مؤتمر عن ضحايا المحرقة من التّونسيّين

في منتصف شهر ديسمبر/كانون الأوّل 2013، انعقد في تونس مؤتمر لإحياء ذكرى خمسة آلاف من التّونسيّين فرض عليهم عمل السّخرة خلال الاحتلال الألمانيّ لتونس بين 1942 و1943. الجهة المنظّمة هي “الجمعية التونسية لدعم الأقليات” و”مؤسسة التفاهم العرقي” (نيويورك). وكان هذا المؤتمر مناسبة لتقديم شهادات عن تعاطف التّونسيّين المسلمين مع بني وطنهم من اليهود… كان حدثا فريدا من نوعه، وإن لم يحظ بالتّغطية المناسبة. فالمحرقة ظلّت طويلا موضوع إنكار واستخفاف في العالم العربيّ، بسبب الظّلال التي ألقت بها القضيّة الفلسطينيّة على اليهود عامّة وعلى اليهود العرب خاصّة. فلعلّها بداية التّمييز بين ما هو إسرائيليّ وما هو يهوديّ، وبداية نفض الغبار على المكبوتات السّياسيّة والثّقافيّة، وبداية فكّ الأغلاق على جزء من تاريخنا وجزء من شعوبنا.

وفيما يلي نسخة من الشّهادة التي قدّمها الدكتور روبرت ساتلوف، ملاحظات المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وقد تحدّث إلى الحاضرين عن طريق سكايب.

“الأصدقاء والزملاء الأعزاء –

يشرفني أن أشارك في هذا المؤتمر الخاص المنعقد لإحياء ذكرى فصل منسي من المحرقة النازية (الهولوكوست) إبان الاحتلال الألماني لتونس واضطهاد الطائفة اليهودية من قبل النازيين والمتعاونين معهم. أهنئ منظمي هذا الحدث الهام، وخاصة رئيسة “الجمعية التونسية لمساندة الأقليات” يمينة ثابت.

يسرني أن أشير بشكل خاص إلى مشاركة بعض من صفوة المؤرخين في تونس، ومن بينهم صديقي العزيز حبيب القزدغلي. إن هذا الفصل المنسي من المحرقة النازية هو، في الوقت نفسه، فصل منسي من تاريخ تونس. أهنئ حبيب وزملائه على جهودهم الشجاعة والضرورية لملء الصفحات المفقودة من كتاب تاريخ بلدهم. فهذه المهمة سوف تعود بالفائدة على جميع التونسيين.

أود أن أقص عليكم قصة. قبل عشر سنوات، تلقيت رسالة عبر البريد الالكتروني من سيدة يهودية مسنة. كنت أعيش في الرباط بالمغرب. وكانت السيدة تعيش في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا. كانت السيدة، واسمها آني بوخريس نافذة الصبر. كانت لديها قصة أرادت أن ترويها لي وتاقت إلى أن تطلعني على جميع تفاصيلها. كانت تلك قصة طفولتها في بلدة المهدية [التونسية] الساحلية الصغيرة التي يعيش أهلها على صيد الأسماك. كانت القصة تدور حول تجربتها أثناء الاحتلال الألماني، عندما صادر الجنود الألمان منزلها وطردوا عائلتها. كانت قصة رجل حذّر والدها من أن ضابطاً ألمانياً معيناً أراد اغتصاب والدتها. كانت قصة ذلك الرجل الذي قرر أن يصطحب عائلته في منتصف الليل إلى مزرعته في قرية التلالسة، على بعد عدة كيلومترات خارج المهدية. كانت قصة ذلك الرجل الكريم العطوف الذي حمى عائلة آني طوال ما تبقى من فترة الحرب.

لماذا تلهّفتْ آني على إخباري قصتها؟ ما الذي جعل قصتها غير عادية إلى حد كبير؟ كان الرجل هو خالد عبد الوهاب، نجل أحد أشهر الكتاب التونسيين، حسن حسني عبد الوهاب. أرادت آني أن تحكي لي قصة مسلم عربي تونسي أنقذ أسرتها من المحرقة النازية. ولكن هل كان ذلك صحيحاً؟

بعد أسبوعين من رواية آني لقصتها توفيت هذه السيدة. لحسن الحظ، سجلْتُ كل شيء على شريط. وقد ذهبتُ بذلك الشريط إلى المهدية، وهي مدينة لم أزرها قط من قبل. وهناك التقيت بأصدقاء طفولة آني، شقيقات خليفة. فهن لم يرين آني طيلة 40 عاماً لكن عندما ذكرت اسمها، قالت إحداهن بدون تردد، “المزرعة – حمى خالد عبد الوهاب آني في المزرعة”. وقد عرفت على الفور أن القصة حقيقية. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم زرت المزرعة التي مكثت فيها آني وعائلتها لشهور عديدة. كانت على النحو الذي وصفتها به تماماً – الأشجار والمنازل وحوض السباحة. كانت آني هناك. وكان خالد هناك. وهناك وقع عمل رائع من العطف والشجاعة.

وتستمر القصة. التقيت بابنة خالد، فائزة عبد الوهاب، التي ورثت جمالها وصلابتها من والدها. كانت فخورة بأنها ابنة رجل عربي مسلم حمى اليهود أثناء المحرقة النازية. وحين صوّرتُ فيلماً عن المحرقة النازية في الأراضي العربية، جاءت معي إلى المزرعة في التلالسة وهناك قابلَتْ ابنة عم آني، إدمي مصليح، التي كانت مع آني في المزرعة عام 1943. امرأة نجت من النازيين تقابل ابنة الرجل الذي أنقذها. كان لقاءً لا ينسى. إنهما تعيشان على بعد أميال قليلة من بعضهما البعض في فرنسا لكنهما لم تلتقيا إلا في التلالسة. واليوم أصبحتا أشبه بالأم وابنتها – الأم اليهودية وابنتها المسلمة.

هذا جزء من تاريخ المحرقة النازية وجزء من تاريخ تونس. وهو يستحق مكانه المنصف في كلا القصتين.

نعم، لقد حدثت المحرقة النازية على أراض عربية. جاء النازيون إلى تونس لقتال قوات التحالف، لكن مع فرنسا الفيشية والفاشيين الإيطاليين، جاءوا أيضاً لاضطهاد اليهود. [وشملت أعمالهم] تطبيق نظام الحصص النسبية والاعتقالات والمصادرات وأخذ الرهائن والتعذيب؛ ومعسكرات العمل والترحيلات والإعدامات. إن كل ما حدث ليهود أوروبا حدث في تونس لكن بطرق مختلفة وبدرجات متفاوتة، باستثناء الجانب الأكثر أهمية مما تخللته المحرقة النازية وهو الإبادة. لكن ذلك يرجع إلى الحظ أكثر منه إلى الإعداد والترتيب. ولو أن الحلفاء لم يهزموا الألمان بحلول شهر أيار/مايو 1943، لكان يهود تونس قد لقوا نفس مصير يهود بولندا.

كان ذلك مصير جلبرت مازوز، طفل معاق من تونس أطلق عليه ضابط ألماني النار دون رحمة أثناء مسيرة إجبارية. كما كان ذلك مصير جوزيف وجان وجلبرت سكيملا، رجال الأسرة الثلاثة الذين خانهم صديق عربي وتم اعتقالهم على يد الألمان وترحيلهم بعد ذلك إلى داخاو وإعدامهم.

وإلى الجانب المظلم من التاريخ، كان هناك أيضاً شعاع نور – قصص عرب ساعدوا اليهود بل خاطروا بحياتهم من أجل حماية اليهود. هناك قصة سي علي سكّات، عمدة تونس الأسبق الذي وفر ملجأ لـ 60 يهودياً فروا من أحد معسكرات العمل الألمانية في خضم المعركة. وهناك قصة حمزة عبد الجليل الذي كان يمتلك حماماً في تونس وأخفى شاباً يهودياً هو جوزيف نقاش، الذي كانت تطارده الشرطة السرية الألمانية وفرً منها هارباً. وهناك قصة خالد عبد الوهاب.

هذه قصص هامة. وهي تستحق أن تبقى في ذاكرة كل من اليهود والعرب. من المهم أن نتذكر قصص الشر وقصص الأمل. فهي معاً تمثل تاريخ الفصل المفقود من المحرقة النازية في تونس.

شكراً للحضور جميعاً هنا اليوم، وشكراً لمن سيقرءون عن هذه الفعالية في الأعوام المقبلة، إن هذا التاريخ لن يُفقد بعد اليوم.

 

شكراً لكم على منحي الفرصة للمشاركة في هذا الحدث التاريخي.”

الرّسالة منقولة من موقع “معهد واشنطن”، 14/12/2013

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق