تونس تُصحِّح “الربيع العربي” وتتقدّم تاريخَنا الدستوري / جهاد الزين

بينما يمتلئ المشرق العربي بعواصف الأخبار غير الجيِّدة بل السوداوية يبدو أننا – وليس التوانسة فقط – أمام خبرٍ جيِّد جدا يأتينا من العاصمة التونسية بل هو خبر “استراتيجي” بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. الخبر هو انطلاق البرلمان التونسي، فصلاً فصلاً (أي مادة مادة) في إقرار دستور تنتجه نخبة مسلمة طبيعية من إسلام طبيعي … ولا بد من استعمال هذا التعبير.

لقد كانت البداية مدوّية بحجم النهاية المنتظرة في 14 كانون الثاني الجاري. فـَ “الفصول” التي أقرها المجلس التأسيسي التونسي (البرلمان) من مسودة الدستور الجديد، وبالتالي لم تعد هذه الفصول مسودة بل أصبحت نصوصاً منجَزة، تُشكِّل بلا أي مبالغة منعطَفا هائل الاهمية لا في تونس وحدها بل في كل الوضع العربي والثقافة السياسية العربية.

لقد أقرّ المجلس التأسيسي المبدأين التاليين في زمن تسيطر فيه على الحكومة التونسية حركة إسلامية وعلى المناخ السياسي العربي مدٌّ أصوليٌّ يُنتج أكثر أنواع التطرف الديني العنفي تطرفاً… أقر هذا المجلس المبدأين التاليين:

“مدنية الدولة” المرفقة بعدم وجود أي إشارة إلى أن الإسلام هو المصدر الأساسي للتشريع. النص جاء كالتالي حرفيا:

الفصل 2: تونس دولة مدنيّة، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعُلوية القانون.

أما المبدأ الثاني فهو أن الدولة هي حامية ليس فقط لحرية المعتقَد وممارسة الشعائر الدينية بل أيضا لـ“حرية الضمير”. وجاء حرفيا كالتالي:

الفصل 6: الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. (وهناك اقتراح داخل المجلس بإضافة نص على هذا الفصل يُجرِّم “التكفير” لم يتضح مصيره بعد).

مع هذا الإقرار تنتقل تونس من رائدة في إطلاق شرارة الموجة الأولى من موجات “الربيع العربي” في الايام الأخيرة من عام 2010 إلى رائدة أولى في تصحيح مسار هذه الموجات في الدول العربية. فبعد أن تحوّل “الربيع” إلى مسرح لهيمنة التيارات الاصولية على الحياة السياسية العربية مترافقاً مع انهيار بعض هذه الدول كما في سوريا وليبيا ها هي تونس على أبواب تقديم نموذج مضاد مختلف: دستور علماني ديموقراطي بكل ما تعنيه الكلمة عبر التركيز غير الملتبس على “مدنية الدولة” دون أي عقدة ثقافية سياسية في بلد مسلم بكامله فيجري استبعاد حتى الإشارة التي تُعتَبر “معتدلة” في بعض الدول وهي أن الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع!

أما النقطة الثانية فيكاد لا يصدِّقها المراقب العربي من خارج تونس لانه لا سابقة مطلقا لوجودها في أكثر الدساتير علمانية التي شهدها ماضيًا العالم العربي، وهو قطعا الدستور التونسي في العهد البورقيبي. فقد ورد في نص الفصل السادس المنشور أعلاه أن “الدولة كافلة لحرية… الضمير”. قد لا ينتبه بعض القراء العرب إلى ثورية إيراد هذا التعبير “حرية الضمير” الذي يعني ليس فقط حرية العبادة بل حرية اعتناق العقيدة التي يريدها المرء. وللشيخ راشد الغنوشي وجهة نظر مكتوبة قبل استلام الحكم تعتبر مفهوم “الردة” الذي يستوجب القتل مفهوما سياسيا أي الانقلاب على الدولة المسلمة وليس مفهوما عقائديا أي تغيير الإسلام كدين. لقد سمعتُ شخصيا في ندوة مركز دراسات الوحدة العربية التي أقيمت في تونس قبل عام ونيف كما سمع غيري من الشيخ الغنوشي مباشرةً إعادة تأكيد على مفهوم “سياسيّة الردة” وليس “عقائديّة الردة” ولكني أعترف هنا أنني لم اتصوّر لحظة بأن الشيخ الغنوشي سيجرؤ على تأييد النص على هذا المفهوم في الدستور التونسي نفسه عبر تعبير “حرية الضمير” التي يتبناها الفاتيكان في وثائقه. وسبق للبابا السابق في وثيقة سينودس كنائس الشرق الأوسط أن انتقد “العوالم العربية والتركية والإيرانيّة” بأنها رغم تبنّيها لحرية ممارسة الشعائر الدينية لكل الأديان غير انها ترفض “حرية الضمير”.

من المفيد التذكير بالتاريخ الغربي لهذا المصطلح: “حرية الضمير” من حيث تطوّره كمفهوم ديني مع توماس الإكويني في الكنيسة الكاثوليكية إلى تحوّله إلى أساس في الفكر الديني البروتستانتي منذ تمرد لوثر إلى دعوة كالفن حتى تكرّس كمفهوم سياسي مع الفيلسوف جان لوك من حيث عدم جواز سلطة الدولة على معتقدات الأفراد حتى تبنّيه في الفكر السياسي الأميركي الذي أسّس الدستور الأميركي. وهو في الحصيلة المعاصرة حق الفرد وحده في تقرير معتقده الديني (راجع الفصل المتعلّق بتاريخ المصطلح في الصفحات 27-33 من كتاب المفكر السياسي الحقوقي الأميركي نواه فلدمانDivided By God الطبعة الأولى عام 2005 في نيويورك منشورات Farrar, Straus and Giroux).

هذا المنعطف في التاريخ الدستوري العربي الذي نشهد بدايته في تونس يستوجب عددا من الملاحظات:

1 – أيُّ ثقة بالنفس يعكسها مجتمع مسلم حين يقر “مدنية الدولة” و“حرية الضمير” بشكلٍ لا التباس فيه! مجتمع لا ترى نخبته المتنورة أي خطر على الإسلام الراسخ كقوة ثقافية عميقة في كل العالم. هذا فعلُ ثقة جديد بـ“النفس” بما هي الشخصية الاجتماعية للبلد تفتتحه النخبة الليبرالية العلمانية والإسلامية في تونس في مواجهة تيار أصولي مذعور حضاريا ويريد أن ينشر الذعر بين المسلمين عبر قتلهم قبل قتل غيرهم.

ولنتذكّر أن الفصل الأول من الدستور التونسي الجديد أعاد بدون أي تعديل تبنّي النص الذي وُضع في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة وهو التالي:

الفصل الأول: تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها.

يَرِدُ تعبيرُ “دين الدولة الإسلام” في هذه الحالة بشكل طبيعي ومنطقي أما التشريع ومدنية الدولة فهما يستلزمان، كما يجب أن يحصل في كل دولة ذات مجتمع مسلم كامل كتونس (كان فيه أقلية يهودية محدودة ومزدهرة قبل تأسيس إسرائيل وبعده قليلا)، يستلزمان معاييرَ غيرَ دينيةٍ ولا يستطيع الدين أن يلبّيها أصلا. هذا يجب أن يُقال بشجاعة كافية كما فعلت النخبة التونسية في موقفها الدستوري الرائد فعلا. ولوحظ أن أحد فروع “حركة النهضة” في العاصمة (باب البحر) حاول تعويض خسارته في غياب النص على الشرع الإسلامي كأحد مصادر التشريع بإعطاء أهمية تعويضية لمصطلح “الإسلام دينها” الوارد في الفصل الأول وهو ليس أكثر من إعلان ضروري مأخوذ من الدستور السابق عن حقيقة اجتماعية وثقافية في المجتمع التونسي مفصولة قطعا عن مسألة التشريع.

2 – يجب في لحظة كهذه نزع القبعة احتراما والانحناء أمام التجربة الخاصة الحكيمة التي تنتهجها “حركة النهضة” الحاكمة بشكلٍ إئتلافي منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة. هذا لا يمنع وجود تيار أصولي متشدِّد داخلها كانت آخر محاولاته خلال مناقشة الدستور تهديد أحد نوابه لنائب علماني إلا أن المهدِّد اضطر للإعتذار وسط ضجة كادت توقف مناقشة الدستور وحُسِمت بسرعة في مجتمع سياسي بات مرضوضا وحسّاساً من الاغتيالات السياسية التي استهدفت علمانيين ويساريين وردّت عليها أجهزةُ الأمن التونسية بقوّة ضد السلفيّين المتطرّفين.

3 – التحية الأخرى الكبيرة بل الأكبر هي للكتلة العلمانية التونسية والتي يسمّيها البعض بـ“الكتلة الاجتماعية البورقيبية” أي التي بنتها التجربة العلمانية لعهد الرئيس بورقيبة. لقد ناضلت هذه الكتلة، نساءً ورجالاً (وتحية خاصة للنساء)، في السنوات الثلاث الأخيرة وبشكل ديموقراطي ودؤوب وصلب لمنع الانحراف الأصولي داخل السلطة وخارجها. وها نحن اليوم نشهد على، ونستفيد من، إنجازٍ علماني غير مسبوق حقّقتهُ. لا بل يمكن القول أن العلمانية المؤسَّسة بقيادة بورقيبة كانت غير ديموقراطية أمّا مع الإنجاز الدستوري الكبير فقد أصبحت علمانية ديموقراطية.

4 – نفتقد مصر في “لحظة” دستورية كهذه… مع أنها تخوض عمليا المعركة الكبرى ضد التيارات التكفيرية. وفي ما يتخطى نجاح الجيش المصري الأكيد في منع الحرب الأهلية في مصر مستندا إلى ثقافة سلمية عميقة للمجتمع المصري… في ما يتعدّى ذلك فإن ما تشهده مصر حاليا رغم تجدّد مظاهر “عسكرة” البيروقراطية المصرية قد يكون في العمق هو التأسيس الفعلي المستقبلي لقيام دولة مدنية… بات بإمكاننا اليوم أن نقول قيامها بـ“المعنى التونسي”…

لا شك أن الصيغة الحالية لمسودة الدستور المصري تُعتبر انتكاسة من زاوية التباس معنى الدولة المدنية بسبب اضطرار التحالف المدني الليبرالي مع العسكر إلى تقديم تنازلات “مؤلمة” للتيار السلفي مقابل انضمامه وبقائه في هذا التحالف… غير أن الكثيرين من النخبة الليبرالية العلمانية المصرية يراهنون على أولوية الانتصار الميداني على الارض على “الإخوان المسلمين” والتكفيريين كمعبر لا غنى عنه لتكريس فكرة الدولة المدنية مع العِلم – وهذه مفارقة – أن حاجة الحداثة المصرية لفكرة الدولة المدنية أكثر إلحاحا مما هي عليه في تونس بسبب الثنائية الدينية المسلمة المسيحية في مصر وهو وضع غير موجود في مجتمع كامل التجانس الديني وحتى المذهبي (المالكي) في تونس باستثناء أقلية أباضية مسلمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق