ما بعد الدين

يقول المهاتما غاندي : “أبشع الجرائم هي تلك التي ارتكبت تحت غطاء الدين أو دافع مشابه.. (أما) الله فليس له دين”. وهو تعبير مشابه لقول الكاتب طوماس بين : “أعظم الآلام التي أصابت الجنس البشري هي تلك التى كان لها جذور دينية”، نجده كذلك لدى الرياضي بليز باسكال عند قوله : “لا يرتكب المرء الشر كاملا وببساطة مثلما يرتكبه بناء على عقيدة دينية”. أما الروائي دان براون فله وجهة نظر أخرى بقوله : “لقد تصدّع الدين لأن الإنسان نفسه مُتصدّع”.

لقد اختلف المفكرون بينهم في من اعتبر أسباب الشر والجهل والمآسي التي عايشها الجنس البشري كانت بسبب الدين، وبين آخرين يرون أن الأصل يعود الإنسان الذي يخفي غرائزه الوحشية تحت أغطية دينية. وسواء كان الدين هو ما يحفز هذه النزعات الوحشية أو أن الإنسان يستغل الدين كوسيلة ـ اعتُمدت قديما لتنظيم التجمعات الإنسانية حتى تتعايش بتوازن وسلام، مثلما كانت الأسطورة الطريقة الوحيدة لتفسير نشاط الطبيعة والوجود ـ ليبرر أفعاله وتصرفاته العدوانية ضد الغير، فإن الواقع بات يُحتّم تجاوز الأحكام الدينية المبنية على الضد والتقسيم والصراع، داخل منظومة عالمية أصبح ينظر فيها للإنسان كإنسان بغض النظر عن توجهاته الفكرية واختياراته العقدية وكذلك أصوله العرقية وانتماءاته الجغرافية، صارت الأهمية للإنتاج الإنساني المساهم في التنمية وليس للمعتقدات المحصورة، التي يتشبت فيها البعض بالشوفينية الخاصة معززين بذلك رؤاهم العنصرية على باقي المكونات الثقافية بالرفض أو الإلغاء أو حتى التدمير رغم أنها قد تخدم مصالح الإنسان. صنف من هذا النوع سيدخل في رؤية الرئيس الأمريكي السابق طوماس جيفرسون لرجال الدين، الذي يعتبر أن دورهم لا يتجاوز أكثر من “استغلال جهل العامة لفائدتهم الشخصية” لأن الدور هنا لا تتضح من خلاله أي منفعة عامة تخدم مصالح الإنسان وتساعد على التعايش، والواقع الحالي بات يفرض ـ بتعبير المفكر عابد الجابري ـ “ممارسة النقد ليس لأجل النقد، بل من أجل التحرر مما هو ميت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي” لا تخصيبه أو مباركته ! ، لأننا كما يقول المفكر غادامير : “نعيش في حضارة تُزَعزِع فيها التحدّيات التي نواجهها تراث الحقائق الذي يعتمد عليه فكرنا”، وبالتالي فقد “تجثم تقاليد كل الأجيال الميتة مثل كابوس على دماغ الأحياء” فتكبله .. كما يشير ماركس.

وحتى لا يقع العقل رهينة للماضي وإشكالاته، فإنه يلزمه الانطلاق والتجاوز والانفلات لرسم معالم مستقبلية كمخطط يبدأ من الحاضر يمهد الطريق لحلول الآت وهو الواقع البديل المرغوب عن الواقع الحالي الغير مرغوب، كحركة تاريخ تتشكل انطلاقا من (رؤى) المستقبل وليس من الماضي، كما بمفهوم التاريخ لدى المفكر مراد وهبة.

ما بعد الدين ليس الإلحاد، لأنهما متجاوران، والإلحاد مقترن بالدين. وعندما نقول “ما بعد الدين” إنما نشير لتجاوز الاختلافات الفكرية نحو المشترك الإنساني، فالقضاء على الدين لا يعني انتشار الإلحاد، كما أن سيادة الدين لاتعني كذلك أنه تم القضاء على الإلحاد. فبتاريخ الأديان والمجتمع الإنساني لم يتفق البشر يوما حول مفهوم موحد، فكل دين عرف مكذبين ومتسائلين ومجدفين وزنادقة ومهرطقين، وكل دين انقسم إلى أديان وفئات وطوائف، وكل جماعة دينية رأت في الأطراف المخلتفة معها حول أمر من أمور الدين أو حول كافة معطياته اجمالا، مرتدين أو من الملحدين.

يشير ميتشو كاكو ـ أستاذ مختص بمجال الفيزياء النظرية ـ إلى ثلات مستوايات حضارية وهي :

1 ـ الحضارة الكوكبية (تعاون وتواصل البشر).
2 ـ الحضارة النجمية (غزو الكواكب).
3 ـ الحضارة المجرية (الانتقال والسفر في الفضاء).

ويلمح إلى أن الجنس البشري يعيش مرحلة الانتقال من الحضارة الصفر إلى المستوى الأول وهو الحضارة الكوكبية، فهناك عدة إشارات توحي بنجاح هذا الانتقال، منها ظهور الانترنت التي سهلت التواصل والتبادل المعلوماتي على مستوى العالم، كرة القدم كرياضة كوكبية يمارسها ويتنافس حولها جميع سكان كوكب الأرض حتى أن هناك من يسميها الدين الجديد كممارسة يتشارك فيها الجميع، الإنجليزية كلغة كوكبية يمكن أن تتحدث بها في أي بقعة بالأرض، الاتحاد الأوروبي كدول ـ تقاتلت في الماضي فيما بينها لكنها ـ استطاعت إنشاء اقتصاد موحد. كل هذه وغيرها إشارات إلى توجه الجنس البشري نحو انتقال للمستوى الحضاري التالي، والذي سيكشف عن رؤى إنسانية متشاركة، تسامح وتعدد ثقافي يساهم في ازدهار الكوكب ونشر الرفاهية والخير والمعلومة لصالح الجميع.

غير أنه يضيف بأنه في المقابل هناك خطر يهدد هذا الانتقال، وذلك نظرا لأن الجنس البشري لازالت تحكمه النزعات القبلية المتوحشة والتعصب الفكري ورفض المخالفين، زيادة على أنه يتوفر على اسلحة متطورة وقنابل نووية. مايعني أن ذلك ليس فقط يعطل الانتقال نحو ثقافة كوكبية بل ويهدد الوجود الإنساني كإشارة للانتحار الجماعي أو تدمير الكوكب.

ورغم أن هناك مؤشرأو جانب إيجابي يشير لنجاح التعاون البشري نحو تطوير الحضارة، فهناك بالمقابل جانب سلبي يهدد بتدميرها ويتجلى في الإرهاب، الذي يُعرّفه ميتشو كاكو بأنه انفعال مضاد لعملية ميلاد حضارة من المستوى الأول، كعالم مبني ومُؤسس فقط على رؤية دينية أحادية تلغي كل اختلاف أو تحديث حتى لو كان فيه صلاح للبشرية، بل حتى لو أدى لتدمير الكوكب في مقابل تتبيث تلك الرؤى كرؤية وممارسة حياتية.

فيقف كاكو عند سؤال : أي من النزعتين ستكون لها الغلبة ؟
طالما أننا نقف على أعتاب : إما الانتقال نحو المستوى الحضاري التالي، أو التقهقر الحضاري والعودة من الصفر.

ما بعد الدين، لا يعني القضاء على الدين، فهذا الأخير يعتبر ضرورة حياتية عند الكثير، مثلما يعتبر قيدا عند الملحدين. ما بعد الدين إشارة لتجاوز خلافات الدين لتأسيس وعي تشاركي إنساني، فالدين سيظل حتى لو انتشر الإلحاد على مستوى الكوكب، فبعض من المحللين النفسيين لجؤوا للروحنيات كالتاوية والزن، رغم أن التحليل النفسي يرى الدين مجرد “إسقطات نفسية” لشخصيات اجتماعية معينة وهي “الأب والأم” أوجد لها الإنسان مقابلا مطلقا بالسماء هو “الاله” وذلك برفعها هناك. فالاله من هذا المنظور هو “الأب والأم” الذي يرعى الأمور الحياتية للإنسان، ويجيب عن مايعجز عن فهمه. إلا أن ذلك لم يمنعهم من التدين الروحي. هذا الأخير بما يوفره من أمان وانتماء للعالم والإنسان.

ما بعد الدين إنما هو التجاوز للصراعات السطحية وخلافات التدين المظهري. ولأجل السيطرة عليها .. وكما بمفهوم غادامير فإن السيطرة على المنهج يكون عبر تجاوزه. والتجاوز يتحقق عبر النقد. وكما يضيف غادامير فإن : “النقد موجود في كل فكر حقيقي، ولا وجود لفكر دون مسافة تتجلّى في كل موقف للمساءلة. ولا وجود لسؤال دون وعي بأن لكل سؤال إجابات عديدة ممكنة”(1).

سُأل الناقد والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو :
ـ ألست في الواقع الكاتب الاكثر إلحادا اليوم ؟

فكان جوابه : “بما أني لا أؤمن بوجود ملحدين حقيقيين فإني لست قادرا على الإجابة. لنقل أنه إذا كانت لدى غيري من الروائيين مشكلة مع الله فأنا على عكسهم. طبعا إنني أمزح.
لكنني أريد أن أوضح الأمر. كنت كاثوليكيا ثم فقدت عقيدتي، لكن هناك فرق عميق بين عدم الإيمان بالله البتة وبين القول بإن الله غير موجود. هناك نوع من المقاومة العميقة لهذا التجديف.
لكننا عندما تخلّينا عن التعصب قائلين”إن الله موجود، إذن يحق لي قتلك“لايمكنك بالمقابل قبول تعصب القائلين”إن الله غير موجود، ولهذا السبب أنا الذي أقتلك“.
إذا كنا نعرف ما إن كان الإله موجودا أو غير موجود، فلن تكون هناك فلسفة أو تيولوجيا *”(2).

هوامش :

* تيولوجيا : علم اللاهوت أو الفقهيات – الدراسات حول أمور الدين ومفهوم الاله.

1 : حوار فيليب فورجيه وجاك لويدير (نشر بجريدة “لوموند” 1981/04/19)، ترجمة محمد ميلاد ـ مسارات فلسفية عن دار الحوار.

2 : حوار جون جاك بروشييه و ماريو فوشكو (نشر بماغازين ليتيرير 1989م)، ترجمة محمد ميلاد ـ مسارات فلسفية عن دار الحوار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This