القناة بمناسبة مرور ثلاث سنوات على أحداث الحادي عشر من أيلول. التفتُ إلى صديقتي الصغيرة وضممتها إلى صدري وقد رسمت ابتسامة على شفتي وقلت لها: “يبدو أنك يا “ليلو” لم تتعلّمي بعد وبشكل جيد اللغة العربية بالرغم من أنه لم يبق سوى القليل على يوم تخرجك وحصولك على الإجازة في اللغة العربية، ثم أنك تتكلمين عن عودة “المسلمين” لتدمير البرجين، قولي يا طفلتي الصغيرة، كم يوجد في أمريكا من برجي التجارة العالمي؟ أليسا برجين فقط وهما اللذان تم تدميرهما قبل ثلاث سنوات مضت؟ ثم إن هؤلاء “المسلمين” أليس لهم من أمر يشغلهم غير أمريكا و” الغرب” وأهله؟ ثم ألا تدرين يا حبيتي أن اليوم هو الحادي عشر من أيلول وأنه من الطبيعي أن يقدم التلفزيون برامج كهذه ولو فكرت الآن بالتوجه إلى أي قناة إيطالية لوجدت نفس القصة والحكاية وربما أدهى وأمرّ؟ هؤلاء يا “ليلو” ليس لهم من همّ، سوى إعلانها حربا نفسية على الجميع وخاصة على أبنائهم في “الغرب”، انظري إلى نفسك، فأنت الدليل القاطع على ما أقول و على هذا الرعب الذي يزرعونه فيكم حتى لا تفكروا في شيء غير الخوف من الآخر، الذي هو اليوم “عربي” أو “مسلم” وغدا ربما يصبح “روسيا” أو “صينيا” وقد يصبح حتى جنّا أزرقا، هذا لا يهم، المهم أن يكون ثمة كيان يرهبكم ويدفعكم للتوجه إلى المزيد من المغريات ووسائل المتع والثقافة الاستهلاكية المتميّعة والجوفاء من أي معنى وفائدة، أما شباب الجهة الأخرى فيكفيه ما فيه من تدمير نفسي على جميع المستويات ويكفيه ما نال ثقثه بنفسه وبقدراته من اهتزاز وانفصام، هيّا عزيزتي، حاولي الآن أن تفكري في شيء آخر وهذا الجهاز الملعون سوف نطفئه الآن…”
وببراءة “ليلو” بطلة الفيلم الكرتوني، مسحت “آنجلا” دموعها وعادت إلى الابتسام من جديد ثم هتفت قائلة:

« come sono stupida, ho avuto un colpo cara jasmine !!! Non sai come mi sentivo, stavo per fino chiamando Elia, lui avrebbe sicuramente pensato che io fossi impazzita… sono stupida… Stupida… Si vede come hai detto tu che ancora non capisco bene l’arabo.”

“كم أنا بلهاء، خفت كثيرا عزيزتي ياسمين !!! لا يمكنك أن تتصوري كيف كان شعوري إلى درجة أني كنت أريد أن أتصل هاتفيا بإلياس، من المؤكد أنه كان سيظن بأنني جُننت، آه أنا بلهاء، بلهاء، و يبدو حقا و كما قلت أنني مازلت لا أفهم جيدا اللغة العربية”.(ترجمةالكاتبة)

عادت للضحك وكأن شيئا لم يكن وعاد لعينيها البريق والابتهاج و بدأت تتلذذ بشرب الشاي وكنت أراقب في صمت برائتها… كانت تقرّب الكأس من أنفها كي تستمتع بعطر الشاي ثم تشربه ببطء شديد، كانت تبدو وكأنها أميرة مسحورة والشاي الذي كنت أعده لها في كل مرة كانت تزورني فيها كان بالنسبة لها عطرا وكان شربه عبادة… كانت تقول بأنها في بيتي تشعر وكأنها في كنيسة وكنت أفهم قصدها: كانت تريد أن تقول وكأنها في بيت من بيوت الله… كنت حاضرة معها بفكري وبروحي وكان بصري تارة يقع عليها وتارة على كتبها المبعثرة فوق المائدة، كتب تتحدث كلها عن بابلو بيكاسّو وعن لوحاته وكانت “ليلو” أقصد “آنجلا”، قد حملتها معها كي تستشيرني في أي لوحة ستكون مناسبة أكثر لتزيين غلاف أطروحتها التي كانت تعدها والتي كانت تتعلق بهذا الفنان وبتأثير الحضارة العربية في إنتاجاته الفنية… كنت أنظر إلى كل هذا وأفكر كيف أن ثلة قليلة من أشرار هذا العالم ما زالوا مصرّين على تسميم حياتنا باسم الدين والله والله براء منهم إلى يوم البعث وكيف أن الأمر لا يتعلق بحروب دينية بقدر ما هو نوع من استراتيجيات اقتصادية تجارية واستخباراتية محضة لا قدرة للمواطن البسيط عليها ولا على فهم ميكانيزماتها وكنت أستغرب كيف أنهم يدرسون خططهم بمهارة ويدرسون بالذات العواقب النفسية الوخيمة لها على المدى البعيد لدرجة أنه الآن وحتى بعد مرور سبع سنوات على هذا الحدث ما زلنا نتحدث ونكتب عنه ونحاول تحليله رغم أن الأمر لا يحتاج تحليلا ولا أيّ شيء آخر، لأنّ الإرهاب على مرّ الأزمنة لم تكن له أبدا جنسية محددة ولا يمكن أن يُسمى أبدا بالعربي أو حتى بالإسلامي أو حتى بالمسيحي أو اليهودي، طالما أن التاريخ وأرشيفاته، أظهر دائما أن أعمال التدمير التي طالت وما زالت تطول العالم من الممكن جدا أن تتحد فيها كل الجنسيات وكل التوجهات والإيديولوجيات، لذا فقد يكون المُخطّط أمريكيا أو غربيا بشكل عام أو عربيا و قد يكون المُنفذ عربيا أو غير عربي وأقصد هنا بالمنفذ ليس ذاك الذي يفجر نفسه ولكن ذاك الذي لايدين حتى بنفسه ولا يعرف سوى أنه يريد أن يخرج من عالم الحاجة والفقر والعوز الذي هو فيه ولا يهم إن كان الثمن أجسادا منتحرة تتطاير أشلاؤها في الهواء وأناسا تُقبر تحت حطام البنايات وحتى وإن لم يكن معوزا، فقد يكون من المنحرفين أو المجرمين أو من الفاسدين، ثقافيا وإيديولوجيا أي من أولئك الذين يرغبون في الزيادة من رؤوس أموالهم ونفخ حساباتهم البنكية المفتوحة هنا وهناك بغض النظر عن الانتماءات الجغرافية أو العقائدية وغالبا ما قد يكون أمثال هؤلاء ممن لا يعرفون عن الديانات السماوية “الحقة” شيئا ولا يهمهم لا محمد ولا موسى ولا المسيح الحي ولا حتى اللادينية بقدر ما تهمهم هم ومن ورائهم، الملايير من الدولارات التي ستذرها صناعة الموت كي تُستخدم في تحريك عجلة الاقتصاد والسياسة الجهنمية !!!

الكثير من هذه الأشياء لا تعرف عنها “آنجلا” شيئا ولكنها تعرف أن اللقطات الأخيرة من الفيلم الكرتوني “ليلو و ستيتش” والتي كان من المفترض أن يظهر فيها البطلان على ظهر طائرة بوينغ 747 وهما يجوبان السماء بين ناطحات سحاب “هونولولو”، قد تم تعديلها مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق