مكافآت فوضوية على «اندفاع» فوضوي / محمد علي اليوسفي

لا دافع لليأس. البعض يهرب إلى الماضي القريب من باب اليأس والشماتة، مع التلذذ بمقارنة التغييرات الأخيرة ببطل البلاد السابق «صانع التغيير»، والبعض يعود بنا إلى ماض أبعد من «صانع التغيير» ليتبجّح بالزعيم المؤسس الذي لم تنجب تونس مثله بين العباد، من باب الافتقار إلى شخصية كاريزمية في الوقت الحالي (لها صورة شمعية تنجح بعبق الماضي). والبعض الثالث يذهب بنا إلى ماض أبعد من البعيد، وأحيانا أجمد من السلف الصالح في رؤيته لحركة الكون الثابت شاخصا إلى ماضيه في نقطة تتأرجح بها الأديان.

وعندما تحتدم المنافسة يشتغل كلهم بأسلوب الشماتة في الخصم. وهي الشماتة التي لا تعود بنتائجها إلا على تونس اليوم ومواطن تونس اليوم.

ولعلّ من نتائج هذه الثورات، الملتبسة المصطلح والمرتبكة في أسمائها وفي تواريخها، أنها جاءت لتؤكد ما كنا نحتاج إليه من دمار حقيقي ومعلن، وفساد حقيقي ومعلن، ووقاحات حقيقية ومعلنة… لا تتستر بالتعمية والتمويه والتعسف، بل تعلن عن نفسها جهاراً، وتقلق قدرتنا على الهضم إلى حد التخمة من الحرية المؤقتة والديموقراطية المبقبقة مثل طبخاتنا الحارة في كل وسائل الإعلام.

فمن الإنجازات السياسية أننا أصبحنا نتنفس حرية، إلى درجة القدرة على العبث برئيس الدولة بأن ننتقده، ولمَ لا نتطاول عليه أيضا بقذفه بالحجارة إن لزم الأمر؟ فهذا شكل من أشكال التعبير وممارسة الحرية «التدريبية» إنْ صح التعبير. وإن أردت أن تعترض فلك الحق أيضا، بما أنك في سوق الحريات، أن تقذف رئيس الدولة مرة أخرى، لكن بالحلوى هذه المرة فيما تخصص البيض لوزير الثقافة. فشكراً للثورة التي أطلقت العنان للحجر وللحلوى والبيض، رغم تورطنا المتدرج في ارتفاع أسعارها.

والقذف يمكن أن يأخذ أبعاداً أخرى في بلد الثورة مثل أن تقذف وزارة الثقافة بالثقافة عرض الحائط، أو أن يُقذف بها، بالأحرى، عرض الماضي، بالتخفيض في ميزانيتها ولسان حالها يقول ان الثقافة لا تستحق إلا «الصفر فاصل…» وحالها حال المعارضة المتبجحة بالثقافة في كل مناسبة.

ولكي نبقى متفائلين، علينا أن نقرّ بأن كل شيء مما يجري هو مناسبٌ لنا ولائق بنا، أعطى ويعطي خير ما فينا وأسوأ ما فينا، على رأي إميل ميشال سيوران في إحدى شذراته التأملية حول الشعوب أيام الثورات.

لم يعد هناك مواطن غير مبال بما يجري. وحتى التونسي المتهرب من السياسة تبيّن أنه كائن سياسي من الدرجة الأولى، الدرجة التي تجعله يحل لك مشاكل البلد في رحلة تاكسي بين أريانة ووسط العاصمة.

نعم، نحن نخسر، لكننا نربح أيضا.

التاريخ لا يكتب بسطور الجرائد ولا بآهات المظلومين وحدهم. التاريخ يتمتع بقوة الزمن ومكره، حين يجعل الفرد ذرة رمل، والأعوام الكثيرة مجرد سطر في كتاب التاريخ.
وبهذا يكون فضل كبير للتاريخ أنه يخلصنا من البطولات الزائفة التي تعج بها وسائل إعلامنا: فليس كل من سبّ وشتم بطلا، وليس كل من أضحك وأبكى بطلا، وليستْ كل من دافعت عن الإعلام بطلة إعلامية، وليس كل من دخل السجن ظلما بطلا، رغم أنه قد يكون دخل السجن ظلما!

كل ما هنالك أننا ما زلنا في مرحلة قذف الحلوى وقذف الحجر وكسر البيض.

والسبب الأساسي في كل ما جرى ويجري، بدأ بــ«انتصاب فوضوي» (في مصطلح تونسي بامتياز: النصبة هي البسطة، والمنتصب هو صاحبها) وما زال يعاني من الانتصاب الفوضوي، ومن المكافأة الفوضوية على ذلك الانتصاب!

أعظم شعب أم أبهم شعب؟

تعبنا اليوم، رغم أن التاريخ لا يُكتب بالأيام. العشرات من الناس، حولي، وربما بالآلاف بعيدا عن مجال رؤيتي، يقولون: أية ثورة هذه؟ كان عهد زين العابدين أفضل! وكان هؤلاء الناس من فئات مختلفة من حيث البيئة الاجتماعية والدرجة العلمية ومستوى الوعي. وفي إحدى المرات، وُوجِهتُ شخصيّا بهذا السؤال: «ماذا ربحتَ من الثورة، أنت شخصيا؟» أجبت: «طبعا ربحت حرية التعبير!» بعضهم فتح عيونا واسعة متفاجئا بالجواب. ثم استدرك قائلا: «آآآآ صحيح! أنت كاتب، وتحتاج إلى ذلك!».

في تلك اللحظة كدت أذهب إلى الاعتقاد بأن متعة حرية التعبير لا تعني الكثيرين بالدرجة التي تعني الكاتب والصحافي والفنان… لكنني استدركت بدوري: حرية التعبير هي نفسها التي تجعل الجائعين يقولون إنهم جاعوا، كما تجعل المعطلين عن العمل يقولون إنهم يريدون عملاَ، وأكثر من ذلك يعتصمون ويصرخون… وحرية التعبير هي التي تجعلنا نعرّي كلَّ من يحاول أن يسلك سلوك الماضي باسم الشرعية النضالية مرة وباسم احتكار الدين والإيمان مرات.

صحيح أن مكسبنا الواضح، حتى الآن، هو حرية التعبير، لكنها حرية خضعت بدورها إلى قاموس التجاذبات والمناورات، وسياسة القضم والهضم، والحظر والتنفيس، حتى باتت مثل غيرها، مما يُفترض أنه من مكاسب الثورة، قابلة للّجم والاستعباد بتبريرات متعددة. بل خيَّم شبح آخر يمكنه أن يتجلّى بأبشع صوره، ضمن صيغة ديكتاتورية مستحدثة عندنا، ولو أنها عريقة في غير بلدان العالم الثالث: تكلمْ كما تشاء ونحن نفعل ما نريد.

احتجاج الناس على ما آلت إليه الأمور، بالإضافة إلى جحيم الأسعار الذي يكاد يفتح أبواب جهنم، خصوصا في المواسم والأعياد، والذي تجلى بتمنّي العودة إلى ما سبق، هو طريقة أخرى للممانعة والرفض. فكل حِكمنا القديمة ما زالت صالحة: «شد مشومك لا يجيك ما أشوم»و»الكرسي يصنع صاحبه» إلخ.

أقول هذا حتى لا نسارع إلى ما اعتاد أن يتأفف به المثقفون والحزبيون: «الشعب جاهل… الشعب ناقص وعي!».

لا يا سادتي، فالشعب، حتى وإنْ لم يكن له وعي كاف، يتمتع بحس عال. والشعب لا يتقلب مثل تكتيكات الأحزاب وأهواء الفيسبوكيين الذين يعودون في كل مناسبة نجاح نسبي، إلى القول: «الشعب التونسي أعظم شعب!» بعد أن ألحق به بعضهم سيلا من الأوصاف الموسمية البائسة.
هذه، على أية حال، صفة من صفات البورجوازية الصغيرة، كما وصفها ماركس ورفيقه انجلز: التذبذب، وهذه كلمة بالفصحى، وربما اللجوء إلى أكثر من ذلك في حالات اليأس المؤقت: السب والشتم، وربما ـ بل هو مؤكد: قلب حروف «الذبذبة» ونطقها بالطريقة المصرية أو الشامية، حتى لا نوضح أكثر.

عربة الحكومة تئن، وعصيّ المعارضة تهش، وفي الأثناء كلاب كثيرة تهجم.

من أين لنا بحكمٍ غير حاكم بأمرٍ يحاول تصديره لنا باعتباره أمر الإله؟ سياسة شد الحبل تخنقنا، والتصريحات المتسمة بمراهقة سياسية تشعل الفتن وتؤجج بؤراً جديدة للتوتر. وفي هذا السياق من أين لنا بسياسة لا تتمظهر في إيجاد حلول سريعة لمشاكل متراكمة منذ عقود وإنما ـ وليكن هذا هو حدها الأدنى ـ في حسن إدارة الأزمات وامتصاص الغليان الاجتماعي وتأسيس علاقة صحية مع الأطراف الاجتماعية ومنها النقابات؟

لا تمر فترة زمنية إلا ونجد أنفسنا في مواجهة أزمة جديدة؛ تقول السلطة الحاكمة إنها متأتية من عصيّ المعارضة في عجلات عربتي، فيما تؤكد المعارضة أنها متأتية من سوء سير العربة في حد ذاتها بسبب عيوب في الصنع.

إنه لمن الواضح للعيان أن المعارضة بكل أصنافها، سواء أكانت حزبية أم نقابية أم ذات علاقة بمؤسسات وأفراد يدافعون عن استقلاليتهم وخياراتهم الحداثية، تعرقل سير الحكومة فعلا، لكن ما نوع هذه العرقلة وما هي دوافعها؟ أليست متأتية من سوء الصنع حقا؟

وسوء الصنع لا يجعل العربة وحدها تئن وتئزّ وترمي المجاورين لها بالغبار والحصى وبشظايا الخشب فقط، بل هي تفاجئنا أيضا بما تتوافر عليه من احتياطي أمني وعنفي ومناوراتي، هو الدور الموكل للكلاب المرافقة للعربة: كلاب تستطيع أن تنبح وتكتفي بالنباح. لكنها تستطيع أن تعض أيضا وبمعايير مدروسة حتى الآن في التلذذ بطعم الدم، ما دامت لم تكشف عن كل ما تخبئ من مفاجآت، اللهم تلك الضربات هنا وهناك، والتي تظهر مرة على الحدود، ومرة على سفارة أجنبية، ومرات في هذه الولاية أو تلك.

لعبة مكشوفة. لكنها تتواصل. هل في هذا السلوك دهاء، أم ابتذال، أم تدريبات من حكم جديد، على حكم غير واثق من نفسه، وغير متمكن من آليات الحكم المعتاد في العالم الثالث: الحكم نيابة عن الأقدار، أو باسم الأقدار؟

ما أسهل ذلك الحكم الذي يحط بكلكله على البلاد وعلى العباد، ويقول للجميع: «اخرسوا!» بالحديد والنار. لكنه، على ما يبدو حتى الآن، لم يعد حكماً ممكناً حالياً. فلنفترض أن الربيع العربي المبجل كان خدعة فصل مزهر. نعم يمكننا التشكيك في كل ما سيأتي به إلا مسألة الديموقراطية. فهي أساسه على ما يبدو ـ مرة أخرى ـ قبل الكرامة وقبل الخبز أيضا.

لكن ذلك المبدأ الديموقراطي شبه المؤكد وشبه المضمون، ليس في منأى عن المناورة والغش وشطارة الحاكم الجديد في البحث عن أفكار احتياطية من أجل الديمومة، قد تتمثل في تأويل ذلك المبدأ الديموقراطي وتحويره وفق معطيات يمكن زرعها كأمر واقع عبر سياسة القضم والهضم، وسياسة الجزرة والعصا، وبمساعدة الكلاب المرافقة للعربة… فقد أثبتت الأيام أن دورها المكشوف دور مخيف وفاعل رغم أنه مفضوح في المدى القصير. فمن الذي سيضمن لنا نتائج ذلك الدور على المدى البعيد: الخوف يصنع أشباحاً، واليأس يخلف تخلياً، والإرهاق يجعل الكثيرين يكتفون بالقول: «الله غالب!» فيما تتوهج أحلام «الحراقة» عبر الأمواج العاتية، وتذوي أحلام الثوار.
العربة تئن وتقزقز وترمي المجاورين لها بالغبار والحصى وبشظايا الخشب…

المعارضة تعارض ولا تبطئ سير العربة فقط (من أجل حسن النيات) بل تبطئ البطش أيضا.

أما الكلاب فقد شمت رائحة الدم…

منذ حلول حزب حركة النهضة حاكما متفردا في تونس (طبعا مع حزبين مهضومين تمام الهضم) بدأ يطرأ تحوير على طريقة التعاطي مع الفكر والثقافة في تونس. ليست السياسة وحدها هي التي جُرَّتْ أو انجرّت إلى مقارعة النهضة على أرضيتها الدينية الاسلاموية وحدها. ذلك ما بدا أن الفكر والثقافة ينجران إليهما بدورهما. غير أن الخطاب الفكري أوضح من الثقافة في درجة انجراره إلى التحرك في حقل الخصم، ونقصد بذلك مناقشة الشأن الاسلامي، تاريخيا وحاضرا، أكثر من مناقشة مسائل فكرية أخرى ذات علاقة بما تعيشه البلاد أو بما يعيشه العالم المراقب للبلاد، برغم ادعاءات فرادتها المستجدة بفضل ثورة لا يمكن القول إنها مستقلة أو منعزلة عما يجري في هذا العالم المعولم والمنتبه إلى ما يجري في أصغر بقاعه.

من الواضح أن المتتبّع لسير النقاشات، السياسية تحديدا، والتي تجري في مختلف المنابر (القنوات التلفزية والمحطات الإذاعية وكذلك الصحافة والمنابر الفكرية والثقافية والملتقيات) يلاحظ وقوع الجدل منذ ما قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 في البرهنة على أن النهضة لا تحتكر ولا ينبغي لها أن تحتكر الإسلام في تونس. ويستتبع ذلك من خصوم حركة النهضة أن يردوا على مزاعمها أو اقتراحاتها بأمثلة من التاريخ الاسلامي ومن اجتهادات المفسرين في العالم الاسلامي كما في تونس انطلاقا من مرجع أساسي يخصها ويتمثل في علماء جامع الزيتونة مثلا.

فكر مرتبك

إذاً، وعلى المستوى السياسي، نجد أن النهضة تمارس و«تقول» فيما خصومها ـ ولنقل المعارضة هنا ـ ترد وتنتقد وتعارض الرأي الاسلاموي برأي آخر ينافح بدوره عن الإسلام لكن باعتباره إسلاما آخر من وجهة نظر أكثر اعتدالا. ولا يعني هذا أن حركة النهضة نفسها لم تتزحزح وتستجب للـ«ضغوط» المحلية والدولية التي جعلتها وتجعلها تقاتل من أجل الحكم ـ حزبيا ـ أكثر من فعلها نفسه على مستوى العقيدة الراديكالية التي يمكن أن «تُؤجَّل» أو تظل مخزونة في تيار داخل الحركة نفسها، أو ترمى إلى المستقبل عبر المراهنة على فعل آخر هادئ وبطيء هدفه التأثير في الأجيال القادمة والعمل من أجل ذلك قولا وممارسة، كما تجرأت على التصريح بذلك شخصيات نهضوية كثيرة، وكما فعلت ذلك عدة تجارب انطلقت من كون المستقبل يبدأ الآن، مع التنـشئة المتعـلقة بالطــفولة ورياض الأطفال مثلا.

أما على المستوى الفكري فإن الجدل لا يكاد يخلو من هذه المنازلة على أرض الخصم: الفكر الإسلامي والإسلام السياسي. هكذا صرنا نسمع بالاجتهادات المختلفة، وبالتحرير والتنوير، والعقلانية في الاسلام إلخ. وذلك على مستوى التنظير، فيما يذهب البحث عن الممارسات والتطبيقات إلى النماذج الاسلامية المختلفة التي شهدها القرن العشرون سواء في تركيا أو ماليزيا، على سبيل المثال، أو الادعاء بإمكانية نموذج تونسي فريد ومتفرد لم تزده الأيام إلا تورطا في خوره وعدم اتضاح ملامح تقود إليه. وعندما يترافق كل ذلك مع أخطاء ابتدائية من هنا وهناك، وتصريحات خرقاء من سيدة في المجلس أو من وزير غير أمي والحمد لله، يبدو أي اجتهاد غير مؤدّ إلى أي شيء؛ هذا إذا اعترفنا بأن هناك أي اجتهاد أصلا.

تبقى الفنون والثقافة، هي الأقل تورطا في منازلة الخصم على أرضيته، وإن كانت تفعل ذلك بطريقة مقلوبة عندما تناطحه عمدا لتستثيره ثم تصيح!

وبالنظر إلى أن الثقافة هي من آخر شواغل «الثورة التونسية»، إلا في جوانبها الاحتفالية المكرسة منذ العقود «غير الثورية»، فهي تظل في منأى عن الرقابة المباشرة حاليا، باستثناء «قرصات» هنا وهناك، وتكريس المكرَّس بحثا عن السلامة، مع الانتباه أكثر من حيث الرقابة إلى ما هو فرجوي في الدرجة الأولى باعتباره الأكثر تأثيرا والأكثر فاعلية في محاولة محو الأمية الحقيقية: أمية الوعي الشقي.

أما الكِتاب فهو كتاب ولن يأتي دوره في المدى المنظور. وعبثا ما يحاوله بعض الكتّاب والكثير من رواد منابر التواصل الاجتماعي، من استفزاز للوحش المشغول بالأولويات… نعاني من صعوبات الحوار الذي يلوح أقرب إلى تصفية الحسابات. ولأننا في «ابتدائية» الديموقراطية، بل في «حضانتها»، صرنا أحوج ما نكون إلى دروس في تنفس الديموقراطية، أو قلْ في «ديموقراطية التنفس».
حتى اللغة المستخدمة بيننا أفلتت من عقالها وجاورت حضيضنا المخفي والمرئي. في الماضي كانت وسائل الإعلام أكثر مراقبة وإخفاء لحقيقتنا. أما اليوم فصرنا نسمع كل أنواع الكلام البذيء والعنف اللفظي في اختلاط عجيب مع التحاليل السياسية والإجراءات الأمنية.

انتصاب فوضوي في الشارع، فكر مرتبك في الدماغ، وقمامة لا يرفعها أحد.

كل شيء سوف يثمر في أوانه…

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق