مسارات إلى الحرية: 3 عناصر تفرض نفسها في التحول الديمقراطي

تحتاج الثقافة العربية، في المجال السياسي بالذات، إلى مِثل هذه النوعية الشاملة الجامعة من الكتب. وإذا كان هذا الكتاب قد جاء ثمرة لجهود كوكبة متنوعة من الأكاديميين الذين تعددت اختصاصاتهم وتباينت تجاربهم البحثية والميدانية، فقد جاء عنصر التنوع في فصول وصفحات واهتمامات الكُتاب كي يشكل عامل جذب، إن لم يكن عنصر إثارة، لاهتمام القارئ العادي بمعنى غير المتخصص، وهو ما يفيد بأن موضوع هذا الكتاب يدور بالدرجة الأولى على محور التحولات الديمقراطية التي شهدتها، وما برحت تشهدها، بلدان شتى في طول العالم وعرضه (يدرس الكتاب 8 دول في القارات الرئيسية الأربع أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، حيث تجمع بينها، كما يوضح المؤلفون، أواصر التحول الديمقراطي فيما تتباين مآلات تجاربها في هذا المضمار بين الفشل والنجاح، وبين التجريب والتنظير، وإن كان هذا كله يشكل دروساً يمكن أن تفيد سائر الأطراف في العالم.

من هنا يحمد النقاد لهذا الكتاب أنه يمكن أن يصلح دليلاً للمواطن العادي والمشتغل ـ العادي أيضاً ـ بالعمل السياسي فكراً أو ممارسة أو دعوة أو نشاطاً، خاصة وأن مضمون الكتاب، بفضل رصانة مؤلفيه فضلاً عن استناده إلى معلومات ميدانية وبيانات إحصائية، جاء بعيداً عن مغبة الأسلوب الدعائي البعيد عن موضوعية البحث العلمي.

المسارات التي يتناولها هذا الكتاب هي مسارات تفضي إلى الحرية. وهي الطرق التي ما برحت تقطع معالمها شعوب عديدة في طول عالمنا وعرضه من أجل أن يعيش أفرادها حياتهم في ظل ما هو جدير بإنسان العصر، بل وكل إنسان على ظهر البسيطة من كرامة العيش ومن استقرار اليوم، والأمل في أن يكون الغد أفضل.

وفيما يودع العالم خلال الفترة الراهنة زعيماً في قامة نيلسون مانديلا، فما زال المثقفون والقارئون والمحللون السياسيون يذكرون كيف عمد الزعيم الأفريقي الكبير إلى تسجيل قصة حياته وملاحم كفاحه الطويل في كتابه الذي اختار له عنواناً يقول بما يلي: المسيرة الطويلة إلى الحرية.

وفيما عمد مانديلا ومحررو كتابه إلى اختيار لفظة المسيرة (March) فهناك من أحال هذا الاختيار أيضاً إلى ما سبق إليه زعيم تاريخي آخر ـ آسيوي هذه المرة ـ وهو ماوتسي تونغ (1893 ـ 1976) في اختيار اللفظ نفسه ـ المسيرة ـ كي يصف به وقائع الحراك الشعبي الذي قاده ماوتسي تونغ مع رفاقه على مدار الفترة 1934 ـ 1935 وضمت المسيرة التي يصفها تاريخ الصين الحديث بأنها الكبرى نحو 90 ألف إنسان، قطعوا خلالها أكثر من 9700 كيلومتر عبر أراضي وطنهم الصيني من الغرب إلى الشمال، وكانت بدورها مسيرة من أجل وضع الصين على طريق واعد جديد تجسدت أولى معالمه ـ كما هو معروف ـ في إقامة دولة الصين الشعبية في عام 1949 ومن ثم تمهيد الطريق عبر سنوات النصف الثاني من القرن العشرين لتحويل الصين إلى دولة كبرى فاعلة بكل مقياس في مضمار التنمية والإنتاج في العالم الذي نعيش فيه.

وسواء انطوى الأمر على مسيرة ماو الكبرى أو على مسيرة مانديلا الطويلة، فثمة مسيرات أو مسارات يعرض لها الكتاب الذي نعايشه في هذه السطور، وكلها تلتقي أو تكاد تلتقي عند هدف محوري واحد، تلخصه الكلمة السحرية: الحريــــــــــــة.

ثم تنوعت المسارات، فقد تباينت شعاب المسيرة ومراميها، وبينما كان مناضلو الصين يطمحون إلى نيل الحرية من الهيمنة الإمبريالية مع التخلص من عملائها في داخل وطنهم، وبينما كان مناضلو حزب المؤتمر الوطني الأفريقي يطمحون إلى تحرير بلادهم من نظام الأبارثيد العنصري الذي فرضه البوير من المستوطنين البيض المنحدرين من أصول أوروبية، فإن مناضلي اللحظة الراهنة التي يعيشها عالمنا، وكما يوضح كتابنا، يناضلون من أجل أن تقترن الحرية السياسية بالحرية الاقتصادية.

ومن ثم يصبح في مقدور أوسع قطاعات الجماهير، وخاصة في العالم الثالث النامي، أن تفيد من ثمرات التحول الديمقراطي، الذي ما برحت تشهده جماهيرها عبر فترة قوامها 25 سنة أو نحوها، يرصد فيها هذا الكتاب ما شهده العالم من نضالات تلك الشعوب من أجل التخلص من وطأة الحكم الديكتاتوري وصولاً، أو فلنقل طموحاً، إلى هدف الحرية والديمقراطية.

بهذا يعمد المشاركون في مادة هذا الكتاب إلى متابعة موجة التغير، التي ما برحوا يرصدونها، وهي تجتاح أقطاراً شتي في شرق العالم وفي غربه على السواء.

من هنا يرصد المشاركون في الكتاب مجريات وتطورات الأحداث والمتغيرات التي شهدتها أقطار في آسيا، مثل إندونيسيا وتايلاند وأقطار في أفريقيا مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وأقطار في أوروبا مثل أوكرانيا وبولندا، فضلاً عن أقطار في أميركا اللاتينية مثل المكسيك والبرازيل.

عن محاور الكتاب

أما المواضيع المحورية التي تدور حولها مقولات هذا الرصد السياسي ـ الاقتصادي التي يعرض لها مؤلفو هذا الكتاب فيمكن تلخيصها فيما يلي:

وفي تصورنا فمن ميزات مثل هذه النوعية من الكتب أنها تضم ما يمكن أن يوصف بأنه دراسة حالة أو دراسة إفرادية حسب المصطلح المعتمد في منظومة الأمم المتحدة، بحيث تتفّرد كل منها بالتركيز على حالة دولة بعينها في هذه القارة أو تلك، وهو ما يرفد محاور الدراسة بقدر بارز ومرموق علمياً وفكرياً من التميز بفضل التركيز على أحوال وتطورات الأوضاع في بلد بعينه من الشرق أو الغرب، وخاصة من منظور النتائج التي أفضت إليها أوضاع التحول الديمقراطي في البلد المستهدف من الدراسة. وعلى سبيل التفصيل:

هذه البديهية السياسية

ومن البديهي أن يضم هذا الكتاب بحوثاً أوسع شمولاً وأكثر عدداً وأشد تنوعاً بما لا يستطيع العرض الموجز أن يعرضه بما يستحقه من الشمول أو التفصيل.

بيد أن أهم ما يؤكده كتابنا يتمثل ـ في تصورنا ـ في بديهية تقول بما يلي: إن الديمقراطية لا تتخذ شكلاً واحداً، ولا يمكن أن تتبع مساراً بعينه. وأن التحولات الديمقراطية لابد وأن تكون متنوعة من حيث الشكل والدرجة والمضمون بقدر تنوع الأوضاع والثقافات والأحوال السائدة في هذا البلد أو ذاك، وبمعنى أن ليس هناك وصفة واحدة للتحول الديمقراطي. وأن التحولات الديمقراطية يمكن رصد بداياتها ـ كما يؤكد كتابنا ـ منذ سقوط جدار برلين الشهير في صيف عام 1989.

وقد انطوى ذلك على بدايات سقوط الأيديولوجية الماركسية بكل جمودها المذهبي ومن ثم انفتاح العالم شعوباً وأقطاراً على مشارف مرحلة جديدة واعدة بفكر أكثر استنارة وأشد مرونة وأبعد مسافة عن فرض الوصاية أو السلطة الأبوية على جموع الجماهير.

هذه التحولات الديمقراطية مازالت قيد التجربة، تحت الاختبار كما قد نقول: منها ما حقق نجاحاً أو بعض النجاح، ومنها ما لايزال قيد التمحيص والتجريب، ومنها ما باء بالفشل في تحقيق الأهداف التي تصبو إليها الشعوب، وهو ما يقتضي، كما تؤكد بحوث وطروحات هذا الكتاب، مراجعة أمينة مع النفس والواقع طموحاً إلى تصحيح المسار.

على كل حال، يؤكد مؤلفو هذا الكتاب ـ على كثرة عددهم ـ على العنصر الجوهري في التحول الديمقراطي وهو: حذار من فرض الديمقراطية، أو محاولة فرضها استيرادا من خارج الحدود.

هنالك يسوق الكتاب مثلاً على ما يذهب إليه مؤلفوه، وعلى النحو التالي: لقد فشلت الولايات المتحدة في فرض تحولات ديمقراطية على أقطار مثل أفغانستان لأنها لم تكن نابعة بحق من صميم الواقع الوطني، ولا شهدت نضالات شعبية ومطالبات جماهيرية في هذا المضمار بحيث تأتي الثمار ناضجة ونابعة من احتياجات الناس ومطالب الناس وثقافة الناس بشكل عام.

عن مشكلات التحول الديمقراطي

في هذا السياق أيضاً يحذر مؤلفو الكتاب من المشكلات التي مازالت تكتنف التحولات الديمقراطية التي تشهدها الأقطار والشعوب التي خضعت للدراسة. وفي السياق نفسه يقول محللو الكتاب: بلدان شتى شهدت البدايات الواعدة وجاءت على شكل البراعم البازغة التي طالما انطوت على وعود الديمقراطية، ولكنها الآن تبدو وكأنها غارقة في دوامة الاقتتال السياسي والصراعات العقائدية حيث لاتزال تتناوشها خلافات، بل وتطلعات وأطماع النُخب في أن تستأثر بمزيد من مقاليد السلطة ومقادير النفوذ، أو لاتزال ترسف في قيود الماضي الذي كان سائداً قبل حلول ظواهر التحول الديمقراطي.

ومن هذه المواريث ما يتعلق بأوضاع الفقر، المدقع في بعض الأحيان، والبطالة التي تنجم عنها آثار اقتصادية تتثمل في أحوال الحرمان والإقصاء والتهميش، فضلاً عن عواقب سيكولوجية تتمثل بداهة في مشاعر القنوط والإحباط وهو ما يدفع إلى سلوكيات العنف المدمّر في بعض الأحيان.

ومازال هذا الكتاب موضعاً لتحليل النقاد والدارسين الذين يشيدون بشمول صفحاته التي غطت دراساتها، كما ألمحنا 8 أقطار في شرق الكرة الأرضية وغربها، ومن هنا سلطت الأضواء على ما أجمع عليه مؤلفوه خلال الندوات التي عقدت لمناقشة طروحات الكتاب. وفي إطار هذا الإجماع الفكري، عمل المؤلفون على أن يبلوروا أهم ما يرونه من دروس مستفادة ونصائح سياسية موجهة من جانبهم إلى أطراف التحولات الديمقراطية التي أخضعوها للدراسة، ويمكن أن تفيد منها سائر الأطراف المعنية بالشأن العام في أنحاء العالم. وهذه النصائح يمكن عرض أهمها كما يلي:

(1) ضرورة تشجيع عنصر الشمول، بعكس عنصر النبذ أو الاستبعاد أو الإقصاء، وبمعنى أن يصبح التحول للديمقراطية مظلة يشارك فيها الجميع.

(2) أهمية التمسك بتفعيل حكم القانون، وبمعنى أن يظل التحول الديمقراطي مرادفاً لسيادة القانون، بل وحامياً للإطار القانوني الذي يعمل على حماية الجميع دون احتكار للسلطة أو استئثار بالنفوذ.

(3) أهمية الانفتاح على ما يجري في أنحاء أخرى من العالم، بعكس الانغلاق على التجارب أو الأوضاع القطرية، فالتحول الديمقراطي يعني، بحكم التعريف، الحرص على التعارف والتواصل والتفاعل مع من ينشطون ويعملون خارج الحدود، وبخاصة أقرب الجيران المشاركين بصورة أو بأخرى في الموقع الجغرافي ومن ثم في وعود المستقبل وتطورات المصير. المهم أن تدرك عناصر التحول الديمقراطي أن فكرة التحول بحد ذاتها، إنما تعني مرحلة انتقالية، وأن الهدف ليس تكريس مثل هذه المرحلة ولا العمل على استبقائها، بقدر العمل في شراكة وطنية مخلصة وجادة وأصيلة على ترجمة مراحل التحول إلى أوضاع من الاستقرار التي يمكن أن تفضي إلى توسيع آفاق التنمية بكل جوانبها ولصالح أوسع قطاعات الجماهير.

المؤلفون في سطور

شارك في وضع وتحرير مادة هذا الكتاب لفيف من الأساتذة الاختصاصيين في مجال العلوم السياسية. وجاء في مقدمتهم أستاذتان تولّتا إعداد وتحرير وتصدير طروحات الكتاب، وهما إيزابيل كولمان، مديرة برنامج المجتمع المدني والمبادرة الديمقراطية في مجلس العلاقات الخارجية في العاصمة الأميركية واشنطن، وتيرا لوسون ريمر، وهي زميلة باحثة في مجال المجتمع المدني والديمقراطية.

ثم اتسعت المشاركة إلى حيث ضمت كوكبة من الأساتذة المفكرين والباحثين الذين قدموا خلاصة دراساتهم المتخصصة عبر الفصول الثمانية التي شكلت قوام المادة العلمية التي يتألف منها هذا الكتاب وكان على رأسهم جون كامبل، الذي يشغل حاليا موقع زميل باحث في مجلس العلاقات الخارجية آنف الذكر ـ كرسي رالف بانش للدراسات السياسية الأفريقية. وقد عمل سفيراً للولايات المتحدة لدي نيجيريا على مدار الفترة 2004 ـ 2007 وهو ما أكسبه خبرته المباشرة في التعامل الميداني مع الشؤون والقضايا الأفريقية.

أما سائر المؤلفين المشاركين فمنهم من يعمل بالتدريس في جامعة هارفارد أو جامعة برازيليا أو جامعة لندن وغيرها، ومنهم من يتولى في هذه المؤسسات الأكاديمية تدريس تخصصات شتى، تجمع ما بين أصول الحكم أو قضايا المرأة أو الاقتصاد السياسي الدولي أو العلوم السياسية أو الدراسات المتعلقة بأوضاع منطقة جنوب شرقي آسيا.

عدد الصفحات: 264 صفحة

تأليف: جون كامبل وآخرين

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مطبعة مجلس العلاقات الخارجية،

عن جريدة البيان الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق