حوار مع الأستاذة رجاء بن سلامة / كمال حمدي

كمال حمدي: عاد الى السطح مؤخرا الحديث عن قانون الأوقاف وطرح في المجلس التأسيسي من أجل إعادة الاعتبار للأحباس رغم أن وزير السابق الاستاذ حسين الديماسي اعتبره سيؤسس لدولة داخل الدولة ؟ ما رأي رجاء بن سلامة في هذا الموضوع؟

رجاء بن سلامة:

أوّلا، من غير المعقول فرض قانون لم يدر حوله حوار وطني شامل وأخذ وردّ وإقناع بالحجة، وقياس للسّلبيّات والإيجابيّات. فالبرلمانات الغربية لا تصادق على القوانين الاّ بعد خضوعها إلى الحوار والنقاش والاستفتاء أحيانا. ثانيا، ما الدّاعي إلى هذا المشروع وما الحاجة إليه؟ وما الحاجة إليه في هذا الظّرف بالذّات، والحوار الوطنيّ قائم، والنّاس ينتظرون الفراغ من الدّستور وينتظرون الحكومة المستقلّة كما ينتظر الظّامئ قطرة ماء؟ بدل الاستجابة إلى انتظارات المجموعة الوطنيّة، يطرح علينا هذا القانون، في مواصلة لاضطلاع هذا المجلس بوظيفة التّشريع التي لم ينتخب من أجلها. إضافة إلى أنّ هذا المشروع مفاجئ ومباغت، فإنّ كتلة النّهضة تريد فرضه بماكينة الأغلبيّة. إنّها تستعمل الإجراءات الديمقراطيّة ظاهريّا، لتخفي عقليّة “الشوكة والغلبة”، وفي الوقت نفسه تقرّ بضرورة التّوافق لأنّ المجلس التّاسيسيّ ليس برلمانا. هذه الحركة قد تصيب الشّعب التونسيّ بالجنون لأنّها تقول دائما الشّيء ونقيضه، أو تقول الشّيء وتفعل عكسه. لهذا فإنّ الشعب التونسي منهار، كما تبيّن ذلك الإحصائيات الأخيرة المتعلّقة بنسب الانهيار النفسي.

مشكلتي الأساسيّة مع حركة النهضة وكتلتها في المجلس التّأسيسيّ وحكومتها أخلاقية بالأساس. إنّها تقبل بالإجراءات الدّيمقراطيّة، وتطوّعها ولكنّها لا تقبل بالأخلاقيّات الدّيمقراطيّة. ففرض قانون مثل هذا سيكون بمثابة اغتصاب لإرادة الشّعب، وبمثابة تحويل للأنظار عن المسار الأساسيّ الذي تقتضيه خارطة الطريق. في نفس الوقت تتواصل التّعيينات الحزبيّة باسم قانون العفو التشريعيّ العامّ، وسنستفيق في يوم من الأيّام على حجم الكارثة التي سبّبها هذا القانون.

والمشكل الأخلاقيّ الآخر هو تزوير التّاريخ وتحريف ذاكرة الثّورة. أكثر الناس اليوم يطرحون سؤال ما معنى الأوقاف والأحباس لأنهم فعلا لا يعرفون معناها ولا مقاصدها ولم يعش عصر الأوقاف إلّا الشيوخ ولا يعرفها سوى المؤرخين والمختصّين. نفاجأ بالسّيد وزير الشؤون الدّينيّة مصرّحا بأنّ هذا القانون من المطالب الشّعبيّة للثّورة. وهذه مغالطة كبرى كما تعرفون. كيف لشاب تونسيّ في العشرين من عمره يعتمد الفايس بوك والانترنت أن يطالب وهو في قمة ثورته على نظام بن علي أن يطالب بإحياء قانون لم يعرفه وربما لم يسمع به؟ ثورة تونس كانت مدنيّة، والمظاهرات لم تخرج من المساجد والجوامع ولم ترفع شعارات الشريعة والأوقاف والنقاب، بل خرجت من مقرات اتحاد الشغل ومن الكليات والأحياء الشعبية المعدمة والفقيرة ورددت شعارات تهمّ حياة النّاس في الدّنيا. هؤلاء الإسلاميّون يريدون إدارة البلاد وهم ينظرون إلى الآخرة. إنّهم حريصون على آخرتنا ولكنّهم في الوقت نفسه يريدون الاستمتاع بمنافع الدّنيا. ما هكذا تكون السّياسة وما هكذا تدار البلدان.

ولنطرح قضيّة الأوقاف أو الأحباس في حدّ ذاتها. لماذا يريدون إحياء الجثث القروسطيّة؟ هناك طبعا رغبة في تصفية الحساب مع الإرث البورقيبيّ. إنّها حرب الرّموز التي رأيناها مثلا في معركة العلم الوطنيّ، وفي محاولات الاعتداء على مقبرة بورقيبة. لكنّ الأمر لا يقتصر على هذا. هناك منافع مادّية من إخراج هذا القانون. فالقيام بأعمال خيرية في ظل القوانين القائمة ممكن، ولا حاجة لنا الى قوانين استثنائية مثل قانون الأوقاف، إلاّ إذا كانت الغاية خلق اقتصاد مواز ومجتمع مدني مواز، وقضاء مواز، وقد سمعنا إحدى نائبات النهضة تتحدّث عن “قاضي الأوقاف”، دون أن تجد أيّ حرج في ذلك. وربّما تكون الغاية أسلمة المجتمع على النّحو الذي يحلم به المطالبون بتطبيق الشريعة وبإعادة السلطة إلى رجال الدّين. فعندما نوقف مالا أو عقارا على مدرسة معينة فهل ترى ستتدخل الدولة فى برامج التدريس بهذه المدرسة؟ طبعا لا لأنها ستكون مستقلة اداريا وماليا. وهكذا نخلق تعليما موازيا. وتعود السلطة إلى رجال الدّين عن طريق الأوقاف، فيخضعون قسطا كبيرا من المجتمع إلى سلطتهم وإملاءاتهم الدّنيويّة جدّا. سيكون هناك تعليم مواز وقطاعات أخرى موازية كالصحة والقانون وكلها لن تخضع لضوابط وقوانين المجتمع المدني الذي نعيش فيه. وهذا ما عناه الاستاذ حسين الديماسي حين قال إنّ هذا القانون يمثل خطرا على الاقتصاد ويؤدّي إلى دولة داخل الدولة. ثمّ إنّ هذا القانون سيسمح بتبييض الأموال وإعادة توزيعها في غياب رقابة الدولة عليها. وهناك سعي من بعض الأطراف إلى بناء امبراطوريات مالية لا علاقة لها بالعقليّة الوطنيّة الجمهوريّة.


س: على ذكر القضاء : لاحظنا مؤخرا دخول القضاة على خط المواجهة مع وزير العدل رافعين شعار استقلال القضاء فهل يعني هذا ان السلطة التنفيذية مازالت تضع يدها على القضاء؟

ج: أحسن جواب على سؤالك المسيرة التي وقعت مؤخرا أمام قصر الحكومة بالقصبة ثمّ الإضراب النّاحج. فلأوّل مرة تتحد جمعية القضاة ونقابة القضاة في المطالبة باستقلال القضاء وفي مناهضة تجاوزات وزير العدل. قال القضاة بصوت واحد إنّ هذه الحكومة تجاوزت الخطوط الحمر في تدخلها في الشأن القضائي. فبعد الثورة كنا نحلم بقضاء مستقل ومحايد وبهيئة عليا مستقلة لكن حكومة الثورة والترويكا خيبت امالنا. ثمّ خابت آمالنا مرّة أخرى عندما تبيّن أنّ وزير العدل في حكومة الترويكا الثانية لم يكن محايدا، بشهادة القضاة أنفسهم. ونحن نرى إعلام السّلطة يقوم بحملة ممنهجة لا أخلاقية لشيطنة القضاة الشرفاء، في الوقت الذي ينال قضاة العهد البائد كلّ الامتيازات. ثمّ إنّنا خدعنا أيضا لأنّ السيّد البحيري خرج من وزارة العدل وظلّ فاعلا فيها. ثار الشّعب من أجل جعل السياسة أكثر أخلاقيّة. فإذا بنا نعود إلى الانحطاط الأخلاقيّ السياسيّ.

س : هل تعتبر رجاء بن سلامة أنّ الحكومة فشلت في فتح بعض الملفات الحارقة والعمل على حل مشاكل البلاد الامنية والاقتصادية؟

ج : السؤال الأنسب طرحه من وجهة نظري هو“في أي مجال نجحت الحكومة؟”نحن ولأول مرة امام حكومة نجحت في توحيد اتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الاعراف وهذا ما عجز عنه بن على في 23 سنة وبورقيبة فى 30 سنة من حكمهما، فى المقابل نجحت النهضة في هذا فقط في سنتين. نجحت أيضا فى توحيد نقابة القضاة وجمعية القضاة رغم اختلافاتهما… نجحت فى توحيد احزاب الوسط واليمين الليبرالي مع اليسار. ذلك أنّها أوصلتنا إلى الخطر الذي يهدّد كينونة شعب ودولة. ونجحت حكومة الترويكا في نفس الوقت في خلق حالة احتقان كبيرة، نتيجة تكريس العنف المليشياويّ في الشارع، وتكريس العنف اللّفظيّ وحملات التّشويه في الإعلام. نجحت في إشعارنا بالخطر الدّائم. نجحت في إشعارنا بعدم الأمان على حياتنا ومصائرنا ومصائر أبنائنا. نجحت في إلهائنا عن مطالب النّموّ والعدالة بقضايا النّقاب والشريعة والأوقاف والختان وجهاد النكاح. نجحت في تهديد الدّولة والمجتمع معا.

تقدّمت حركة النّهضة إلى الانتخابات ببرنامج مدنيّ تقريبا. وصّرح زعماؤها مرارا بأنّهم لا يدّعون تمثيل الإسلام. ولكنّهم في الوقت نفسه يخاطبون قواعدهم باعتبارهم الممثّلين الرّسميين للإسلام، ويدخلون في خطاباتهم تصوّرات سياسيّة وحربيّة تدلّ على تكفيرهم للمجتمع أو عدم إيمانهم بالدّولة المدنيّة، مثل تشبيه مظاهرة لأنصارهم بفتح مكّة، أو تشبيه تولّيهم الحكم بالخلافة السّادسة. إنّ عقليّتهم مازلت حربيّة، ومازالوا يمارسون السياسة وكأنّهم يحاربون الأعداء. ولذاك فإنّهم لم يقبلوا بالحوار إلاّ بعد لأي. وإلى اليوم لا تقبل بمبدإ الحوار والتوافق نسبة كبيرة من قيادييهم ومن قواعدهم.

س: كيف ترين افاق الحوار الوطني ؟ ما هي أسباب تعثره؟ هل يخدم هذا التعثر الحكومة أو المعارضة؟

من يؤمن بالدّيمقراطيّة، أي بإدارة الخلافات بعيدا عن العنف، لا يمكن إلاّ أن يبارك الحوار والتوافق. وقد كنت دائما من دعاة الحوار والمنادين به، وعبّرت مرّات عن ثقتي بالرباعي الراعي للحوار. إلاّ انني أرى هذا الحوار يتعثّر ويتوقّف ويفقد النّاس ثقتهم في جدواه. فحركة النهضة تتحاور داخل قصر المؤتمرات مع بقيّة الأطراف وتترك كتلتها داخل المجلس التّأسيسيّ تتصرّف على نحو مناقض لخطّة الطّريق. تحاور وتناور من أجل ربح الوقت لمزيد التّغلغل فى مفاصل الدولة بحيث تضمن نتائج الانتخابات القادمة. الرباعي الراعي للحوار بذل جهدا مشكورا لأن الحوار هو الأمثل والأفضل بالنسبة للتونسيين وهو حلّ لمشاكلنا بالتوافق وقد أبدى هذا الرباعي رحابة صدر وصبر جميل من اجل تونس، لكن لا بدّ من قواعد أخرى أشدّ صرامة لجعل الأطراف المناورة تقبل قواعد اللعبة ونتائج قواعد اللعبة. وربّما تكون تقنيات التفاوض غائبة في هذا الحوار، ممّا يجعل عرقلته يسيرة.

س: هل هو الانفلات داخل حركة النهضة، أي أن الصقور هي التي ترفض الحوار والحمائم التي تدعوا للحوار؟

ازدواجية الخطاب أمر ثابت داخل حركة النهضة. بل دعني أذهب الى أبعد من هذا. الخطاب المزدوج موجود في أدبيات حزب النهضة، فهي منقسمة بين البرنامج الانتخابيّ المدنيّ لسنة 2011 والوثائق التّأسيسيّة الأولى التي لا تخرج عن قواعد حركات الإسلام السياسيّ. بل إنّ الازدواج نجده عند النهضوي الواحد، فهو يحدثك بشيء ويأتيك بضدّه. لسبب بسيط وهو أنّه يريد أن يكون حديثا ولكنّه منشدّ إلى الماضي، يريد أن يتمسّك بالنّصّ القرآنيّ ولكنّه يرفض فتح باب التّأويل، يريد حريّة المرأة ولكنّه يريدها مقيّدة أكثر من حرّية الرّجل…

في الوضع الحالي بدأنا نلمس انقساما داخل الحركة نفسها. فالغنوشي قبل باستقالة الحكومة والعريض يقول ان حكومته لن تستقيل، ووزراء وزعماء من نفس التنظيم يقولون الشيء ونقيضه. وهذا يعني أنّ الشّرخ موجود داخل الحركة والتصدع بدأت بوادره تظهر للعيان وهذا الأمر إيجابيّ ربّما لأنّه قد يجعل الحركة تتطوّر وتفقد أوهام الوحدة العضويّة والبنيان المرصوص، وكلّ الصّور التيوقراطيّة. لعلّها تتطوّر فتكون حزبا ديمقراطيّا إسلاميّا كالأحزاب الدّيمقراطيّة المسيحيّة. ولكنّ هذا مستبعد في الظّرف الحالي، لأنّ كل الاستقالات هي على يمين النهضة،ينها ربما يكون أكبر عدديا من “يسارها”، وقواعد هذا الحزب ليست على ثقافة عالية، وتحتاج إلى الكثير من التثقيف والتّأطير بدل التّهييج والإثارة الدّينيّة البدائيّة. 

لكن إضافة إلى هذا الازدواج “البنيويّ” الأساسيّ في النهضة وفكرها وسلوكها، نجد تلاعبا وعدم جدية في الالتزام بنتائج الحوار وبالتوافقات. إلى حدّ أنّ خطاب هذا الحزب فقد العلاقة بالواقع. فكلمة حوار لم تعد تعني مع النهضوي حوارا وكلمة وفاق لا تعني وفاقا وخارطة الطريق لا تعني خارطة الطريق… الكلمات فقدت دلالاتها ومعانيها وقد أوصلونا الى هذا الحد من درجة عدم الثقة وفقدان المصداقية حتى اننا احيانا نتصوّر أنّهم يستعملون لغة مختلفة عن اللغة التي يتخاطب بها التونسيون عموما.

س: كيف يمكن الزام الترويكا بالقرارات اذن؟ وهل استمرار حيادية الرباعي سيوصل الى نتيجة ام من الضروري أن يأخذ المبادرة لفرض الحلول ؟؟

أعتقد أن على الرباعي الراعي للحوار أن يخرج من حياديته وفى أقرب وقت اذا وصل الحوار الى نفق مسدود بسبب تصلب النهضة أساسا أو بسبب مماطلتها، أو بسبب العرقلة الموازية في المجلس التأسيسيّ للحوار. وأنا أطلب من كل التونسيين أن لا يكونوا قاسين على المعارضة لانها رغم كل شئ بذلت جهدا كبيرا فى توحيد الصفوف فقد كونت جبهة الاتحاد من أجل تونس، وكوّنت جبهة الإنقاذ وهي أوسع، وهذا انجاز كبير رغم أنّ الحزب الجمهوري يخذلنا في كل مرة ويضعف المعارضة.

س: اخيرا كيف تعيش رجاء بن سلامة حياتها الطبيعية وهي المهددة أمنيا بالتصفية و بتفخيخ سيارتها وانا نفسي لاحظت حين زيارتي لها تواجدا أمنيا في محيط منزلها ؟؟

ج: وفّرت لي وزارة الدّاخليّة مؤخّرا مرافقا شخصيّا، وانا استغل هذه المناسبة لأتوجه بالشكر لقوات الأمن التي تولي حمايتي اهتماما خاصا وتحرص على أمني وسلامتي الجسدية.

صحيح أنني تعرضت للتهديد عدة مرات واخرها رسائل على الفايس بوك تهدد بتفخيخ سيارتي. لكن هناك دافع قويّ يحملني إلى عدم التراجع عن الكتابة وعدم الصّمت. لا أدري ما هو السبب. ربما يعود إلى أنّ جيلي خدع مع تغيير 7 نوفمبر. ظنّنا لفترة وجيزة أنّ بلادنا ستصبح ديمقراطيّة. ثمّ خابت آمالنا، وكنّا شبابا غرّا. اليوم لا يمكن أن نخدع مرّة أخرى. كأنّ هذه الثورة كنز ثمين سيختطف منّا ويجب أن نقبض عليه ليلا نهارا وبكلّ ما أوتينا من قوّة.

يزعجني أمر واحد، هو ما تسبّبه حملات التشويه من إزعاج لبعض أطراف أسرتي. إعلام السلطة الحاكمة يمارس التكفير والتشويه ويستعمل للأسف وسائل لاأخلاقية في مواجهة الخصوم. وهذا ما يزيد في احتقان الأجواء. في ما يخصّني شخصيّا، أخذت عهدا على نفسي بأن لا أصمت، ولا أستكين، ولا أغادر هذه البلاد الحبيبة.

عن صحيفة الإعلان التونسية، 6 ديسمبر 2013

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق