SALMA… بحبّك… ارجعيلي!

ماذا لو أنّ طريقك المعتاد يمرّ بحائط كُتبتْ عليه هذه العبارة: SALMA.. بحبّك.. ارجعيلي؟

{{1}}

لا أهمّية هنا لمكان الحائط، فقد تشاهد ما يشبهه في أية مدينة، ولتكن الإسكندرية أو بيروت أو دمشق، هو حائط ما، وربّما يكون حائطاً لثانوية البنات، على أن يكون الحائط الخلفيّ لها حيث ترى في مواجهته مجموعة من الأبنية السكنية، وحيث بإمكانك وأنت تجلس في الشرفة أن تقرأ بوضوح ما خطّتْه تلك اليد العاشقة. وبما أنّك في الموقع المواجه فهذا يشعرك بالأفضلية، لأنك تفترض قطعاً أنّك من جهة المحبوبة. عادة تجلس في الشرفة صباحاً أو مساءً، ولهذا فأنت لا تعرف تلك اليد الغامضة التي تركتْ ليلاً أثرَها الغامضَ، ولا تعرف لماذا يتوقف رجل مثلي أمام هذه الكلمات التي يستطيع أيّ عابر قراءتها من على بعد مئة متر على الأقل!. قد تظنّ أنني صاحب هذه اللوعة، وقد جئتُ بعد سنتين لأستطلع بقاياها الجارحة. أكاد ألمح على أطراف ابتسامتك تلك الشفقةَ الباهتة، المتعالية، التي ينظر بها جالسٌ في الشرفة وهو يراقب العابرين في الشارع.

{{2}}

عندما تخلو الرسالة من التوقيع فهذا يفتح أفق الاحتمالات على آخره: إنه رجل ما. شابّ على الأرجح، و يحلو لنا أن نتوقّع مثل هذه الرسالة من شابّ. وفي الوقت الذي كتب فيه اسم حبيبته بالأحرف اللاتينية الكبيرة لا ندري لماذا لم يوقّع ولو بالحرف الأول من اسمه، إننا نخمّن وحسب، فربّما منعه الحياء من التصريح باسمه، الحياء نفسه الذي دفعه إلى أن يخطّ رسالته في الرابعة صباحا، “نفترض أنّه فعل ذلك بين الثالثة والرابعة صباحا”. أو ربّما فاجأه وقع أقدام في الشارع، فخشي أن يُضبَط وهو متلبّس بهذه الحالة المزرية من الحبّ. ثمّة احتمال يلوح أكثر وجاهة: التواضع. لعلّ التواضع من أهم سمات العشق من حيث أنّه إعادة الذات إلى لحظتها البدائيّة، وتعريتها من الرصانة والتكلّف. يحسّ العاشق بأنّه مخترَقٌ بالآخر حتى نقيّ عظامه، فلا يبقى نقيٌّ ولا عظام بل ذكرى باهتة عن ذلك الماضي، عن تلك الأنا التي لا يتخلّلها عوز، ولا يتهدّدها الحرمان. يدرك العاشق موقعه الجديد بما هو رهنٌ بالمعشوق، فيتواضع أمام حضوره المهدِّد بالغياب. إذن لم تكن SALMA حاضرةً سوى ذلك الحضور الذي يعِدُ بالوحشة، أو الحضور الذي يزرع الوحشة ويهدهدها، ثم في لحظةٍ بقيت الوحشة. وثمّة أيضاً اليأس الذي يدفع برجل إلى أن يحمّل الحائط ما لم يعد يطيق حمله، ظنّاً منه أنّ الحائط أخٌ مجرّد عن الضعف.

{{3}}

… رغم جهلنا باسمه يبقى العاشق ملموساً أكثر من SALMA ..صيغة الرسالة ذاتها تحيل إلى غيابها وبقائه. إنه باقٍ في موقع الحبّ، مثلما هو باقٍ على الحبّ، أما هي فلا ندري إن كان غيابها غياباً بصريّاً وحسب، أم أنها انقطعتْ عن حبّ صار ماضياً. الاسم نفسه يصعب الإمساك به، وعلى الرغم من التغريب الذي أُضيفَ بكتابته باللاتينية فهو مألوف جداً، قديم ومعاصر في آن واحد، متداوَل في بيئات اجتماعية مختلفة، فيكاد يصلح لأية فتاة نصادفها في الشارع. لكنّه مختلف عن أسماء مثل يارا أو لينا أو هدى، إنّه بالتأكيد أقرب إلى ليلى، فالمقطع الصوتي الأول ينتهي بالسكون، هنا توقّف وترقّب، ثم تأتي تلك الـ”ما” مقصورةً ومرسَلةً فلا نعرف كيف تتجه، أو إلى أين تصل. انظرْ في أسماء الحبيبات الشهيرات اللواتي تلوّع بسببهنّ العشّاق في التراث العربي، ستجد هذا السكون “المباعَدة” في أسمائهن مثل ليْلى وعزّة وعبْلة وبثيْنة وسلْمى ولبْنى وولّادة. ثمّة قَطْعٌ في اسم سلمى، وهذا لا يشجّع على الاعتقاد بأنّها ترجع عن قرارها، إنّها على الأقلّ لا تُغلَب على أمرها، هي سيّدة قرارها، أمّا هو فلم يعدْ كذلك بعد أن أشهرَ توسّله. ولا يفوتنا الانتباه إلى أنها هي صاحبة المشيئة منذ البدء، وأنّها وحدها القادرة على أن تجعل من ذلك الحبّ خطأً عابراً.

{{4}}

تغادر سلمى فيفكّر العاشق بأخطائه التي دفعتْ بها إلى الهجر، يفكّر بزلاته التي ما كان لها أن تحدث لو أنّه كان أقلّ غفلة. ربّما يعاتبها في قرارة نفسه على ردّة فعلها المبالَغ فيها، لكنّ ضمير العاشق يقظٌ أكثر مما ينبغي، ولهذا فإنّه يجد لها المبرّرات التي يضنّ على نفسه بها، ولهذا لا يؤمن بأنّ تلك المبرّرات مجرّد ذرائع، وأنّهما في الأيام الأخيرة للحبّ أصبحا كلٌّ منهما في زمنه الخاص، هو في زمن الحبّ، وهي في زمن لاحقٍ عليه. هي تسبق، وتترك له مسافةً ليقطعها بمفرده. لقد عاشت احتضار الحبّ، ومن ثمّ موته، وعليه الآن أن يعيش احتضار الحبّ، بعد موته فعلاً. إذن من العبث انتظار أن تلبّي سلمى هذا النداء، لقد كُتبتْ هذه العبارة كمحاولة يائسة أخيرة للدفاع عن الوجود، إنّها بمثابة صرخة تقول: لا تحسبيني ميتاً. لكنّ سلمى لا تأبه، عندما تبقى الرسالة على الحائط مدة سنتين فهذا شاهد على أنّ أحداً ما لا يريد استلامها.

{{5}}

في العشق، وفي الكتابة أيضاً، هناك حكمة فحواها: إن أعظم هبة هي أن نعطي ما لا نملك. وفي صياغة أكثر مغالاة: إنّ أعظم هبة هي أن نعطي ما لا نملك لمن لا يستحقّ. في الحبّ يهب العاشق نفسه، التي لم يعد يمتلكها فعلاً، وفي الفقد تُعاد إليه أشلاؤه التي غاب من يلمّها، ويجعل منها نفْساً، وعبثاً يحاول ترتيب ذاته في صورة مكتملة. إنّه كمن فقد عضواً من جسده، ويعزّ عليه الاقتناع بالعيش من دون ذلك العضو، بل إنّ هذا العضو الغائب ما يزال يحكّه ويؤلمه، ويؤكّد على أنّه، في غيابه، الأكثر حضوراً في الجسد. عند الوقوع في الحبّ يفقد المرء ذراعاً أو ساقاً أو عضواً أكثر نبلاً، منذ لحظته الأولى والحبّ يحمل في ثناياه الفقد، وعبثاً يحاول العاشق العودة إلى الوراء، فعندما نلتقي بمن يخترق ذاتنا على هذا النحو فهذا هو الحبّ. عندما تدخل تلك الدودة رؤوسنا، وتنخر فيها طوال الوقت، فهذا هو الحبّ. عندما نلتقي شخصاً آخر، ونفقد فرصتنا في العودة كما كنّا فبل لقائه، فهذا هو الحبّ. لا يفقد العاشق حبيبةً، فوجودها تعويضٌ عن نفسه التي لم يعد يمسك بزمامها. هي نفس ضاقتْ بصاحبها، فهجرتْه وهامتْ في الفضاء الواسع، وعبثاً يسعى إلى استرجاعها، أو يتوسّل إليها بجملة مكتوبة على الجدار.

إذا صادف طريقك المعتاد المرور بحائط كُتبتْ عليه هذه العبارة: SALMA.. بحبك.. ارجعيلي. فخذها نصيحةً مني: انظرْ بالشفقة المتعالية التي ينظر بها رجل جالس في الشرفة، وتظاهرْ بأنّك صلدٌ وعصيٌّ على الحبّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق