المجتمع بوصفه قاعدة مؤخّرات

( كانت المواد البرازية عرضة لتقطيرات عدة.

ما أطرف الطريقة التي توصَّل بواسطتها السيد هومبرغ
إلى أن يستخرج من المادة البرازية زيتاً أبيض وبدون رائحة..)
غاستون باشلار، في: تكوين العقل العلمي، ص 144.

أي علاقة نعيشها مع أنفسنا ككينونة جسدية؟ هل نحن على وئام مجد ٍمعها حقاً؟ هل يمكن لأحدنا بالفعل أن يتحدث عن مكوناته الجسدية دونما انقطاع، بدءاً بالحيوي أو الطبيعي وانتهاء بالرمزي أو السيميائي“الدلالي” فيها؟!
تُرى ماذا يعني أن يسمّي أحدنا ما يخرج منه سفلياً، أعني ما يصله بما لا يُسمَّى إلا من باب المجاز والضرورة؟
ماذا يعني هذا القلق المؤلم لحظة الشعور بقبض داخلي ما وقابليته للتمديد ونبذنا لهذا الذي تختلط مشاعرنا تجاهه؟
ما هذا الذي لا يدقَّق فيه إلا في حالات خاصة( مرَضية)، أي هذا الذي يسمَّى مباشرة، وإن عفَّت نفسنا عن ذكره؟
لكنه يكون الشيء الأول والأكثر لزوجة وحرارة ما يتوسطنا نحن والمحيط الخارجي، الشيء الذي نمعن النظر فيه ونحن في عالم الطفولة قبل أن نتهجَّى الحروف بدقة، الشيء الذي لا نكاد نشعر بخروجه حتى نشعر بلذة غامضة لذة تلمُّس شيء ما ينتمي إلى عالمنا البطني المعرَّق والمتداخل بشبكة مصارينه وأمعائه وتجويفاته، إنه يحمل بصمة حيوية وطبيعية ممّا يكوننا في عتمتنا الداخلية، تكون مثار تساؤلاتنا وخوفنا في الآن عينه خارجاً.
حيث إن الكبار عوَّدونا على ألا نسمّيه كما هو اسمه ربما لأنهم يقدّرون خطورته ضمناً، ولكنه المادة التي نكرهها كما أُعلِمنا به فيما بعد، عندما نكون في غاية الحرص على ألا نتهجَّاها أمام من هم أكبر منا فكيف بملامستها؟
وعند لفظ“الكبار” هنا، نستحضر ما هو شعائري أو تقليدي أو متعارف عليه يشدد على نجاعة الموروث لديه!
لاحقاً تأكَّد لنا عمق الرابطة بين الخصوصية وتصنيفها للأشياء من حولنا وقوتها، وهي تصلنا بالخفي المتحرك في عالمنا البطني، وهي مرئية ومحاولة تلفظها. تعلَّمنا بالطريقة هذه ما كنا عشناه في مدارج الحروف السحرية ونحن نرددها ونخطئ فيها، إذ نتردد بقدر ما نشعر بالصعوبة إزاء حروف أكثر من غيرها ومن خلال أهلنا وهم يؤرشفون ضحكاتهم الخاصة وتشجيعهم الخاص وحركات أيديهم في ذاكراتنا الطفلية، لتكون الحروف ذاتها عبر لغة اُكتسِبت على مراحل متدرجة، شديدة التفاوت: حروف نحبها، وأخرى نبغضها، وغيرها تتوسطها، من خلال قابلية التلفظ وارتباطها بمن علَّمونا، لتختلط معها، أو فيها صور الأهل والأقرباء والمعارف، وحتى الذين التقيناهم في الجوار وفي المدرسة ومحيطها، ليحدث انقسام ملحوظ إزاءها جهةَ مشاعرنا وأحاسيسنا، ولتكون اللغة ذاتها حمـَّالة انقساماتنا ومشكلاتنا الأولى وتلك التراتبية منذ بداياتنا الأولى قبل أن نعرف ما يكونه الفعل ورد الفعل بصورة دقيقة طبعاً، ونحكّم ذائقتنا النفسية وتصوراتنا الأخلاقية، وتوجهاتنا الوجدانية ورؤيتنا الجمالية..

أي:كان تهجّينا للكلمات حتى قبل دخولنا عالم الحرف على مقاعد الدراسة، ينبهنا دون أن يعلم بحقيقة التنبيه إلا فيما بعد، ما يحيط بكل كلمة من دلالات حافة، جهة الإيقاع الصوتي في التسارع والتباطؤ، أو التقطع في الكلمة الواحدة، وكأن الكلمة ذاتها كانت تسرد علينا أو لنا حكايتها التاريخية في تشكيل نظامها الأخلاقي، وحتى على صعيد تغير الملامح وخفض الصوت أو علوه، أو نوعية النبرة، لنكون الوعاء لما يراد منا قبل أي سؤال لاحقاً!
ليكون ذلك الشيء المتكرر دون اسمه على غاية من النبذ وتلبُّد الوجه، دالاً على أن ثمة منكراً يجب الابتعاد عنه لا نعلم حقيقته، وعندما أحِطنا به علماً كان قد تمكَّن من الكثير مما نعرف ونعيش خارجاً ونتحفظ عليه داخلاً، ليتشكل حقل كبير من خاصيات الممنوع والمسموح به، ولكل منهما أسماؤه ومقاماته ودرجاته في الثناء والعقاب.

لقد علَّمَنا هذا الذي يخرُّ منا الكثير من خلال ملامح الأم أولاً ليرتبط بها المسموح والمقبول أولاً أيضاً لتكون أمنا في هذه الحركة العضوية وما يرافقها من تقاسيم وجه أو أصوات مستحدثة ومتوارثة لهذا الغرض“كخخخ: إخخخ”“ وما يعنيه هذا الصوت من إطباق على المجرى الصوتي وإعلام بخطورة الشيء الذي ننبَّه إليه، لتكون أمنا تلك/هذه حاملة العلامات الكبرى لقائمة الممنوع والمرغوب فيه ليكون الداخل سرَّاً معلقنا في دواخلنا لا ننفك نتساءل عن طبيعته، ما بقي دهرنا منذ ما قبل لثغتنا الطفلية الأولى لتكون الأم ذاتها في ارتباطنا الرحمي بها مستودع السر الذي لا نكلُّ ولا نمل عن مساءلة أصله وفصله ومن هذا الداخل العجيب الغريب في تنوّع ممرّاته ومساراته، علمنا ما نسعى جاهدين عبر تربية متعددة المقامات إلى إخفاء إثره وكأنه الغريب عنا عبرها كلياً:
إلى داخلها كانت رحلة بذرتنا الأولى وفي داخلها الرحمي كان نموُّ بذرتنا، ومن داخلها كان مجيئنا وسقوطنا وظهورنا إلى العالم الخارجي الرحب، ومن داخلنا يظل الشعور قائماً بحيوية الداخل: ما يحدث فينا ونحن نهضم الطعام ونحن نشعر بضغط معين في لحظة معينة، تستولده أعضاء لنا، وتحثنا على اتخاذ الوضعية المناسبة تلك التي تعلَّمناها في طفولتنا وعلى مراحل، ليكون هذا الساقط اللزج والساخن صلة وصل بيننا وبين داخلنا ومجالاً حياً للكثير من الأسئلة الغامضة تشدنا إلى ما وراء وجودنا العضوي وما يعنيه، وماذا يعني لو أننا خُلِقنا دونه؟!
وما مصدر تعبير الأم وهي تنبّه صغيرها بالابتعاد عن الساقط ذاك، والعلاقة بين التعبير الكلامي والملامح التي تتغير في وجهها، إشارة إلى أن ثمة ما لا يراد الاقتراب منه؟ من أين جاءت هذه الـ( كخخخية) يا تُرى، وكيف؟
تُرى أي علاقة تربط صفة( الساقط- الساقطة)، بالمعنى الأخلاقي، ذلك الساقط الطبيعي؟ أهي مأخوذة منه، وهي في عنفها الملحوظ وفي رد العنف اللافت، كما لو أن الصفة الأخلاقية تحدد لاشيئية الساقط وقذارته وخطورته!

ما سر ارتباط الأم” أمنا جميعاً“بصغيرها وهي لا تبدي أي امتعاض برؤية صغيرها هذا وقد تغوَّط في حفاضته أو لوَّث الغائط جسمه إنما تحاول مكاشفة الحالة وربما سبر جانب صحي في سلوكه كما لو أنها عديمة الحواس؟
لم يتحقق لنا بعد انفصالٌ متوخى عن هذا الداخلي الصائر خارجياً وهو برائحة معينة غير مستقرة. تعلَّمنا أن لها صنافة كبرى من خلال سويتنا الجسمية وطبيعتنا النفسية ونوعية طعامنا، وخلطاته وأعمارنا ونوع انتمائنا الجنسي. لقد كان هناك الكثير مما استقر داخل أذهاننا الغضة والخفية حاملاً آثار علاماته الرمزية والمتحولة.
ليظل بمثابة الحبل المشيمي اللامرئي وهو في مركز تجاذب وتنافر، بين استعصائه لأسباب وخروجه بأسباب..

أعتقد أن لكل منا ذكرياته الخاصة عن هذه المرحلة الدقيقة: أن يعرض جسمه في الهواء الطلق دون خشية من أحد، ولاحقاً ليجري حجبه الجزئي وما يجب حظر إظهاره للآخرين، وربما عدم النظر فيه ولو من قبل الشخص نفسه، ليشهد ثمئذ سلسلة من التحولات على علاقته بجسمه ككيان عضوي، وجسده ككيان ثقافي ورمزي.
أعتقد أنه يسهل القول بوجود ذكريات غائطية لكل منا من خلال التصاقه الدائم بما يطرحه خارجاً ودوام التواصل معه تقديراً لقرابة لا يستهان بها، وهو يجسه بكامل جسمه، انتظاراً لساعة مفصلية تحول دون استمرارها، بقدر ما تظل في الخلف، للذكرى أو للتأثير اللاشعوري في مواقف مختلفة، وفي بناءات جمل مجازية تلمّح بوجودها.

ثمة شراكة فطرية وأبدية في معايشة الجسد باعتباره الوسيط بيننا وبين العالم الخارجي، وفي التواصل فيما بيننا.
إنما لكل منا طريقته في سرد حالات تحوله أو تغيرات تطرأ عليه تبعاً للبيئة والمقام الاجتماعي والتربوي..
لكل منا موقفه إزاء هذا الذي لم يُسمَّ حتى الآن، هذا الذي يسمونه: الخراء، البراز، الغائط، العذرة….الخ، وهو واحد في الحالات جميعاً مع فارق الإثارة أو الدلالة طبعاً: الخراء في مفهومه اليومي والذي يعلم به من هم أكثر معايشة لجانب استخداماته في السباب والتحقير، أي في المعتبَر سوقياً، والبراز في حقل العلمي- الطبي ربما، والغائط في الحقل الأكثر تخفيفاً من وطأة المشاعر المرافقة إبعاداً له إلى الخارج، أي المكان الواطئ كما هو مستقره، لتكون العذرة مألوفة في الحقل التاريخي الأدبي القديم وهو الاسم القليل الاستخدام ولكنه عائد إليه طبعاً..
ربما كان القليل من سرد التاريخي الشخصي ما يسلّط عليه ضوءاً كاشفاً ومدى ارتباطه بما نقول ونفعل يومياً.

أسترجع هنا بداياتي الطفلية، إذ تكون القرية ومعايشة الطبيعة وكائناتها وطريقة كل كائن في طرح” فضلاته“، وهذه تسمية أخرى تحل محل الاسم الفعلي، كما لو أن خوفاً يتربص بالناطق فيما لو أورده كما هو مباشرة..
كان هناك نوع من الشعور بالشراكة الكلية مع الكائنات وهي تطرح روثها مثلاً من خلال الرؤية الحسية، وكيفية حصول الطرح، وماذا تعني المؤخرة بالنسبة لكل كائن ولنا، وأي وظيفة تؤديها وهي في( الخلف).

كان للحيوان الدرس العياني في الهواء الطلق وهو يروث استجابة لحاجة عضوية، وأنى كان دونما نظر في محيطه كما لو أنه كان” يعلم“أن ما يقوم به بموجب غريزته البهائمية، إنما يتمثل قانون الطبيعة بقدر ما ينخرط في لعبة هذا القانون لأن ما يروثه أو ما يطرحه خارجاً، ثمة كائنات أخرى في انتظاره تكون قد أعدَّت عدتها لهذا الغرض، أي في كيفية نثر المطروح بأساليب متوارثة، متكررة حيوانياً لأن ثمة شراكة حيوانية كلية تشد في الواقع جملة من الكائنات الحية إلى بعضها بعضاً وأن المطروح من كل منها يمثّل إشعاراً لحيوانات أخرى، سواء من خلال الرائحة المنبعثة منه أو من خلال تحوله إلى مادة هضمية بطريقة ما أو لأن الطبيعة ذاتها تتكفل بتحللها في التربة وتمييعها ومن ثم تشربها من قبل التربة بكائنها الحيواني أو النباتي وهو القانون الذي تطلَّب منا الكثير من الوقت لنحيط به علماً ونتمكن من الربط بين وشائج القربى العضوية فيما بيننا، بين الهضم والطرح العامَّين!

إذ لم يكن أكثر من متابعتنا للحيوانات التي كنا نلتقيها في وسطنا الطبيعي، حيث يكون لكل حيوان طريقته في طرح فضلاته الخاصة، كان ثمة اسم خاص، أدركناه فيما بعد، لتكون العلاقة بين الحيوان وفضلاته مختلفة أيضاً،
وليكون لنا تصنيف عفوي لم نستطع التعبير عنه كما هو العالم الذي يستطيع هو وحده القيام بعمل من هذا النوع!
نمعن النظر في مؤخرة كل حيوان، وتكون لنا صرختنا الطفلية لحظة الشعور، ومن خلال التجربة الأولية، أنه سوف يقذف بسر خاص به خارجاً، ومن مسافة معينة، وذلك بحسب نوعه، وكان ذلك يبهجنا وأي بهجة حقاً؟!
إن لمؤخرة الحيوان دور اكتشاف ثوري فاعل في التاريخ، حيث يسهل القول بأن أسس الحضارة الأولى تتراءى من خلال مؤخرة الحيوان المرئية بقدر ما يكون المطروح المختلف مؤثراً في تدوين المفارقات أساساً للحضارة!

وعلى هذا الأساس، تشكل لدينا قاموس نظر ومواقف صغيرة تخص تلك الحيوانات التي تمكنَّا من مراقبتها، وكان لكل حيوان طبيعة نظرة مختلفة، وحتى دهشة تتناسب وغرابة المشهد وسلوك الحيوان ونحن نتفاعل مع” فعله“، وفي كل حالة واكتشاف جديد مع حيوان جديد، كان لمؤخرتنا شرف الحضور من باب المقارنة وملئنا عفوية:
الحمار الذي يأتي روثه على هيئة كرَات، لم تكن دائرية تماماً، كانت أشبه ببيض الحمام حجماً، وهو مصقول، وتنبعث منه حرارة محيطية من خلال لمسنا لها، لنتأكد منها، ولنصل إلى نتيجة في لونها وشكلها ورائحتها، وقد بدت الواحدة، وهي ترتطم بالأرض من علو يتجاوز المتر، على غاية من الصلابة وفق تقديراتنا، وكان لنا تفسيرنا الأولي لهذا الامتناع على التفتت، ونحن نقوم بتجربة التفتيت بعود أو حجرة مسننة ونتلمس سراً فيما يشبه القشرة الخارجية، مثل قشرة البيضة العادية، والتي تقوم بوظيفة حماية للكرة، ونحاول الاستفهام عن ذلك الجهاز الذي يتكفل بإعداد نسخ متشابهة وجميلة في الداخل، ويمنحها مثل هذا اللمعان والقدرة على التماسك من الخارج.
يتلبسنا العجب العجاب مثلاً، عندما اكتشفنا أن الجمل بضخامته يختلف عن الحمار فيما يطرحه من فضلات، بحجم كراته الصغيرة، إذ كنا نربط بين ضخامة الحيوان وضرورة أن يكون المطروح متناسباً والضخامة تلك.

وكان لكل من الفرس أو الحصان أو البغل وضعه المغاير تماماً إذ تكون كراته الأقرب إلى الخشونة أكبر وأقل مقاومة للتفتت منذ لحظة الصدام الأول بالأرض، كان لنا اعتقاد بذلك وهو أن العلو الشاهق مقارنة بالحمار يكون وراء هذا التفتت والتناثر أحياناً، إنما القشرة الواهية بدورها كانت تساهم في إيجاد المبرر وليكون لسؤالنا الذي عجزنا عن العثور على جواب له كسابقه هو نوع الجهاز الداخلي الذي يعمد إلى مثل هذا التفصيل، خصوصاً أكثر حين كنا نلاحظ أن ما سمّي بالروث كان يتساقط متناثراً وأحياناً مائعاً وليس بشكل متقطع وكروي.
وبالنسبة للنعجة والعنزة وما ينتمي إلى” عائلتيهما“كان ثمة تصنيف آخر، وهو ذلك الحجم الصغير والدائري والذي يأتي بهيئة الخرز المألوف في وسطنا، وما كان يزيد في استغرابنا هنا هو في صعوبة متابعة عملية طرح فضلاتها، لوجود حاجز نصف كروي متدلٍّ بمؤخرتها، بالنسبة للنعجة، أي الإلية، وفي بعض الحالات، ما أن نشعر بالرمية السفلية الأولى، ونحن بالقرب منها، حتى نرفع إليتها ونلاحق كيفية تتابع فضلاتها، أي ما عرفناه بالاسم: البعرور، وهي كرات صغيرة جداً، دون حجم الخاص بالحمار، وهي بدورها تميَّزت بصلابة، ربما لأن حجمها الصغير كان وراء الصلابة تلك، وربطنا كثيراً بينها وبين البرَد رغم اختلاف اللون، استجابة لفضولنا الذي ما كنا نهدأ إلا بإقامة روابط تشابه وتغاير لنتمكن من الفهم الأولي لمجموعة الأشياء في طبيعتنا…الغنَّاء تلك.

لم تكن العنزة بكلابتها الذيلية والمقعرة من الوسط والمرفوعة عالياً، خاصة النعجة، كان ذيلها القصير بالكاد يستر مؤخرتها( حياءها)، كما جرت التسمية أحياناً، بعكس ذيل الحمار أو الكديش مثلاً، وحتى البقرة الأكثر طولاً، كما سنرى، حيث سهل علينا رؤية الكرات الصغيرة وهي تتتالى من دبرها في عمق الذيل، أو الذنَب أحياناً أخرى.
وكانت البقرة الأكثر إثارة للاستغراب، لأن لها طريقتها في طرح فضلاتها: روثها، كان هناك كتل كثيرة تتواصل بحجم قبضة يد الكبير وربما أكثر من ذلك، لم تكن متماسكة طبعاً، وأحياناً كانت تتراشق وهي مائعة مع الهواء، وتغطي بحجمها مساحة كبيرة بما لا يقاس لحظة المقارنة بينها وبين خاصة النعجة أو الحصان وغيرهما.

وهكذا تمكنا من معرفة فضلات: القطط والدواجن والكلاب والفئران والعصافير والحمام، ولكل حيوان خاصيته، وخاصة القطة التي كانت تعرفنا على موعدها في طرح فضلاتها، في هيئتها وهي تحفر حفرة، وتدس مؤخرتها في الحفرة تلك رافعة ذيلها، وناظرة حولها، وبعد الانتهاء تطمرها بالتراب أو بما يغيّبها عن النظر، وكان ذلك في مقام عجز آخر، يكمن في السبب المحفّز للقطة إلى أن تلجأ إلى مثل هذه الوسيلة ومن أين تعلمتها، بينما أحدنا أو غيرنا لا يفعل لك، وفي متن علاقتنا بهذه القائمة من الحيوانات استطعنا إيجاد رابطة نوعية شكَّلت أساساً متيناً لنظرنا إلى العالم من خلالها أو لعناصر رؤية تخصنا إزاء نوعنا، ناحيةَ الموقف من هذا الفضلات والحكم عليها.

ذلك من خلال تصرفات الأهل، وتحديداً بالنسبة للنساء اللواتي كنَّ يعمدن إلى جمع الروث: البعرور خصوصاً، وتنقيعه في حفرة دائرية وبعمق معين، وجعله جبلة واحدة كما هو الطين المجبول بالتبن، ثم تحويله إلى قطع دائرية سمّيت بالجلة، كان جميلة في قوالبها، وهي تتنضد فوق بعضها بعضاً، لتيبس ولتستخدم كوقود في التدفئة.
وحين يحترق”الوقود“المركَّب كنا نستشعر من وراء رائحة النار المشتعلة وجود الكائنات تلك بأنفاسها الداخلية، من خلال قسمات وجوه أهلينا، وربما اطمئنانها، على أن المشتعل يؤمّن على المتدفىء بأصل المحروق ونوعه!
كان للغنم المقام الأول في ذلك حيث تلمس فضلاته لم يكن يثير ريبة الأهل، وقد شهدنا مراحلها إعداداً واستهلاكاً.
كان الاستغراب الكبير جداً، هو كيف يتم تحذيرنا من الاقتراب من فضلاتنا: برازنا، لأن ثمة نجاسة في ذلك، بينما يكون المطروح حيوانياً في النطاق ذاك حلالاً وألفة العلاقة معه أكدت لنا ذلك، بل عمَّقت استغرابنا الحيوي.
 

 
كان لنا اندماج طفلي خاص بنا مع برازنا دون أن نعبأ بصيحات الكبار وتقطيبات وجوههم: أمهاتنا آنذاك بالجملة:
كان هناك نوع من التباري أو المبارزة فيما بيننا ونحن نبتعد عن حدود القرية حتى نتجاوز نطاق مراقبة الأهل، أو يكون ذلك في غفلة منهم. من أمهاتنا الشديدات الحرص علينا. حيث نتخذ مواقع لنا، كاشفين عن مؤخراتنا، وهي قد سمّيت بـ” عورات“لاحقاً، مطلقين لها السراح في بذل مجهوداتها وسط ضحكاتنا الطفلية ونحن نعيش مشهداً موحداً إذ ينظر كل منا إلى الآخر مأخوذاً بما يراه من باب الفضول وما ينتجه بمؤخرته وما يطرحه هو من جهته غير عابئين بالزمن. إن زمن القرية ليس له ساعة معينة! لم يكن هناك انفصال في الأوقات، كان الذي يربطنا بالزمن هو شعورنا بحياة تحثنا على القيام بحركات تعبّر عن رغباتنا لنأخذ بحكمة الزمن فيما بعد من خلال إنذارات الأهل بضرورة الالتزام بتعاليمهم المتعلقة بأوقات الطعام، وتكليفنا بواجبات معينة تتناسب أحياناً وأعمارنا وأحياناً أخرى كانت تفوق طبيعتها وغضاضة أجسامنا في رعاية الخراف مثلاً أو جلب الماء..الخ.

ما أن ننتهي بإيعاز معين، من التبرز المتفق عليه خلال فترة معينة، حين يشعر كل منا أنه لم يعد في وسع أي كان الاستمرار، حتى تتم المقارنة بين حصاد مؤخرة كل واحد وسواه( أحياناً كان يعمد طفل إلى الإسراع في إعلان النتائج، شعوراً منه أنه مغلوب على أمره ولن يكون له موقع في ترتيب الأوائل، انطلاقاً من قوة جسمانية معينة وسطوة، رغم أننا في حالتنا هذه كنا نتشابه، لأن وجود فرد كهذا كان أشبه بالدخيل والمعكّر لمتعتنا الطفلية..). حيث كانت النظرة الأولى كافية لتبين الأقدر على التبرز ومعرفة سليم الجسم من مريضه. إنما الأغرب والمثير للتعليقات ومن خلال هذه الإحداثيات السفلية، رؤية الأصغر حجماً ولأيام متتالية، إذ كان ذلك يعني أن وراء هذه الضآلة ما لا يخفى على أحد منا ومن خلال تجاربنا البسيطة: قلة الطعام، ليس بسبب الفقر طبعاً وإنما لأن عاملاً آخر يكون مسمى وهو: بخل أهله وتقتيرهم واقعاً، ويعني ذلك تفهم مواقف ممن كانوا يبتعدون عن أي مشاركة في مسابقات التبرز لئلا ينكشف أمرهم، ولكم نمّيَ إلينا من خلال الأهل، ولوجود فضوليين يتسقطون أخبار الغير وهو في عمرهم الطفلي الأول، أن ثمة أطفالاً يمنعهم أهلهم من الدخول في جماعة الصحبة التي كنَّاها، ولأنهم كانوا يعلمون بتصرفات من هذا النوع،وذلك بتقديم مسوغات أخلاقية لم تكن مقبولة لدى آخرين، وكان استعمال العود( ولكل منا عوده) في نكت هذه الأشكال المستحدثة، لتفحصها جلاب متعة أخرى، وأي طعام وراءها.

كنا نقلّد بطريقتنا هذه الجعلةَ وهي تدحرج كرات الروث أو الخراء بعد تعريضه للشمس وتجفيفه نسبياً، نعيش جانباً من العلاقة البهائمية مع خرائنا وكلنا فضول في أن نعرف المزيد عن الذي يأتي بالصورة هذه، عما يميّزنا عن بقية الحيوانات وكيف تتنوع أساليب التعامل مع المطروح عبر حاسة الشم، وماذا يكمن وراء انفصالنا التدريجي عما اندمجنا معه منظراً ورائحة، إلى درجة أن مجرد التلفظ بالاسم كان يسخطنا كما لو أننا ذات يوم ذلك الكائن الذي عاش وئاماً وسلاماً مع المنتمي إليه، هو يتابعه أحياناً حتى زواله الكلي في الطبيعة المرئيةأمامه!

لكن الأهم من كل ذلك هو اندماجنا التام مع خرائنا الطبيعي، لم تكن الرائحة حائلة دون الاندماج ذاك، أو المنظر الذي يأسرنا لوقت يطول أحياناً فهو خاصتنا، نتاجنا الحيوي. إنه- أيضاً- بضع منا لا ينفصل عنا وإن كنا نتركه فيما بعد، لكن ذلك لم يمنع المعتبَر صاحب أكبر خرِية: بطل الخراء بامتياز ونحن نصفّق له، لأنه يكون شبعاناً وأهله لا بد أن يكونوا ميسوري الحال، ومحل حسد من البعض منا طبعاً من أن يعرَف باسمه( حتى الآن ما زال يتردد في وسطنا وأنا منه، أن” فلانا“تكون خريته ضخمة تأكيداً على مكانة لافتة في القوة والثقة بالنفس، إنما أيضاً في الكرَم وغيره)، وأن يكون للخراء بالذات ذلك التأثير السحري الخاص رغم تنبيهات الأهل، كوسيلة تعارف، لا بل وكاضطلاع على أسرار دقيقة تعني كلاً منا، والأكثر من ذلك حين يكون لهذا الشعور ونحن في عرينا النصفي دوره في الاعتداد بالنفس، والتفوق في المكانة استجابة لتصنيفات أهالينا على صعيد النوع، إذ لم يكن للبنت حضور خارج حدود القرية، لا على بيادرها ولا حتى في أمكنة أقرب من ذلك لأسباب تعني انتماءهن الجنسي غير أننا كنا نباغَت أحياناً بوجود مباريات، ولو أنها أقل حجماً وعدداً على شاكلة مبارياتنا، بين عدة بنات في زاوية زقاق أو مكان شبه مهجور( خربة داخل القرية، كما هو وضعهن)، من خلال همسات ترشدنا إليها ونحن في غاية التكتم حيث نتنصت إلى كل حركة وصوت صادرين، وتعليقات مرافقة متعددة المرامي وأحياناً كنا نفاجئهم وهم في الوضعية تلك بحماقة طفلية، كانت وراء انحسار مسابقاتهن تحسباً لما لا يحمد عقباه…

ثمة تاريخ شائك ومعقد من العلاقات غير المستقرة بين الإنسان وبرازه، بين أن يتبرز الإنسان وهو في حقل العمل ليحيله سماداً عبر التربة إذ يخصبها بمكوناته كما كان الحال قديماً لدى الصينيين القدماء وغيرهم، وحتى اليوم لدى الذين يسمّدون أرضهم بمخلفات طبيعية: براز، زبل، كما لو أن الذين يتخلصون منه بطريقة ما ومن الأسفل، يتمّم دورته عبر مواد أخرى ليحل مجدداً عبر أفواههم إلى معدتهم.. الخ، من خلال ما يسمى بالتحلل، وذاك الذي يتبرز بعيداً عن النظر على قاعدة رخامية أو معدنية في عالم المدينة غير عابىء بمسيرة غائطه..
كان ثمة تفاعل من نوع خاص مع الطبيعة عبر موجوداتها، حيث يعلم كلُّ منتم إلى الريف: إلى عالم الشعرية المهيب، كيف تكون صورة الأرض من حوله أو في وسطه، عالمه الذي يتحرك فيه وليس بصورة عامة، فالقرية كانت عالمنا اللامحدود آنذاك وهي في مساحتها الصغيرة كنا نعتقد أننا لا نستطيع إجراء مسح جغرافي كامل لها لأن الطبيعة كانت حافلة بالكثير من الكائنات الحيوانية والنباتية، إلى درجة الشعور حقاً بلاتناهي العالم فيها.

كنا نوقّر الكائن الحي كثيراً، من النملة مروراً بالجُعل( خنفساء البراز)، وانتهاء بالحمار أو البقرة، أو أي طائر من الطيور الأهلية:”الدواجن“الدجاج، مثلاً حيوان برازي بامتياز، نهِمٌ لبرازنا أكثر من غيره”…الخ، ولكل حيوان نصيب فيما نطرحه نحن برازياً، كان فيه بعض مما يسمينا أو يمت إلينا بصلة جلية، وبنوع من المقايضة المضمرة، نشعر أن ما نتبرزه ليس من الفضلات( ما هو زائد عن الحاجة، أو ما ليس له قيمة)، إنما لأن ثمة دورة أخرى: مرئية وغير مرئية بانتظار هذا الذي نستهين به كثيراً، ونحن نتبصره في مسيرته وحقيقته يومياً.
إذ ما إن يتبرز أحدنا بعيداً عن بيته في الخلاء( وهذه مفردة جانحة ومريبة، وكأن ما يتجاوزنا يعود عدماً، لأن ثمة كائنات غيرنا في الطبيعة!)، ويترك البراز، سرعان ما يجري تحويله إلى وليمة لكائنات أخرى: صغيرة وكبيرة، وإن يبس في الهواء، يكون طعاماً لحيوانات أخرى( البقرة وغيرها)، أو ينحل في التربة، وبالتالي كان أحدهم يتوقف عن سَلسلة مراحل البراز المطروح: ما نطرحه نأكله متحولاً وهكذا دواليك، عندما يرى أن الأرض ذاتها تمدنا بالغذاء وهي التي تذوّب فضلاتنا ويجري تحللها فيها أو تلتهمه حيوانات أخرى، ثمة نأتي نحن وفي علاقتنا بها، نتناول لحومها مثلما نستثمر الأرض ومنتجاتها في تدبير أنواع أطعمة مختلفة لتكتمل الدورة هنا دون النظر في بنيتها وكيف أن لا شيء فينا يجري إهماله، إذ تعلمنا الطبيعة ونحن دون مستوى علمها الفطري!

لا أحد في وسعه تذكُّر الشهور الأولى من حياته، ولا حصيلة علاقات جسمه بمحيطه في سنّيه الأولى بدقة، إنما ثمة ما يقال لاحقاً، ما رأيناه في التالين علينا، وهم في الوضعيات التي قيل لنا عن أننا مررنا بها أو عشناها:
لم تكن الحفاضة موجودة حينها، إنما كان يُكتفى بقطعة قماش( بيضاء غالباً، حرصاً على الصحة)، تحوط بها الأم مؤخرة صغيرها، وفيها تراب ناعم لامتصاص البول واستقبال البراز القليل الرائحة، لارتباطه بحليب الأم طبعاً، لتطرح“الخلطة” هذه خارجاً، ويعاد غسل القماشة ذاتها بانتظار دورها حتى يكون في مقدور الصغير تجاوز الشهور الأولى والحبو، وتعليمه بالحركات واتخاذ الوضعية المناسبة في التبرز بمساعدة الأم قبل كل شيء.

كان ذلك التراب الناعم ذا علاقة بالبراز الذي يعود إليه، إنه من جنسه تدريجياً، وتلك هي معرفة الأسلاف في مرحلة تاريخية معينة، عندما ربطوا دون تقديم الأسباب العلمية، بسر العلاقة بين براز الكائن والتراب من حوله!
هنا تُذكر وضعيةٌ من هذه الوضعيات ذات الصلة بعظمة الأم وتضحيتها في تربية الصغير الذي قارب السنة، بأن تجعل من قدميها المتقابلتين بأخمصيهما في مقام عارضتي مرمى كرة قدم، وبينهما فسحة تتناسب ومؤخرة الصغير الذي تجلسه أمه على تينك قدميها، وهي تحثه على التبرز ماسكة إياه من وسطه، ليكون عامل الانفراج بين شقّي المؤخرة بسبب الجلوس فاعلاً في تحقيق النتيجة، ولتكون الوضعية تلك مثيرة للصغير نفسه أحياناً، عندما تمنحه أمه زمناً كافياً وهي تلهي نفسها بشيء معين، كأن تحدث غيرها كما لو أن الذي يجري لا صلة لها به، باعتباره طبيعياً وربما يكون ذلك في الهواء الطلق، في مناخ مناسب حيث يمرجح الصغير رجليه في الهواء، فتكون لعبة، بقدر ما يكون هناك أداء“واجب” لا بد من أن يؤديه وخصوصاً حين يتبرز مخففاً أعباء أمه لاحقاً.
إنما لا بد من التذكير إلى أن مشهد التبرز هذا حيث ينكشف جسمه في أسفله يُراعى فيه عنصر النوع، وبشكل خاص حين يكون هناك رجال ونساء، إذ يكون التحفظ تجاه البنت حتى لا يُرى جسمها وقد انفرج ما بين فخذيها بسبب وضعية الجلوس تلك. ذلك يتبع مقامات النوع والتعليقات المنتظرة وما ينتظر كل نوع من الرؤية الأولى.

ربما كان ذلك الدرسَ الأول الذي تعمَّق تدريجياً، في العلاقة بين المسموح والمرفوض بين الذكر والأنثى، بين الاستعداد للتبرز في أمكنة مختلفة، بالنسبة للذكر منذ صغره، والتقيد بمجموعة قواعد تتربى عليها الأنثى وهي صغيرة كما لو أن مجرد التفكير في التبرز بالنسبة لها، يعني وجود خرق لنظام عرفي، قاعدة تفاوت جنسانية موضوعة لا بد من مراعاتها. إنه الدرس الجنساني الأول: يتحمس الصغير للتبرز وهو في حضن أمه ليجد ملامح وجوه من حوله، وجوه نساء وبنات، ويتعزز جرَّاء نظراتهن التي تتأرشف في ذاكرته الطفلية بغموضها، ويزداد أكثر ميلاً للتعرّي الذاتي ليكون فرجة بامتياز، وهو يزيد في ذلك عندما يداعب ذكََره( حمامته، كما تسمى من باب الاحتشام اجتماعياً، وهي تسمية تتطلب مكاشفة انتروبولوجية أو دلالية، عن مغزى ارتباط“حمامته” وهي مؤنثة بعضو الذكورة منذ الصغر، وكيف تم ذلك، ولماذا“الحمامة” وليس غيرها!!)، وتحولات الذكَر مع الملامسة والتعليقات المرافقة، ليحدث أول لقاء غامض آخر بين اليد التي تمتد عالياً إلى ثدي الأم في الرضاعة، حين تمسك به، ومن ثم وهي تمتد إلى الأسفل لحظة اللعب بذكره، ربما لأن شعوراً بلذة طفلية تغمره في وسط مشجع له، وكون الذكر لا يبقى على حاله في كل ملامسة، كون الأم ذاتها وربما مع أخريات، تشجعه على التبول أيضاً وتحديداً حين يرشق بوله بعيداً ودلالة ذلك تدريجياً، ذلك ما تجد البنت نفسها وهي في بدايتها الأولى في حالة حظر ومراقبة، حيث التكوين الجسمي مختلف، واللمس يكون مختلفاً بدوره، وحيث تدير الأم ظهرها للحضور( وبوجود الرجال أكثر)، استجابة للنداء الموجَّه في واعيتها في الفصل الجنساني، وكأن أي تهيؤ للتبرز تلبية لحاجة جسمية من قبلها، يرتبط بضغط راصد لها، بتعرية متوقعة تقمع في الحال، ليكون مفهوم الاحتشام ذكوريَّ العلامة في المجمل. إن تبرز الذكر وهو صغير حالةُ انسجام مع الذات، بينما تبرز البنت وهي صغيرة حالة انسجام مع الوسط المحيط. إنه الشعور( الخرائي) الأول والممهّد للفصل العنصري المستثير في النوع، كما لو أن التفريق بين الجنسين يعترف بميزة برازية فاعلة في تبين التفاوت الجندري بجلاء!
الشعور بأن هذا الذي نتبرزه أو يخرج من أسفلنا لا ينفصل عنا ويتلاشى تدريجياً إنما يكون شاهداً حياً على الكثير الكثير مما يعنينا في العمق فيما نكون عليه في انتمائنا الجنسي ومقامنا الاجتماعي وأعمارنا وطبيعة بيئاتنا …الخ.

لكنه الفصل الذي مهَّد لـ“فصلات” كثيرة إن جاز التعبير وليس من خلال التمييز القائم بين خراء البنت ونقيضها، إنه الخراء الداخل في تكويناتنا القيمية كما لو أنه في سقوطه يتسرب عبر رائحته وفي لزوجته إلى أعماق ما نتفكر فيه ونمارسه من سلوكيات، في اختلاف مواقعنا وتغاير ميولنا وأهوائنا ومعتقداتنا وتقسيماتنا المذاهبية.
صار هناك الخراء النوعي ذو الصلة بالاختلاف الجنسي والخراء الدالُّ على ما هو ديني وطائفي وفئوي، بحيث يسعى كل طرف إلى تغطية خرائه الخاص به منعاً للكشف عنه ومعرفة أمور لها سرّيتها تتصل بما لا يريد كشفه.
بالتالي يكون الخراء الذي لا يلفَظ مباشرة نافذ الأثر فيما هو صامت فينا ومصمَّت بنا، وفيما يمكن الحذر منه والتحفظ عليه….لحظة حرص كل منا على معرفة ما يخرُّ منه ونظرته إليه، وكيف ينظر إليه الآخرون..
إن لخرائنا هذا تأثيراً علينا، حين يجد أحدنا نفسه ممعناً النظر فيه دونما حرج أو نفور، إنه منه، فكيف بنبذه إذاً؟

الخراء يمارس فينا تقسيماً جهةَ تنوع حاجاتنا وحالاتنا بقدر ما يكون الشاهد البليغ وهو في تنوع أشكاله، على ما يردنا من الخارج ناحيةَ الطعام. إن ما نأكله يتحدد من خلال هذا البراز الذي يحرص الكثير على إخفائه ليس من باب الأدب بالمعنى الأخلاقي، وإنما للتستر على وضع خاص به حيث يجري التفريق بين البخيل والسخي. إن وجود الخراء وهو في أشكال مختلفة: بارزة وبالألوان وروائح مختلفة يعني أن ثمة شخصاً يهتم بجسمه بطرق مختلفة. إنه لكشف ملحوظ ولافت لبعض مهمٍّ لأكثر ذاتيات الفرد سرَّانية، لحظة مكاشفته من خلال برازه..!
وهي العملية التي يمكن استقراء الكثير منها، عند ملاحظة سلوك الطفل الذي يرفض التغوط في مرحاض عادي، كونه تعوَّد التغوض على كرسي الحمام، بوجود السيفون، كما لو أنه يستمتع وهو يتغوط، وهو يستسلم لمؤخرته لتوفُّر عامل ِالراحة. إنه تاريخ تحولي آخر، يجسد تصعيداً بالجسد وغرائزه وسلوكياته منذ الصغر، بحيث أن أحدهم لا يكون مبالغاً إذا حدد شخصية الآخر، منذ سنّيه الأولى، من خلال كرسي حمامه، أو طريقة تغوطه..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق