رقابات تمحو رقابات / سامر محمد اسماعيل

تبدو حدود حرية التعبير في بلدان الثورات العربية أقرب إلى الوهم في ظل تفاقم رقابات عديدة إلى جانب رقابة السلطة، فثمة رقابات عشائرية ودينية واجتماعية تعمل جنباً إلى جنب مع رقابات الأنظمة السياسية، وأدواتها الأمنية؛ لتغدو حدود حرية التعبير أمام عدة أمزجة من القمع يتم تطبيقها مباشرة وعلى رؤوس الأشهاد. النحات عاصم الباشا يعبر عن خيبة أمله هذه فيقول: «لا أؤمن بأي مطلق. ولا أظنّ أن التاريخ عرف يومًا حرية مطلقة للتعبير، لأن هناك دومًا سلطة ما. قد توحي لك، حتى أكثر المجتمعات (تقدّمًا) أنك حرّ في أن تفكّر، وأنت حفًا كذلك، حتى في قبو التعذيب (فأخي نمير، الذي قُتل تعذيبًا في سوريا كان يساعد النازحين في بلاده، حين كان يفكّر أيضًا)، لكن المشكلة هي في إيجاد المنبر الذي يسمح لك بالبوح برأيك؛ فالثورات العربية لم تغيّر من جوهر الأمر شيئًا، ولعل وسائل التواصل الإلكترونية هي الوحيدة (وهي مراقبة أيضًا) التي تسمح اليوم بحيز لقول ما يجول في فكرك بإطار أضيق. كل الثورات انطلقت لأنها تبغي الحرية التي سمعت أو قرأت عنها ولم تعرفها، أو شعرت بضرورة العيش بشكل مغاير، لكن من يثور يحدّ حرية الآخر الذي يخالفه بهذا التفصيل أو ذاك من الرأي، لأنه لم يرضع الحرية ولم يتعلّم ممارستها.

هل ما شهدته بلاد الربيع العربي من انفراجات على صعيد حرية التعبير، لم يكن سوى جانب من الأداء السياسي المرحلي وليس رؤية جديدة وممارسة حقيقية لحرية التعبير وإبداء الرأي؟ الشاعر باسم سليمان يجيب: «الربيع العربي قدَّم الحرّية البافلوفية وقبله قدمتْ الدول العربية الحرّية الجدنوفية. فأظهرت الدولة العربية إعلاماً أحادي الجانب مع مقصّ الرقيب؛ فيما أظهر الربيع العربي إعلام الطائفية والعرقية وسمًّا كثيراً, دُسّ بعض الدّسم فيه, فهل غادرنا ثنائيات التطرّف!؟ أم ما زالت الحرّية هي الغنمة السّوداء, المقصيّة من قطيع الدولة ومن قطعان الثورة؟».

كلّ صوت يدعو لفضيلة الوسطية يُقمع, لكن يُفهم ذلك من السّلطة, لطبيعة السّلطة في منطقتنا العربية؛ لكن ما لا يفهم ـ يضيف الشاعر سليمان: بأنّ «الربيع العربي الذي أعلن حدّه الأول الحرّية, راح يحدّ النّاس على الشّبهة أو دونها, مُقصياً فضيلة الوسطية وفضيلة النقد المُصاحب لأيّة ثورة في العالم, فما معنى أن تُغلق محطات تلفزيونية وأن يُطارد أصحاب الرأي المخالف ويباح دمهم من سلفية تربعت على الربيع العربي بصمت من أصحاب الثورات والحرّية؟ ما المعنى من حرّية تشرعن لسلمية غاندي ومن ناحية أخرى تشرعن للسّلاح؛ ألم يعلم أصحاب الحرّية أن بذر الملح في أرض غاندي يثمر لاختلاف الشرط الوجودي وبذره في أرضنا يقتل؟».

كيف لثورة أن تتهم

أمثلة بسيطة تكشف مقدار الخلل في خطاب بعض الثوريين ـ يتابع سليمان متسائلاً: «كيف لثورة أن تخلع جبّة ألبسها الشعر لسعدي يوسف!؟ كيف لثورة أن تتهم الشاعر الكوني أدونيس بأنه طائفي؛ لا بل تهدر دمه على صفحات الفيس بوك، ملقبةً إياه بالشبيح؟».

كشف الربيع العربي أنّ سؤال الحرّية فيه, أكثر جوهرية وضرورة من السّؤال لدى الأنظمة العربية المُثار عليها؛ لأنّ القمع الممارس بحق الأفراد وحريتهم لدى السلطة تحوّل مع الربيع العربي إلى قمع لفئات المجتمع المتعدد النسيج وحتى إنهاء وجود بعض الأقليات إنْ صحّ التعبير, ففي الأنظمة العربية المُثار عليها كانت صوريّة الدولة تحمي في حدود مقبولة التنوع والاختلاف العقائدي, لا الأيديولوجي, لكنّ مع الربيع العربي تمّ ضرب حريات أساسية عقائدية وليس فقط أيديولوجية ـ يتساءل سليمان مجدداً: «من جعل باسم يوسف ملاكاً وعاد وجعله ملاكاً ساقطاً؛ لا ريب أنّ حالة الإعلامي باسم يوسف تكشف بجلاء عن المُضمر في كلمة الحرّية, ففي اليونان, أول ديموقراطية في العالم وفق الرأي السائد، كانت الحرّية والتصويت ملكاً لفئات محدودة من أصحاب أراض وقادة وعسكريين إلى ما يشبههم وكانت تحرم منها فئات كثيرة أهمها ما كان يسمى بـ«الفارماكوس ـ الترياق» الذي يضحى به في الشدائد، والذي حدث في الربيع العربي أنّه تم التضحية بالحرّية لأجل الحرّية»!

لكن أليس من المُبكر أن نتحدّث عن إخفاقات, أو عن نجاحات, تتعلق بالمهمّات التي شكّلت ألوان الطيف في شعار الاحتجاجات الجماهيرية العربية على مدى أربع سنوات؛ وخاصّة أن المراحل الانتقالية تتسم, على الأغلب, بالزئبقية في تعبيراتها المختلفة. غير أن نظرة فاحصة إلى الاختطاف والقرصنة, التي طالت تطلعات الشعوب العربية وأحلامها, من قبل أيديولوجيا بعينها, يمكن أن تقدّم مفاتيح مهمّة لقراءة الكثير من ارتسامات المستقبل ـ يقول الناقد ياسر إسكيف: «بعدما بدأت الكثير من الوقائع تتكشف عن ممارسات وسياسات تؤكد أن الفكر الإقصائي (كبنية تنحو للانسجام والتماسك) لا يمكنه القبول بأي شيء, إلا كشرط لسيادته وسيطرته؛ ففي الانتقال إلى الوقائع العينية نجد الكثير من الارتكاس في ما يخصّ حريّة التعبير, عبر تجسداتها في السياسة والفن والأدب والصحافة والنشر في البلدان التي أنجزت مرحلتها الأولى, والتي تمثلت في إسقاط الأنظمة الحاكمة؛ إذ تدلّ الوقائع والممارسات (مصر ـ تونس, مثلاً) على محاولات حثيثة للهيمنة على المنابر الإعلامية, من قِبل حكامها الجدد, والتضييق على الفنانين والإعلاميين, والتشهير بهم أخلاقيا, لمنعهم من ممارسة حقهم في استقلالية صوتهم, والاغتيالات التي طالت قادة سياسيين على قاعدة مناهضتهم للفكر التكفيري الإقصائي». يتابع إسكيف: «في البلدان التي تحوّلت الاحتجاجات الشعبية إلى مواجهات مُسلّحه (سوريا كمثال) راح الطرفان يتباريان في فنون الإقصاء والإلغاء والتهميش, أضف إلى هذا ما خلّقته هذه الحرب من أزمة اقتصادية خانقة ساهمت كثيرا في تراجع كلّ المظاهر والنشاطات الإنسانية, تحديدا الأدب والفن إنتاجاً وتوزيعاً. ولا بدّ أيضاً من التذكير بالكارثة التي طالت الكنوز, والمواقع الأثرية. ولا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى كبير عناء للحصول على الكثير الكثير من الدلائل الموثقة. ما يمكن قوله, كمُختصر, أن حريّة التعبير في البلاد العربية التي مسّها التغيير لم تتبدل كثيراً عمّا كانت. بل ان بعض أشكالها قد تراجع تراجعا كارثيا (الإعلام, الفنون), كما لم يتمّ أي تغيير يُذكر في السياسات والأنظمة التي قد تحقق قدراً مقبولاً من الحريّة في التعبير والنشر».

رقابات الثورة

بالتأكيد هناك تحول كبير قد حصل، لكن لم تتخلص «بلدان الثورة» من سلطان الرقابة، فقد أصبحت الأنظمة العربية، سواء تلك التي طالتها موجة ما سمي بالربيع العربي أو تلك التي بقيت خارجها ـ يقول الكاتب السوري نوار قسومة «تبحث عن وسائل جديدة للمراقبة والحد من حرية التعبير والتصدي لمحاولات النقد الموجهة إليها. الاعتقالات والمضايقات والتهديدات والملاحقات القانونية ما زالت وسائل تستخدمها هذه الأنظمة ضد من يحاول تجاوز الخطوط الحمراء؛ وما اعتقال الشاعر محمد العجمي والحكم بسجنه في قطر التي ترعى وتتصدر المروجين للربيع العربي عبر قناتها (الجزيرة) وعبر حكامها سوى مثال حي على ذلك؛ فتوظيف الخوف والرعب والترهيب من قبل الأنظمة العربية ما زال موجوداً وفعّالاً وهو بحد ذاته نوع من الرقابة على حرية التعبير».

هناك اتساع نسبي في هامش حرية التعبير فرضته التحولات التي رافقت الثورات العربية، ساهم فيه مساهمة رئيسية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. لكن إذا ما دققنا أكثر نجد أن الرقابة ما زالت مهيمنة على النتاج الفكري.

المشكلة الرئيسة برأي قسومة هي «أن المثقف العربي في هذه الأيام يجد نفسه بين تيارين متصارعين (في سوريا ولبنان ومصر وغيرها) وعليه بالتالي أن يختار أحدهما أو أن يبقى مهمشاً. وباختياره هذا يلتزم بالدفاع عن التيار وخطوطه الحمراء وتوجهه العام؛ ويهاجم التيار المقابل أو المنافس؛ أي أن حرية المثقف بالتعبير عن رأيه تكون فقط بالهجوم، أما إذا حاول نقد التيار المحسوب عليه فمصيره قد يشبه مصير باسم يوسف في مصر». رأي تسانده فيه المخرجة المسرحية نغم ناعسة فتقول: «في بدايات كل ما جرى كنت دائما شخصاً مترقبا للأحداث وأنتظر أي شيء.. أي خبر.. أية لحظة إنسانية أقوم بها لأكون نفسي.. نفسي الحقيقية.. لكن مع تراكم التفاصيل في حياتنا نحن السوريين تعلمنا دائما من نكون…. تخيل يا صديقي اذاً تفاصيل الحرب، أجل لقد هزتنا الثورات العربية بأعمارنا فقط لا بأدمغتنا؛ فكم تمنينا أن لا نتعرف على ما يفكر به البعض؛ لأنهم كانوا يضمرون عكس ما كنا نتخيل؛ ومع تسارع الأحداث في سوريا ضاقت حرية التعبير؛ فما نحن عليه اليوم يبدو بدون لغة؛ بدون مشاعر؛ لقد أصبح تفكيرنا منحصراً بفكرة واحدة فقط؛ وهي فكرة الموت الخالي من أي شعور اتجاهه؛ نحن اليوم نعمل ونقدم طاقاتنا ونذهب إلى بروفاتنا في المسرح لسبب وحيد فقط؛ لا ليس لفكرة أن نكون موجودين في هذه المرحلة ونمارس حرية التعبير؛ بل لفكرة أننا سنموت بأية لحظة؛ أعتقد أن الهدف الأسمى اليوم هو قتل أنفسنا بأيدينا؛ فنحن نحب المسرح لنموت؛ نعمل لنموت؛ نأكل ونفرح لنموت؛ والأهم من ذلك نراقب بعضنا البعض حد الموت… نعم في سورة الكل يقتل.. والكل يُقتل»!

ثورة وهابية

الكاتب بسام القاضي مؤسس مرصد (نساء سوريا) يرى أن «في بلاده ثورة وهابية أعلنت بلا مواربة برنامجها الديني الأصولي بمستويات مختلفة، أقصاها هو القاعدة، لا يمكن الحديث عن أي تأثير إيجابي لهذه الثورة على حرية التعبير في سوريا. ففي كل ما يتعلق بهذه الثورة، سواء على الأرض حيث تسيطر، أو في وسائل إعلامها (ضمنا التواصل الاجتماعي) برهنت على تضييق شديد على حرية التعبير وصلت إلى حد قطع الرؤوس في بعض الحالات كما حدث في الرقة وحلب، فيما تظهر وسائلهم الإعلامية عداءً شديداً لكل رأي يتمايز عنهم؛ وإن بكلمات فقط حتى إن كان من شخص تابع لهذه الثورة؛ أما على المستوى الحكومي، فالأثر لم يكن على حرية التعبير التي استمرت كما كانت من قبل، إذ نادراً ما تعرّض أحد خلال السنوات التسع الماضية لأي تضييق بسبب رأيه، ومن تعرض للتضييق والاعتقال كان بسبب انتمائه إلى مجموعات سياسية منظمة، وهذا يقع تحت حرية التنظيم لا حرية التعبير. إنما الأثر كان على وسائل الإعلام نفسها، ويعبر أصحاب وسائل الإعلام الخاصة عن قناعتهم التي أوافقهم بها أن الأمر لا يتعلق باتساع مساحة حرية التعبير، بقدر ما يتعلق بانشغال النظام السوري بالمعركة نفسها. فيما لم يتأثر الإعلام الخاص بذلك، إذ بقيت السياسة العامة لها هي سياسة مغلقة على الرأي الواحد، والمرات النادرة التي فتح فيها المجال لغير ذلك كانت ضمن اجتهادات شخصية، وفي سياق محدد يخدم اللحظة الخاصة بالنظام، لا غير».

من جهة أخرى، يؤكد القاضي «أن حرية التعبير الخاصة بكل أشكال الفكر والفن تراجعت بشدة. وتأثرت بشدة الحرب على سوريا التي هدفت إلى تدميرها كدولة ووطن، وليس إلى تغيير نظام أو أشخاص، كما تأثرت بشدة كل أشكال الأدب والفنون التي عبرت (الثورة الصهيووهابية) ـ على حد تعبيره ـ بكل وضوح عن معاداتها الشديدة لها، إلى حد تدمير الآثار والأضرحة وإحراق الكتب وإغلاق النوادي والمنتديات و.. يذكر بهذا الخصوص أن ناشطة مؤيدة للإرهابيين عبرت على صفحتها على الفيسبوك، بجملة ساخرة، عن خيبة أملها من الله، فقامت قيامة شركائها في الثورة ضدها؛ إلى حد أنها هُددتْ علنا بالقصاص».

إن حرية التعبير، بكل أشكالها، هي نتاج حضاري لدولة مؤسساتية تقوم على المواطنة وحقوق الإنسان ـ كما يعرّفها القاضي ـ «وليست برنامجا تلفزيونيا هنا، أو مقالة في صحيفة هناك. وبهذا المعنى يبدو ظاهرا للعيان وموثقا أنه لا يمكن لثورة متخلفة عن النظام القائم نفسه بقرون، أن تكون أفضل منه أو حتى في مستواه من هذه الناحية». لكن ألا تتباين حالات الحراك الشعبي وليس (الثورات) ما بين بلد عربي وآخر؟ ـ يتساءل الناقد نذير جعفر: «في الوقت الذي حافظ فيه هذا الحراك على سلميته في تونس واليمن ومصر قبل استلام الإخوان للسلطة؛ نرى أن ما حدث ويحدث في ليبيا وسوريا يأخذ طابع العنف المسلّح الذي يجهز على بنية الدولة ومؤسساتها، ويعبث بجينات النسيج الوطني بغرض خلق كيانات ذات طابع ظلامي تتحدّد مرجعيتها في التكوين القبلي أو الطائفي أو الإثني. وترتهن القوى المنقادة لهذا العنف المتفجّر لمصالح إقليمية ودولية تمدّها علناً بالسلاح والمال وتدفع بها إلى أقصى حالات العسكرة والاقتتال. وقياسا على هذا، فإن الصراع العنيف الدامي الذي زجت فيه قوى التكفير المجتمع السوري برمّته لم يخلّص المجتمع من سلطان الرقابة؛ بل فرض رقابة أشدّ وأقسى تتجاوز حدود الرقابة على مستوى الفن والأدب والصحافة والنشر إلى الرقابة على السلوك والمواقف وحتى الآراء الشفوية! إلى الحدّ الذي بات يقرّر المسموح والممنوع في القول, والكتابة, والتصريح, وفي اللباس, والمأكل, والمشرب, وفي الاختلاط بين الجنسين, وفي ما يحق للنساء والرجال وما لا يحق بدءاً من منع سباحة النساء وقيادتهن للسيارة ولبسهن للبنطال, وانتهاء بفرض غطاء الرأس على الرجال وتقصير الجلابية»!

شبكات التواصل الاجتماعي

ربما لا نلمس تراجع الرقابة إلا في فضاء شبكات التواصل الاجتماعي؛ ولا يتجاوز هذا التراجع حدود التغاضي عن الشتائم للسلطة والتسعير الطائفي وإثارة النعرات الأقلوية التي تسهم في تذرير بنية المجتمع وإضعاف روحه الوطنية ـ يتابع جعفر: «يسهل هذا التراجع في حرية التعبير الانقضاض على المجتمع وقضمه وتمييع هويته وإضعافه بما يخدم توجهات الدول اللاعبة في المسألة السورية؛ وهو ما لم يعد خافيا على أحد مهما حاول المتواطئون تخريج وتنزيه ما يحدث تحت عناوين براقة؛ فالرقابة الخارجية والإحساس الداخلي بالخوف اشتدّا إلى حدّ كبير عند السوريين؛ وهذا ما يفسر عكوف كثير من الكتّاب والمثقفين عن الكتابة والجهر بالحقيقة أو بما يؤمنون به خوفاً من دفع حياتهم ثمناً لذلك, بعد أن نفّذت قوى التكفير كثيرا من الإعدامات الميدانية لناشطين وكتاب وإعلاميين حتى ممن كانوا يدفعون بعجلة الحراك لمجرّد الاختلاف معهم بالرأي واتهامهم بالعلمنة والكفر, ومن هنا يأتي هذا الانحسار المشهود في حاضنتهم الاجتماعية التي ضاقت بممارساتهم ورقابتهم القمعية التي فاقت أي رقابة سابقة».

من نوافل القول أنّ الأفواه ـ كل الأفواه ـ لا تتقن إلا شيئين: الأكل والكلام, لذلك مزّقت كمّاماتها, صرخت وما زالت تصرخ للحرية والكرامة في الشارع العربي ـ يعلق الكاتب التونسي حكيم مرزوقي: «لن تحنّ مجدّدا إلى تلك الكمّامات أو تطالب بإعادتها إلى غمدها» ثانية. حصّل ما في الصدور… ولا مجال للعودة إلى بيت الطاعة رغم إدراكنا بأنّ الطريق إلى الكرامة معبّدة بـ(كرامات) كثيرة تدهسها أقدام الثوريين والانتهازيين على حدّ سواء. وأهم من يعتقد أنّ نجاح الثورات يشبه الاحتفال بنتيجة (ماتش فوتبول) بعد تسعين دقيقة من اللعب أو في أحسن الحالات: حسمها بالركلات الترجيحيّة من انتخابات وصناديق اقتراع شفّافة لا عهد لنا بها. نعم إنّنا نحتاج إلى بروفات كثيرة لملاقاة جمهور صعب ومتطلّب اسمه: الديموقراطيّة».

حكم الجغرافيا

أما بالنسبة للسوريين، فيقول الشاعر منذر مصري: «الجغرافيا، أقصد، أماكن وجودهم هي التي تحدد، لا حريتهم في التعبير فحسب، بل حالتهم الإنسانية برمّتها. فمن هم في الخارج، سابقاً، ومن سافروا، ونزحوا، وهربوا، وتشرّدوا، ولجأوا.. لاحقاً، يستطيعون أن يعبروا عن آرائهم بحرية شبه مطلقة، أكان ذلك في ما يعلنونه من مواقف سياسية، أو في ما يكتبه بعضهم من مقالات في الصحف. أو في ما يبدونه من آراء على مواقع التواصل الاجتماعي، أهم وأوسع منابر التعبير هذه الأيام. وذلك مع بقاء عدة اعتبارات في حسبانهم، منها أنهم ما زالوا تحت عين النظام، وعلى مدى يده، كما في لبنان تحديداً، أو أنهم قد يضطرون لسبب أو لآخر للعودة إلى سوريا، أو يخشون على عائلاتهم وأملاكهم هناك، وغير ذلك. أما السوريون في الداخل، فللجغرافيا دورها أيضاً، حيث تنقسم سوريا اليوم، أولاً: إلى مناطق خرجت عن سيطرة النظام، ومن المفترض أن تكون حرية التعبير فيها كاملة، إلا أنها لأسباب كثيرة، أهمها تحكم جماعات دينية متطرفة، والحصار الذي تفرضه قوات النظام، باتت تفتقر إلى أدنى شروط الحياة، فما بالك بحرية التعبير. وثانياً: إلى مناطق ما زالت تديرها مؤسسات النظام، وتحت حمايته، وما زالت تصلها الكهرباء، وتصدر بها الصحف، وتبثُّ بها الإذاعة، والقنوات التلفزيونية، وتؤمن بها الاتصالات وشبكة الانترنيت. فمن الواضح أن سقف الحريات بأنواعها قد انخفض إلى أدنى مستوى وصل إليها منذ خمسين سنة. فوسائط الإعلام الرسمية مجيّشة ومستنفرة لمواجهة المؤامرة، ولا مجال لأي تساهل، أو غض نظر. وقد خضع السوريون لقوانين وإجراءات أمنية قاسية، كقانون مكافحة الإرهاب/2012/، القاضي، إضافة للعقوبات الجزائية، بصرف كل عامل بالدولة من الخدمة وحرمانه من حقوقه التقاعدية في حال إدانته بدعم الإرهاب. كما زودت الحواجز الأمنية بقوائم طويلة بأسماء الناشطين والملاحقين بتهم أمنية وسياسية، تقتصر غالباً على الاسم الأول والثاني، دون العمر أو اسمي الأب والأم، وذلك للاعتقال المباشر لمصلحة أحد فروع الأمن، ومنها فرع المعلومات، المكلف بمراقبة وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية. وما سمي بالجيش السوري الالكتروني لمراقبة الانترنيت ومواقع التواصل لدرجة أن السوري الذي يحيا في إحدى المدن الساحلية مثلاً، يخشى أن يضع علامة (أعجبني) على تعليق، أو صورة، قد يفهم منها ما لا يقبل به النظام، فكيف بالتعبير الحر عن رأيه، إذا كان مختلفاً أو معارضاً. لا أظن موضوع الرقابة وسلطانها في سوريا مطروحاً بجدية من قبل أي طرف، مواضيع أخطر بكثير تفرض نفسها محله، اليوم. وأظن النشاطات الفنية المحدودة، التي يقوم بها أصحاب نظرية: (لا بد للحياة أن تستمر)، في اللاذقية على سبيل المثال. وبعضها يحاول أن يبدو كأنه يواجه بعض جوانب المأساة السورية، وإن بخجل وتردد، فإنها، في المحصلة، مثل كل شيء، تزحف جميعها تحت ذلك السقف المنخفض الذي ذكرت. فكما اللاذقية إحدى المدن التي تشملها صفة (تحت حماية النظام)، وهذه حقيقة على الجميع الاعتراف بها، فإنها، وعلى الجميع الاعتراف بهذا أيضاً (تحت رحمته)».

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق