صعود العنصرية في اليمين الغربي / ايمان حميدان

قد يحدث في بلد أن يتم الهجوم العنصري على وزيرة لحقيبة مهمة لأنها سوداء، ويحدث في الشهر ذاته انتخاب ملكة جمال البلد لعام 2014 وتكون سوداء من أصول افريقية ايضا. قد يحدث ايضا ان ممثلا فرنسيا مشهورا لمع دوره في أفلام تعد من أجمل أفلام الفن السابع يطلق آراء سياسية أقل ما يقال فيها انها عنصرية الى أقصى الحدود ويطرد من لجنة هو رئيسها بسبب مواقفه تلك. انها تناقضات يومية تشهدها فرنسا بلاد الحرية والإخاء والمساواة، والتي ترد عاصمتها دائما على تناقضاتها تلك بتظاهرات من أقصى اليمين الى أقصى اليسار. وما تظاهرتا 30 تشرين الثاني و7 كانون الاول سوى رد مباشر على الهجوم العنصري الذي تعرضت له وزيرة العدل في الحكومة الفرنسية كريستيان توبيرا.

انها ليست المرة الاولى التي يوجه الى كريستيان توبيرا انتقادات حادة من اليمين الفرنسي العنصري بطبيعته منذ ان أصبحت وزيرة لوزارة أساسية هي وزارة العدل. لم يطب لرموز العنصرية ان تصل توبيرا، المرأة السوداء، الى تبوّء مركز وزيرة في حكومة الرئيس هولاند الاشتراكي وان تنجح في إقناع الحكومة بإجازة قوانين جديدة. تصاعد الهجوم بالطبع حين دافعت توبيرا عن قانون الزواج للجميع الذي يشرّع الزواج المثلي في فرنسا ورافعت اكثر من مرة عائدة الى أدبيات ونصوص الدستور الفرنسي وروحية الثورة الفرنسية لتقنع الجميع بأهمية القانون. لم يغفر لها اليمين ذلك وهي التي لم يقبل بها وزيرة فكيف بها وزيرة وفاعلة وقادرة ومقنعة. الحقيقة ان توبيرا هي مثقفة الحكومة الفرنسية الحالية بشهادة الكثير من زملائها، وهي التي تعرف وتقرأ وتعود الى الأدب وعلم السياسة وعلم الاجتماع والدستور الفرنسي والتاريخ لتؤكد صحة وجهة نظرها ولتقنع الآخرين بها. يعود لها الفضل في دخول قانون الزواج المثلي حيّز التطبيق في فرنسا في 23 نيسان 2013 بعد ان سبق فرنسا في تطبيق هذا القانون وبسنوات عدة معظم بلدان أوروبا الغربية.

الهجوم العنصري

يبدو أن موضوع العنصرية بات أمرا يقبله صغار السن في أوروبا أكثر من ذي قبل. قد يكون ما قاله الرئيس الفرنسي ان سبب تنامي العنصرية يعود الى ان المجتمع الفرنسي يفتقر الى عنصر الشباب ويتزايد فيه متوسطو وكبار السن، غير كاف، اذ تبدو الأسباب سياسية واقتصادية، وتتجاوز مسألة السن الى مسائل تتعلق بضمور الطبقة المتوسطة ونشوء طبقة تقترب من حافة الفقر مع تزايد أعداد الأثرياء الذين يقومون بتهريب أموالهم الى الخارج تهربا من دفع الضرائب. انه القلق الاقتصادي المتزايد والذي يُعبّر عنه بعنف إزاء المهاجرين. التظاهرات التي نظمت صيف 2013 من قبل اليمين الفرنسي المناهض لتشريع قانون الزواج المثلي، الى تظاهراته الهزيلة جدا ايضا ضد وجود الغجر أو Roms, Tsiganes, et Gitanes في فرنسا ووصفهم بأنهم يشكلون خطرا على أمن المواطن الفرنسي، ان دلت على شيء فعلى اتساع الهوة القائمة بين المواطن الفرنسي ودستوره الذي تؤكد فقراته الاولى المساواة بين جميع المواطنين أمام الدستور.

لكن على ما يبدو الدستور شيء وسلوك البشر والحياة الحقيقية شيء آخر، كذلك شرعة حقوق الانسان التي من كثرة تردادها باتت جزءا من ثقافة تبدو للشباب الآن وكأنها ثقافة «مَتْحَفية» لا علاقة لها باليومي القلق الذي تغذيه مواقع التواصل الاجتماعي بعنف لم يشهده التاريخ البشري سابقا. الهوة القائمة بين القانون والتطبيق ليس في فرنسا فحسب، بل تجتاح أوروبا من هولندا الى بلجيكا الى فرنسا الى المانيا بحيث تحولت الى قضية جدية يتم التعامل معها كمشكلة قائمة ترتبط بمسائل كثيرة، اولاها مسألة المهاجرين ومسألة إعادة النظر بالقوانين المتعلقة بالهجرة. وما حدث مع توبيرا يمكن حدوثه في أي بلد أوروبي آخر وقد يمر دون حساب أو بردات فعل خجولة لا تمت بصلة الى تظاهرات الستينيات من القرن الماضي. انها ثقافة جديدة نمت مع العولمة حيث تغيرت المفاهيم واستبدلت بأخرى ضمن أساليب غير بريئة على الإطلاق. يكفي أن يُطلق على اسم حركات التحرر الوطني في العالم اسم غير بعيد تماما عن صفة الإرهاب وان يتداولها الشباب الاوروبي وغير الاوروبي في العالم دون طرح سؤال أو علامة استفهام عن شرعية تلك الصفات ومصدرها، وعن سبب الإمعان في تغيير التاريخ والثقافة السياسية.

لم ننس كيف شهدت ثمانينيات القرن الماضي تظاهرات ضخمة في فرنسا وفي بعض البلدان الاوروبية احتجاجا على العنصرية ومناهضة شديدة لها. لكن ان يقتصر عدد المشاركين في تظاهرتي 30 تشرين الثاني و7 كانون الاول 2013 بين 5000 و15000 شخص في فرنسا، قد يعكس حقيقة جديدة تجتاح الشارع الاوروبي إزاء قضايا إنسانية مهمة مرتبطة بشرعة حقوق الانسان، خاصة ان اليمين الفرنسي في صعود متزايد كذلك اليمين في بلدان اوروبية اخرى امام المآزق الاقتصادية التي تشهدها. ومن يذكر تظاهرة عام 1983 التي مشى فيها أكثر من 100 الف فرنسي، يلاحظ الفرق، ويرى بالتأكيد ان السياسات المعولمة قد جعلتنا نعرف أكثر ما يدور في العالم، ولكن في الوقت نفسه، جعلتنا أقل حساسية وأقل شعورا بالمسؤولية الجماعية إزاء لاعدالة متزايدة ناهيك عن قمع ممنهج تقوم به الديكتاتوريات، خاصة في عالمنا العربي، بحيث نما جيل كامل وبلغ واعتاد على سلوك القمع والتعسف كأنه طبيعة ثانية لسلطة الدولة.

أسلحة قاتلة

هذا المجتمع الذي يهاجم بعضه وزيرة عدل لأنها سوداء يرحب في الوقت نفسه بملكة جمال تمثله رغم أنها آتية من أصول سوداء. ليس فقط يرحب بل يدافع أيضا. بالطبع، فملكة الجمال لا تشكل خطرا على اليمين الفرنسي وبالتالي لم تواجه مثل توبيرا أي هجوم عنصري، وهي في موقع لا يتعارض مع أفكار اليمين عن «فرنسا» التي يريدها اليمين. هذا يفسر تماما سلوك لجنة مهرجان انتخاب ملكة جمال فرنسا بطرد الممثل الفرنسي الان ديلون والذي كان رئيس اللجنة لمدى الحياة، وذلك بسبب آرائه السياسية التي دافع فيها عن سياسة الجبهة الوطنية الفرنسية وأفكارها العنصرية والتي تتزعمها اليمينية المتطرفة ماري لوبان. تعليقا على صعود الجبهة الوطنية على الساحة السياسية الفرنسية علق ديلون انه يوافق ويدعم ويتفهم مواقف الجبهة الوطنية».

مسألة العنصرية هي بالنهاية تعبير عن خلاف سياسي استعمل فيه اليمين الشتائم العنصرية أثناء تصعيد قتاله مع الخصم. استعمل اليمين اسلحة محظورة كاسلحة الدمار الشامل ألا وهي أسلحة العنصرية القاتلة لمجتمع يتميز بصفات كوزموبوليتية كالمجتمع الفرنسي. اذاً العنصرية بحد ذاتها هي أداة حرب للتعبير عن الخلافات السياسية المتزايدة، ومن الصعب النظر اليها خارج إطارها السياسي. لم تتعرض رشيدة داتي مثلا الى هجوم عنصري مماثل لما تتعرض له كريستيان توبيرا. ولم تتعرض راما يادي هي الاخرى الى هجوم عنصري وهي التي كانت مسؤولة عن لجنة حقوق الإنسان في الحكومة الفرنسية قبل ان تصبح وزيرة. لكن كما رشيدة داتي، أتت يادي الى السلطة عبر قنوات مختلفة تماما عن مسبرة توبيرا. بالطبع الاختلاف السياسي الحاد بين توبيرا من جهة والمرأتين الافريقيتين من جهة ثانية يفسر ذلك، خاصة ان داتي كانت «باربي» اليمين الفرنسي خلال رئاسة ساركوزي وهي لم ولا تشكل خطرا لا بأفكارها اليمينية ولا بوجودها كوزيرة عدل آنذاك على مصالح اليمين الفرنسي وعلى «فرنسيته الحرة». مثلها تماما راما داييه التي حازت رضى اليمين الفرنسي دون أي ردة فعل «عنصرية تذكر» بل على العكس. يحكى عن راما داييه انها عندما زارت فلسطين المحتلة منذ أكثر من سنتين وقابلت المسؤولين السياسيين وممثلي الجمعيات الاهلية طلبت من مضيفها مسؤول المركز الثقافي الفرنسي في رام الله آنذاك أن يأتي لها بـ«كوكاكولا لايت» وعندما قيل لها انه لا يوجد كوكاكولا لايت في المكان الموجودة فيه، وهو المكان المحاط بجدار بناه الاحتلال بحيث لم يعد يستطيع أي فلسطيني الانتقال الى المناطق المحتلة للبحث عن لقمة العيش، إلا عبر بوابات أمنية قاهرة ووسط إجراءات أقل ما يقال فيها بالمذلة والمهينة، أبدت الزائرة الفرنسية استياءها وحزنها وربما لم تكمل اللقاءات المعدة لها بسبب غياب الكوكاكولا لايت. اما الوزيرة كريستيان توبيرا هي مناقضة تماما في أدائها السياسي والفكري للعنصرية المتنامية في اوساط اليمين الفرنسي وخاصة في الجبهة الوطنية التي تتزعمها امراة ايضا، لن يرضى عنها ذلك اليمين وسيحاربها بكل قوته، لأنها ليست بـ«باربي» له وليست بالطفلة المدللة التي تساعد اليمين بأي سعر على هضم أي شعور لديه بالعنصرية المُدانة.

المسألة ليست لوناً فحسب بل هي لون سياسي وهو الاهم في قارة وصفها جورج بوش الاب بالهرمة، قارة تتجه الى الخلف صوب يمينية اعتقد العالم انها تجاوزتها منذ منتصف القرن الماضي وبعد ان أنهكتها الحرب العالمية الثانية وأودت بملايين من حياة مواطنيها ودمرت البنى التحتية لدولها. حرب لم ينس أحد بعد انها اندلعت أساساً بسبب عنصرية المانيا النازية.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق