ثورة على الوصاية الأبوية / محمد شعير

هذه هي الوقائع:

1ـ هل لا تزال نظرية التطور لدارون محرمة في مصر؟ هذا ما قرر رئيس البيت الفني للمسرح فتوح أحمد الأسبوع الماضي.. عندما قرر تأجيل العرض المسرحي «المحاكمة» المأخوذ من نص أميركي يحمل عنوان «ميراث الريح» ويتناول محاكمة مدرس بإحدى المدارس الابتدائية بتهمة الزندقة لأنه درّس نظرية التطور لتلاميذه. مخرج العرض طارق الدويري أبلغ رسميا في البداية بعدم صرف ميزانية العرض، وعليه إخلاء المسرح ليقدم عليه محمد رمضان عرضا آخر. رمضان هو نجم شباك الآن، يعتبرونه نجم المرحلة العشوائية في السينما المصرية، وحققت أفلامه الأخيرة التي ينتجها له محمد السبكي ملايين الجنيهات.. وبالتالي عندما يقدم في مسرح الدولة عرضا سيقبل عليه الجمهور، فإن ذلك يعني عودة الجمهور إلى القاعات المغلقة.. حسب تصورات «العجول الجامدة»!

2ـ مدير جهاز الرقابة على السينما المخرج أحمد عواض كتب على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي منذ أسابيع: «أخوض حربا شرسة في مواجهة الهجوم ضدي بسبب عدم موافقتي على أحد الأفلام.. وأتعرض لأقصى حدود الابتزاز… وسأقف صامدا مهما كلفني الامر… ولن أخون الامانة المكلف بها لخدمة المجتمع مهما زايد على موقفي المدعون… ويزيد إصراري على التمسك بحرية الرأي والتعبير كمبدأ وفي الوقت نفسه مواجهة الابتذال باسم الفن»… العبارة كتبها عواض بعد أيام من توليه جهاز الرقابة وبعد أول أزمة رقابية كانت مثار سخرية كثيرين صنفوا أعمال عواض نفسها باعتبارها «الأكثر ابتذالا في تاريخ الفن» وأبرزها «كذلك في الزمالك» و«أريد خلعا»، «كلم ماما»، و«عوكل» و«بون سواريه»، وغيرها من روائع فنية. أما الفيلم فكان «أسرار عائلية» للمخرج هاني فوزي مؤلف أفلام «أرض الأحلام» و«بحب السيما»، وقيل إن الفيلم إباحي يدعو للشذوذ، وأقيم عرض خاص للنقاد اعتبروا الفيلم جادا أكثر مما ينبغي ليس به منظر أو لفظ جارح يناقش مشكلة المثلية الجنسية لدى شاب مراهق والمتاعب التي يتعرض لها إلى أن يعثر أخيرا على طبيب متفهم يستطيع أن يساعده على «الشفاء».

3ـ القصة الأكثر شهرة هي قصة باسم يوسف صاحب برنامج البرنامج أحد البرامج التي يعتبرها البعض ساهمت في سقوط جماعة الإخوان.. بعد الحلقة الأولى في الموسم الثاني لبرنامج باسم بدأت حملة هجوم أمنية ضده، تطالب بوقفه لأنه يتعدى الخطوط الحمراء، وثوابت الأمة، وينتقد رموزها…. أوقف البرنامج على القناة الشهيرة بعد أن أدى دوره وسقط الإخوان.

4 ـ في تقرير حقوقي حول حالة حرية الرأي والتعبير في مصر صدر عن وحدة دعم الإعلام بمركز الحق للديموقراطية وحقوق الانسان، جاء التقرير بعنوان عنوان «حرية تحتضر»، وجاءت ابرز النتائج التي رصدها التقرير أنه حدث تراجع حاد في حرية الرأي والتعبير في الربع الثالث لعام 2013م، فقد تم تسجيل 5 حالات وفاة لصحافيين ومساعدين إعلاميين أثناء قيامهم بواجبهم المهني. وجاء شهر أغسطس ليسجل أعلى معدلات انتهاك الحق في الحياة للصحافيين بنسبة 75% من إجمالي ما تم رصده، بينما جاء كل من شهري يونيو ويوليو بنسبة متساوية 12%.

5 ـ وزير الإدارة المحلية عادل لبيب تحدث عن قانون لتجريم فن الغرافيتي.. وحبس من يرسمون على الحوائط 4 سنوات فضلا عن غرامات مالية كبيرة.

الردود

الوقائع السابقة شيء.. وما جرى على أرض الواقع شيء آخر تقريبا.

1 ـ طارق الدويري وفرقته قرروا الاعتصام داخل مسرح ميامي، دفاعا عن حقهم في تقديم العرض.. وسرعان ما انضم إليهم عشرات من المثقفين… وبعد ثلاثة أيام تراجع رئيس البيت الفني للمسرح ووزير الثقافة عن قرارهما بوقف العرض. وأكد «الدويري» أن القضية ليست قضية مسرح فقط، ولكنها قضية مصيرية تتعلق بالحفاظ على الهوية الفنية والثقافية، من خلال مقاومة الأفكار الرجعية المؤثرة على الشارع المصري، وذلك بمحاولة محاربة الفن الهابط.

2 ـ رفض هاني فوزي الاستجابة لقرارات الرقابة.. وبدأ في الدخول في معركة ضد الجهاز وتهديداته.. وعرض الفيلم عدة عروض خاصة للنقاد والسينمائيين… وسيخوض المخرج معركته إلى النهاية.

3 ـ باسم يوسف الذي بدأ برنامجه عبر الانترنت قبل أن تتخاطفه كبري قنوات التلفزيونية يمتلك عدة عروض لتقديم برنامجه.. وبإمكانه أيضا أن يعود إلى مكانه الذي بدأ منه… الانترنت!

4 ـ لا أحد بإمكانه أن يمنع فكرة… الموضوعات التي ترفض الصحافة نشرها تجد طريقها بسهولة الى الانترنت.. الفضاء المفتوح بلا حساب… الذي يقلص أو يقتل تقريبا السلطة الأبوية.. ودولة الوصاية. وهذا ما لم تدركه سلطات ما بعد الثورة في مصر حتى الآن. التي تحاول احتلال كل فضاءات البلادة القديمة.

تنسى السلطة الجديدة في مصر، أن الثورة، و30 يونيو إحدى موجاتها، كانت في جانب منها، ضد دولة الوصاية الأبوية، لهذا لم يشعر أحد بالتعاطف بينما كان مرسي يلقى خطابه قبل الأخير والذي استغرق أكثر من ساعتين ونصف، ممسكا بلحيته البيضاء وساخرا من «فتاة كانت قد سخرت منه على تويتر».. قال: اعتبريني زي أبوكي».. لم يكن يدرك مرسي أن مفهوم الأبوة هو ما قامت الثورة من أجله، وأنه مجرد موظف دولة لتنفيذ مطالب الناس.. السخرية من الوصاية الأبوية هي التي جعلت المصريين لا يلقون بالا من تهديدات «الرئيس» في خطابه أو في خطاباته المختلفة.. «سأفعلها.. وها أنا أفعلها».. لم يقل الرئيس «المشلوح» ماذا سيفعل؟ ولكن جرت كلمته سخرية الجميع، حتى عندما فعل وأعلن فرض الطوارئ في مدن القناة.. خرج أهالي المدن الثلاث يرقصون في الشوارع بعد مواعيد الحظر.. خرجوا «ليشاهدوا الحظر بأنفسهم». خطابات «اللجلج» والأبلج.. كانت مادة سخرية ليس فقط سخرية بلا معنى بل سخرية تضرف في العمق من أجل تفكيك تلك الوصاية السلطوية.. حتى أن ساخرا عظيما على مواقع التواصل الاجتماعي مثل سامح سمير كتب معلقا على خطاب مرسي قبل الأخير: «سامح سمير: «وبدأت خيوط اللعبة لإجهاض مظاهرات 30 يونيو والبقاء في السلطة تتضح، هيقعد يخطب 3 سنين»… وكتب بعد رحيل مرسي: «دلوقتي بس الاخوان حسوا بقيمة مرسي، بقالهم اسبوع، بقياداتهم وحشودهم واعدادهم الضخمة بيحاولوا يشلوا القاهرة ومش قادرين بينما مرسي في خطاب واحد لا يتجاوز ساعة كان بيشل مصر بحالها». خطب مبارك تشبهه وتشبه عصره إلى حد كبير، لغته مراوغة، فاسدة، تحمل المعنى ونقيضه، الاستقرار الذي يعنيه هو الجمود، والحرية مجرد كلاشيه يعني فتح مزيد من معتقلات الدولة. العناد خطب مرسي فلم تحمل أي شيء، بلا قيمة تقريبا، وإذا كان مبارك يحمل دكتوراه في العناد.. أسقطها المصريون، فإن مرسي ـ كما قال عن نفسه «ذو جلد تخين استعان مرسي بخطاب مبارك القديم عن الضغوط والمؤامرات والأجندات الخارجية، وأضاف إليه لمسته الدينية بالاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث، كانت خطاباته أشبة بـ«فقي على جبانة».. أي كان خطابا مزدوجا للهيمنة، ولهذا، ووفق هذه المعطيات، كان مجال المقاومة أكبر وأعنف لتذويب سماكة الجلد تلك. حتى إذا اعتبرنا لغة مبارك لغة قديمة، فإن لغة مرسي كان لغة متكلسة فاسدة واجهتها لغة أخرى لا تحتمل المعنى ونقيضه، تتميز بالحسم. وفي الوقت ذاته تسخر من السلطة من أجل كسر هيبتها المتوهمة.

لم يقتل الثوار أعداء الثورة كما كان يحدث في الثورات القديمة، بل قتلوهم بالسخرية، والنكتة، لقد علقوا عبر اللوحة، والأغنية، والقصيدة، والشعار.. هذا الخيال الجديد لا يمكن محاصرته لا باسم الدين كما يريد مدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. ولا باسم السياسة… سقط الإخوان عندما لم يدركوا حتى قبل أن يصلوا إلى السلطة أن مزاج المصريين قد تغير، بعد رحيل مبارك حدثت تلك القصة، كانت إحدى سيارات الميكروباص قادمة من شارع الهرم وتحمل بين ركابها بعض الملتحين، يبدو من هيئتهم انتماؤهم إلى التيار السلفي، أدار السائق أغنية وطنية.. اعترض أحد السلفيين على الأغنية وطلب غلق الكاسيت، السائق أوقف سيارته، وأمر الراكب السلفي بالنزول صائحا فيه: «قضينا 30 سنة في قمع مبارك.. مش حتيجوا انتو كمان تقهرونا..». ماذا ستمنع الرقابة. وهل يمكن أن يكون لها وجود مرة أخرى؟

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق