أفكار البابا الجديد المعادية لسلطة المال هي تحدّ للكهنوت المسيحي والإسلامي أيضا / جهاد الزين

يطرح البابا فرنسيس الأول، بأفكاره وسلوكه معا، تحدّياً كبيرا لا على رجال الدين الكاثوليك فقط ولا على رجال الدين من الطوائف الأخرى المسيحية الأرثوذكسية والبروتستانتية، بل أيضا على رجال الدين المسلمين من كل الطوائف.

هذا التحدّي، يتعلّق بمساس بابا روما الجديد بل بمواجهته، فكرا وبعض سلوك حتى الآن، علاقة رجال الدين، أفراداً ومؤسّساتٍ أينما كان، بالمال. فالصورة التي استفحلت للمرجعيات الدينية، أعني الكثير منها في العالم، هي صورة التحالف بينها وبين القوى المالية، أو الأدق السلطات المالية سواء على المستويات المحلية أو الخارجية.

لدى هذا البابا، أول بابا يسوعي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، الذي افتتح عهده بابتسامةٍ عندما أطلّ فور إعلان انتخابه بالقول “ذهب الإخوة الكرادلة وجاؤوا ببابا من أقاصي الأرض”، لديه أفكار جديدة أو بالاحرى غير تقليدية عديدة حول المرأة والجنس واقتصاد السوق الحرة، “لكن تميّزه الأكبر حتى الآن هو دعوة رجال الكنيسة الكاثوليكية بأعلى وأدنى مراتبهم إلى التوجه للفقراء وخدمتهم. وأرفق دعوتَه خلال الأشهر التي انقضت على انتخابه بعدد من الممارسات الشخصية التي جعلت من هذه الدعوة ذات تأثير إيجابي صارخ في العالم.

يعنيني كمسلم ما يفعله البابا لأن تغوّل المال والمصالح الرأسمالية في العالم المعاصر يمتدّ إلى أبعد من علاقة الكنيسة بالثروة والتوزيع الاجتماعي لهذه الثروة. فنحن في زمن تسييس بل أدلجة غير مسبوقة للدين الإسلامي مما جعله، رموزا ومؤسسات، أكثر عرضة لتحالف المال والسلطة. طبعا هناك دائما حالات مشرّفة من التفاني الجَماعي والفردي لرهبان وقساوسة وعمائم مسلمة في كل أنحاء العالم… إلا أن الظاهرة التي يجابهها البابا الجديد هي أعمق من مجرد التمييز بين الحالات.

واجهت الكنيسة الكاثوليكية تحديدا وكنائس أخرى ازماتٍ أخلاقية باتت معروفة هزّت مصداقيّتها وفعاليّتها بشكلٍ مدوٍّ في العقد الأخير. بهذا المعنى تبدو”ثورة“البابا فرنسيس، الذي يحمل معا قوة الانضباط والكفاءة اليسوعيتين وحرارة الإحساس الاجتماعي لأميركا اللاتينية، ضرورة باتت تتعلّق بوجود الكنيسة نفسه في بيئة أوروبية- غربية أنجزت مسافتَها السياسية بشكل كامل عن الكنيسة على مدار القرون المنصرمة وفصلت فصلا حقيقيا بين”قيصر“و”الله“. مما يؤدي إلى أن تكون جاهزيتها للحكم الأخلاقي الصارم على السلوك الكنسي هي جاهزية حيوية وفعالة.

في العالم المسلم نحن نعيش مدّاً تاريخيا معاكسا لما حصل في أوروبا والغرب، هو مدّ الإسلام السياسي الأيديولوجي الذي يطرح مهمّة رئيسية وحاسمة له هي السيطرة على السلطات السياسية في البلدان المسلمة أو ذات الكثافة المسلمة. هذا يعني بالضرورة تراجع القيمة الأخلاقية لصالح القيمة السياسية. فالمال والعنف كضرورتين استراتيجيّتين لـِ”المشروع“يستبعدان فورا أولوية الحكم الأخلاقي ويفتحان، كما يحصل فعليا منذ حوالي أربعة عقود، على ممارسة غير أخلاقية هي الممارسة السياسية العنفية وعلى صلة جشعة برأس المال.

لا أخصِّص ولكني أعمِّم (من عام) لأن التعميم لا يعني الحكم على الجميع كأفراد، وإنما لا غنى عنه في توصيف فداحة ما آلت إليه أدلجة الدين من عنف وتسييس غير أخلاقي للدين في العالم المسلم ولاسيما في نقاطه الساخنة حيث يستفحل مدُّ الإسلام السياسي منذ الثورة الإيرانية والحرب الافغانية في ثمانينات القرن المنصرم… حدثان أطلقا موجاتٍ في العالم المسلم السني والشيعي تجاوزتهما وأنتجا حاليا”سرطانية“اجتماعية وسياسية ورأسمالية مع الفكر الأصولي المتشدّد. لقد أصبح ديننا مصدر ومسرح استخدامٍ عنفي وغير أخلاقي يهدد نمط حياتنا مما يطرح على النخب الليبرالية والعلمانية، المتدينة وغير الدينية، في العالم المسلم مهمة الاستعادة الأخلاقية لهذا الدين بما هي مفتاح لاستعادته بما ينسجم مع ماضيه كقوة تنوع حضارية. ولعل الصدام البادئ بين قوى عديدة اجتماعية وفكرية وسياسية مع تيارات”الإخوان المسلمين“في مصر هو أولى ظواهر احتمال تراجع عميق بادئ للإسلام السياسي في الجيل المقبل حتى بين الذين من”الإسلاميّين“يناصبون”الإخوان“العداء اليوم. فتراجع الظاهرة يُقاس أيضا بانفجاراتها الداخلية وليس فقط بتزايد أعدائها.

تعرّض الجشع السلطوي-المالي للكنيسة بين القرن السادس عشر و القرن الثامن عشر إلى تحطيم فكري وسياسي جعل من غير الممكن عودته. الجشع السلطوي للكهنوت الإسلامي المعاصر والمنتشر لم يتعرّض إلى هذه التجربة على المستوى الفكري.

حذّرت مجلة”تايم“التي اختارت البابا فرنسيس”رجل العام“من مخاطر الدور الذي بدأه هذا”البابا الآتي من آخر أصقاع الأرض“على مصير البابا نفسه بسبب قوة بنية الفساد المالي حتى داخل الفاتيكان (متّهمة”بنك الفاتيكان“بذلك تبعا لتقييم – ضمني – في وزارة الخزانة الأميركية) وسألت”نيوزويك“هل هو”اشتراكي“؟

أيّاً تكن الأجوبة على هذه الأسئلة، لدينا الآن بابا في روما”يكره” المال.

عن جريدة النهار البيروتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق