23عاماً دراسة في الممارسة النبيوة المحمدية – تأليف: علي الدشتي

ترجمة من الفارسية : ثائر ديب

كلمة الغلاف

يتناول الكاتب الإيراني علي الدشتي في هذا الكتاب حقبة الرسالة المحمدية، الممتدة ثلاثة وعشرون عاما، بدءا من نزول الوحي على النبي محمد وحتى وفاته. فيقدم اجتهادات جديدة في قراءة نقدية لكل التصورات الرائجة عن تلك الفترة، وكذلك عن شخص الرسول. مقارناً بين الروايات والنصوص المعروفة والمعتمَدة. كما يقدم قراءة بطريقة عقلانية للنص القرآني، راصدا تطور الخطاب الإلهي بالتوازي مع انتشار الدعوة وازدياد مؤيديها وتمكنهم بقيادة الرسول من الاستقلال وتحقيق الانتصارات. عارضا رأيه في صياغة بعض الآيات وفي معانيها، وكذلك في أسباب وكيفية تدوينها وترتيبها.

ومن خلال اعتماده فكرة بشرية محمد، التي يستشهد عليها بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، يتمكن من تناول الكثير من القضايا والمسائل مثل المعجزات، والحكم، والنساء، والجن، والسحر، وغيرها، بصورة موضوعية ومختلفة عما هو سائد.

فيخلص إلى نتائج مهمة وملفتة، مما يجعل من دراسته الصغيرة هذه قراءة جديدة، ومختلفة، للسيرة النبوية، وإن كانت في حدود رسم خطوط عريضة موجزة وعمومية للنقاط البارزة في الأعوام الثلاثة والعشرين، أعوام الرسالة المحمدية.

من المقدمة

عن المؤلِّف

كان لدعوة الإسلام، التي جاء بها محمد في سيرته النبوية البادئة عام 610م والمنتهية بوفاته عام 632م، أن تُسْهِمَ في تشكيلِ ثقافاتِ أُمَمٍ كثيرةٍ وطرائق حياتها.

وخلال المائة سنة التي سبقت صدور كتاب علي الدشتي هذا، كانت قد ظهرت كتب كثيرة تتناول بالبحث والدراسة كلاً من محمّد، والقرآن، والفقه، والطوائف، وحركات التصوّف الإسلامية. وكان الباحثون الأجانب قد أنجزوا مهمّات أساسية تمثّلت بجمع المعطيات وتحليلها. أما الباحثون المحليون، وصولاً إلى الفترة التي كتب فيها عليّ الدّشتي كتابه هذا (والتي لا تتعدّى العام 1974)، فقد اقتصروا في معظمهم على الشروح والعروض وضروب الدفاع ولم يبدوا كبير اهتمام بالمشكلات، إلا في حالات استثنائية.

وتأتي أهمية الكتاب الذي بين أيدينا، ثلاثة وعشرون عاماً (بالفارسية بيست وسه سال)، للباحث الإيراني علي الدشتي (1896-1981 أو 1982)، من كونه يتناول كلاً من القيم والمشكلات التي يطرحها الإسلام على المسلمين المعاصرين.

ولد علي الدشتي عام 1896 في قرية من دشتستان القريبة من ميناء بوشهر على الخليج. وهو ابن الشيخ عبد الحسين الدشتستاني الذي أخذه، وهو فتى، إلى كربلاء في العراق، وكانت آنئذ جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. وكربلاء، حيث قُتِلَ حفيد النبي الحسين بن علي عام 680م، والنجف (على بعد 70 كم أو 43 ميل إلى الجنوب)، حيث قُتِلَ ابن عمّ النبي وصهره عليّ بن أبي طالب عام 661م، هما موضعان يُكْثِرُ المسلمون الشيعة من زيارتهما ويشتملان على مدارس يتخرّج منها علماء الشيعة وينجزون فيها دراساتهم الدينية. وفي هذه المدارس، وعلى الرغم من الاضطراب وعدم الاستقرار في سنوات الحرب العالمية الأولى، أتمًّ علي الدشتي تعليمه وتضلّع من الفقه، والمنطق، والتاريخ الإسلامي، وكذلك من اللغة العربية وقواعدها وبلاغتها وأدبها القديم فضلاً عن تضلّعه من الفارسية.

بيد أنًّ علي الدشتي لم يشأ، بعد عودته من العراق إلى إيران عام 1918، أن يكون رجل دين. وفضَّل أن يكرّس قلمه السيّال للصحافة، مدفوعاً بمشاعره الوطنية الجيّاشة وفهمه التطورات الجارية في العالم. وقد أفلح في أن تكون له صحيفته الخاصة، شفق سرخ (الفجر الأحمر)، التي أصدرها في طهران من 1 آذار-مارس 1922 إلى 18 آذار-مارس 1935، وظلّ رئيساً لتحريرها حتى 1 آذار-مارس 1931 حين حلّ محلّه مايل تويسركاني. وكان علي الدشتي قد سُجن لفترةٍ وجيزةٍ عام 1919 لكتابته مقالات تتعرّض بالنقد للمعاهدة الإنجليزية – الإيرانية التي اقتُرِحت في ذلك العام (وأُسْقطت لاحقاً). ومنذ العام1921 فصاعداً راحت تتكرر زيارات علي الدشتي القصيرة للسجن. وقد سجّل تجاربه وأفكاره في عدد من المقالات جُمِعَت معاً في كتابه أيام محبس (أيام السجن) الذي نال شهرةً فور صدوره وأُعيد طبعه منقّحاً ومزيداً عدداً من المرات لما فيه من نبرةٍ جذريةٍ وحداثية، ولمحاتٍ ذكيةٍ، وروحِ دعابةٍ لطيفةٍ، وأسلوبٍ طليق. أمّا صحيفته شفق سرخ فقد لفتت الأنظار بنوعية مقالاتها الاجتماعية والأدبية التي كان يكتبها علي الدشتي ومعاونوه الشباب آنذاك، ومن بينهم أشخاص مميزون كالشاعر والمؤرخ الأدبي رشيد ياسمي وباحثون أكاديميون مثل سعيد نفيسي، وعباس إقبال، ومحمد محيط طباطبائي.

وفي تلك السنوات، علّم الدشتي نفسَه بنفسِهِ اللغة الفرنسية وراح يلتهم الأدب الفرنسي الحديث والأدبين الإنجليزي والروسي في ترجماتهما الفرنسية. كما اطّلع على كتاباتٍ فرنسيةٍ في القضايا الراهنة، وفي الموسيقا والرسم (إذْ كان مهتمَّاً بهذين الفنين)، فضلاً عن كتاباتٍ في القضايا الإسلامية. كما كان الدشتي واحداً من قلّة من الإيرانيين الذين أبدوا اهتماماً بالأدب العربي الحديث، المصري منه بوجه خاص. وفي حين كان معظم كتّاب النثر الإيرانيين لا يزالون على تشبّثهم بالمجازات المتكلّفة والجمل المعقدة، طوّر الدشتي أسلوباً متدّفقاً أنيقاً أثار كثيراً من الإعجاب به والرغبة في تقليده، وكان النقد الوحيد الذي وُجِّهَ له إكثاره من الكلمات الفرنسية المستعارة. ولم تقتصر الشعبيّة على كتابات الدشتي الأصيلة بل تعدّتها إلى ترجمته كتاب إدمون ديمولان مصادر تفوق الأنجلوسكسون والطبعة العربية من كتاب صموئيل سميلز في تولي المرء أموره بنفسه.

وفي العام 1927، دُعيَ علي الدشتي لزيارة روسيا في الذكرى العاشرة للثورة البلشفية، فانتهز الفرصة ليطيل رحلته ويرى فرنسا وبلداناً أوروبية غربية أخرى. وفي العام 1928، انتُخِبَ إلى المجلس (البرلمان) ممثِّلاً لبوشهر وأُعيد انتخابه في المجلسين التاليين حيث اشْتُهِرَ بخطاباته القوية شديدة اللهجة. بيد أنه أُوقِفَ مرّة أخرى بعد حلّ المجلس التاسع عام 1935 ووُضِعَ قيد الإقامة الجبرية أربعة عشر شهراً. وفي عام 1939 أُعيد انتخابه إلى المجلس ممثِّلاً لداماوند (قرب طهران)، وهو المقعد الذي حصل عليه مرّة أخرى في انتخابات العام 1941 بعد الاحتلال الإنجليزي – الروسي لإيران. كما كان الدشتي شخصية قيادية في حزب العدالة، وهو جماعة تدعو إلى إصلاحات اجتماعية معتدلة ممكنة التحقيق. وفي العام 1946 نبّه علي الدشتي، بما تمتّع به من روح وطنية، إلى المخاطرة التي أقدم عليها رئيس الوزراء آنذاك، قوام السلطنة، بقبول أعضاء من حزب توده المدعوم من السوفييت في حكومته والتفاوض مع السوفييت لإعطائهم امتيازات نفطية. وقد أودت صراحة علي الدشتي به إلى السجن في نيسان-إبريل عام 1946، حيث قضى ستة أشهر. وحين أُطلق سراحه، سافر إلى فرنسا وبقي فيها حتى عام 1948، حيث عُيِّن سفيراً لإيران في مصر ولبنان. كما عيُّن وزيراً للخارجية لفترةٍ وجيزة في حكومة حسين علاء، التي دامت أسبوعين قبل أن يتسلّم محمد مصدّق منصب رئيس الوزراء في 2 نيسان-إبريل 1951. وفي العام 1954، عُيِّن الدشتي عضواً في مجلس الشيوخ (حيث انتُخبَ نصف أعضاء هذا المجلس وعيّن الشاه نصف أعضائه الآخر). وقد بقي الدشتي في هذا المجلس حتى قيام الثورة الإسلامية في 11 شباط-فبراير 1979، حيث حظي بمزيدٍ من التقدير لإسهاماته في مناقشاته، التي غالباً ما كانت ذات وزن أكبر من مناقشات البرلمان.

أمّا في عالم الأدب، فقد اشتهر علي الدشتي في السنوات التي تلت الحرب العالمية ككاتب للمقالة وروائي. ففي كتابه سايه (1946)، الذي يضمّ مجموعة من المقالات واللمحات الموجزة التي سبق نشرها، ظلّت نبرة الدشتي نبرةً حداثية، لكنها أقل جذرية من كتاباته السابقة. وخلال عهد رضا شاه وبعده، كان وضع النساء هو القضية الاجتماعية التي حظيت بأوسع النقاش في إيران، أو في دوائر الطبقتين العليا والوسطى على الأقل. ففي 7 كانون الثاني-يناير عام 1936 أُجْبِرَت النساء الإيرانيات على السفور، لكن نساء الطبقات الدنيا عدن إلى ارتداء الحجاب بعد الحرب وخضعت نساء الطبقتين العليا والوسطى لضغط شديد كي يحذين حذوهنّ. ولقد أبدى علي الدشتي تعاطفاً مع رغبة النساء الإيرانيات المتعلّمات في أن تكون لهنّ الحرية في إِعمال عقولهن والتعبير عن أنفسهن؛ إلا أنه لم يقدّم عنهنّ تلك الصورة المُرْضِية في رواياته القصيرة فتنة (1943 و1949) وجادو (1951)، وهندو (1955). فبطلاته لعوبات لا يقف وراء أفعالهن أي دافع ظاهر سوى الحسابات الباردة. ومع ذلك، فقد حظيت هذه القصص بقراءة واسعة، وهي تمثّل مدوَّنةً حيةً، وصائبةً جزئياً بلا شك، لحياة الطبقات العليا وما تعانيه النساء المتعلّمات في طهران في ذلك الوقت من مشاكل نفسية.

بيد أنَّ شهرة علي الدشتي الأدبية تقوم على ما قدّمه من أعمال بحثية ونقدية في الكلاسيكيات الفارسية. فالإيرانيون يفخرون بتراثهم ذلك الفخر المشروع لكنهم يرغبون عن مناقشة ما تطرحه تلك الكلاسيكيات من مشكلات ومصاعب على أجيالهم الجديدة، دع عنك الأجانب. ومن هذه المشكلات لغة الكلاسيكيات القديمة المهجورة، وجوّها القروسطي، وحجمها الضخم. فقد كتب صائب، الشاعر البارز في العهد الصفويّ، 300000 بيت من الشعر، لعلّه لم يقصد لكثير منها أن تكون أكثر من أشعار وقتية زائلة. ومهما يكن الأمر، فإنَّ أحداً لا يمكنه أن يقرأ الكلاسيكيات جميعاً. وقد سلّم الباحثون الإيرانيون المحدثون عموماً بعظمة كتّابهم الكلاسيكيين، وصرفوا اهتمامهم إلى مسائل من شاكلة التأثير الذي تركته على شكل الكتابة ومضمونها دربةُ الكاتب وسيرتُه، وأثرُ سابقيه ورعاة الفنون والآداب عليه، وأثره هو على لاحقيه. أمّا علي الدشتي، الذي لم يهمل مثل هذه الأمور، فقد حاول أن يلتقط ويفسّر ما في أعمال بعض الشعراء الكلاسيكيين من عناصر ذات قيمة فنية وأخلاقية باقية تهمّ القارئ الحديث. كما قدّم انتقادات صريحة، فذكر مثلاً أن سعدي قد ترك مقطوعات يشجع فيها على الفساد ومجافاة الأخلاق علاوةً على ما تركه من حِكَمٍ، ولطائف، ومحاسن خالدة. وعلى الرغم من ذلك القَدْر من الذاتية التي انطوت عليها آراء علي الدشتي بالضرورة، إلا أنَّ مقاربته الجديدة هذه لبّت حاجة ماسّة وواسعة وساعدت على إحياء الاهتمام العام بالكلاسيكيات القديمة وبثّ روح التجديد فيه. وكتبه التي طُبِعَت مرّات عديدة في هذا المجال هي التالية:

نقشي ازحافظ (1936): وهو دراسة عن الشاعر الفارسي حافظ (حوالي 1319-1390).

سيري درديوان شمس، عن الشعر الغنائي عند جلال الدين الرومي (1207-1273).

درقلمرو سعدي، عن الشاعر والناثر العظيم سعدي (1208؟ -1292)

شاعري دير آشنا (1961)، عن الخاقاني (1121؟-1199)، وهو شاعر صعب ومهم.

دمى باخيام (1965)، عن الشاعر والرياضي عمر الخيام (1048؟-1131)؛ وقد قام لورنس. ب. إِلوِلْ سُتُن بترجمة هذا الكتاب إلى الإنكليزية بعنوان بحثاً عن عمر الخيام، لندن 1971.

نكَاهى به صائب (1974)، عن الشاعر صائب (1601-1677).

كاخ ابداع انديشه كَونا كَون حافظ، عن عدد من الأفكار التي عبّر عنها حافظ.

وفي سنواته الأخيرة عاد علي الدشتي إلى دراسة الإسلام، الأمر الذي كانت قد أهلّته له أحسن التأهيل دراسته في مدارس العراق وقراءته الواسعة للأعمال المصرية والأوروبية الحديثة في هذا المجال. وقد أتت مقاربته هنا على نحو مقاربته في دراساته الأدبية، حيث ألحّ على العناصر ذات القيمة الباقية وعلى مناقشة المشكلات مناقشة صريحة. وكتاباته في هذا الميدان هي التالية:

برده بندار (1974 وقد أُعيد طبعه مرتين)، عن التصّوف.

جبريا اختيار (نُشِرَ غفلاً من الاسم والتاريخ ، وكانت محتوياته قد نُشِرَت من قبل في مجلة وحيد في العام 1971)، وهو عبارة عن حوارات مع متصّوف في الجبر والاختيار.

تخت بولاد (نُشِرَ غفلاً من الاسم والتاريخ، وكانت محتوياته قد نُشِرَت من قبل في مجلة خاطرات (1971-1972)، وهو حوارات في مقبرة تخت بولاد التاريخية في أصفهان مع عالم متفقّه يتمسك بمعاني القرآن والحديث الحرفية.

عقلاى برخلاف عقل (1975 وأعيد طبعه مرتين، وكانت مقالاته قد ظهرت من قبل في عدد من الدوريات بين 1972 و1973 مع مقالتين إضافيتين)، وهو يتناول التناقضات المنطقية في جدالات الفقهاء، خاصةً محمد الغزالي (1058-1111).

درديار صوفيان (1975)، عن التصّوف، وهو متابعة لكتاب برده بندار.

بيست وسه سال (نُشر غفلاً من الاسم ودون إشارة إلى مكان النشر وتاريخه، غير أنَّ هذا التاريخ لا يتعدّى العام 1974، أمّا مكان النشر فهو بيروت بحسب قول لعلي الدشتي نفسه) وهو دراسة في السيرة النبوية المحمّدية.

كان نظام الشاه محمد رضا بهلوي ورئيس وزرائه من 1965 إلى 1977، أمير عباس هويدي، قد فرض رقابة أثارت استياء كثير من المثقفين الإيرانيين، وإنْ كانت قد بدت للمراقبين الأجانب أقلّ قسوة من مثيلاتها في معظم بلدان الشرق الأوسط في تلك الفترة. لكنَّ الرقابة الإيرانية اشتدّت بعد انطلاق عمليات العنف المسلح في العام 1971 وطالت بصورة أساسية الكتابات الثورية الماركسية والإسلامية، وإنْ تكن أيضاً قد حالت دون طبع أيّة مواد يمكن أن تثير المتاعب. ولأنَّ نشر انتقادات تطول الدين المتعصّب أو الشعبي لم يكن مسموحاً في إيران بين 1971 و1977، فقد اضطر علي الدشتي لأن ينشر أهمّ أعماله في هذا المجال، بيست وسه سال، في الخارج (بيروت) غفلاً اسم المؤلِّف.

ولا تتوافر عن علي الدشتي بعد الثورة الإسلامية الإيرانية سوى معلومات زهيدة منقولة شفاهاً. فقد اعتُقِلَ، وخلال استجوابه ضُرِبَ وسقط وانكسر فخذه. ولا نعلم إنْ كان قد شُفي أم لا. فبعد إطلاق سراحه لم يسمح له بالعودة إلى بيته الصغير اللطيف ذي الحديقة في زرغندا وهي ضاحية شمال طهران. ومن غير المحتمل أن يكون قد رأى كتبه وأوراقه بعد ذلك. فقد ظهرت في مجلة أياندا إشارة إلى وفاته في شهر دى من السنة الإيرانية 1360، أي بين 22 كانون الأول-ديسمبر 1981 و20 كانون الثاني-يناير 1982.

{دار بترا للنشر والتوزيع}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق