أنتيقون أو في الحاجة الى براديغم هووي بديل

يبدو أنه ليس أشد عسرا من تناول الاختلاف بالتنظير فخلفيته هي كل ما هو حيوي و متعلق “بالبيو تنوع” بما يتضمنه من مسائل اجتماعية وثقافية وسياسية. فمسألة “التعدد” و“الاختلاف” تنطوي بين ثناياها على نزعة “بيو سلطوية” وعلى فعالية سيادة تروم الحفاظ على الحياة، فهي اقتدار على الحياة والموت(1)، موت كائنات بشرية وطبيعية وموت ثقافات واضمحلالها من أجل هيمنة إمبريالية ثقافية ما على الفضاء الثقافي. فليست المسألة إلا تخليصا للحياة وحفاظا على البقاء بالعودة إلى التأسيس الإيتيقي. وفي هذا المدار تتنزل محاولة تشارلزتالور(2) من أجل إستيتيقا حياة تضامنية أو هكذا يتعين تأويلها. وتعود الأسباب الواقعية للترميم التايلوري لمفهوم “الثقافة” إلى وقائع التاريخ التي أصّلت التفكير المعاصر في “الاختلاف” و“التعدد” و“التكثر” فوجدت الفلسفة، بما هي أنتروبولوجيا مسؤولة عن مصير الإنسانية نفسها مدعوة إلى إعادة تسويغ مشكل التعدد الثقافي. ولعلّ أوّل وأهم هذه الوقائع إنما هو تصادمها.

وأوّل لحظة تاريخية فيها سعي جديّ إنسانيّ للدّفاع عن ثقافة إنسانيّة يتمثل في الثورة الفرنسيّة التي آمنت بحقا لإنسان مهما كانت ثقافته، في الوجود. أما اللّحظة الثانية فهي تحقق ماديّ للأولى وتمثلها الثورة التقنية التي جعلت المجتمع المدني يتحكم لسلطة المال فاعتبر الاقتصادي شرط إمكان السياسي فهو ما قبلي السياسيّ وألاجتماعي والثقافي. ولأن المال يحرّك التاريخ فإنّ زحف رأس المال قد ولّد إستعمار الآخر الثقافي بإعتباره سوقا ومصدرا للثروات. أما اللحظة الثالثة فهي سقوط النموذج الشيوعي في السنوات الثمانين فهو دليل على فشل الكليانية الستالينية ومحاولة لردّ الإعتبار إلى الأقليّات. إذن كلّ هذه العوامل التاريخية تبيّن أنّ الصّراع محتدم بين نسبويّة ثقافيّة وتاريخيّة وكونيّة عقلانيّة تسعى إلى تخطّي الاختلاف. لكن الهويّة الحقوقيّة التنويريّة ليست تفيد التعدديّة الثقافيّة الحق، أو على الأقل هكذا اعتقد تايلور أسوة بالرومنطقية وتعقّبا لخطى هردر ولهير مينوطيقا غادامير. ويبدو أن مرحلة مابعد الحرب هي التي جذّ رت مفهوم التعدّد الثقافي في موضعه فأدرجته ضمن مرجعيّة واقعيّة معتبرة أنّه من الضّروري الحفاظ والدّفاع على التعدّد باعتباره قيمة في حد ذاته. وفي هذه المرحلة أعيدت موضعة المشكل وفقا لمطمح الاعتراف بهذا الاختلاف. فمشكل التنوّع يهمّ مشروعيّة السياسيّ ذاته لأنّه يهمّ حيويّة الشعوب لذلك تخيّرنا تأطير المسألة منذ البدء في مدار البيواتيقا. وهو مدار تحاول فيه الفلسفة أن تنحت قيما جماعويّة وذلك باستيعاب مسألة الهمّ الوجودي للأقليّات.

وهو ما أدى بالفلسفة إلى محاولة تأسيس خطاب قيمي يهمّ إشكاليّة واقعيّة، وهذا ما سمح لها بأن تتأصّل في الحوار العمومي بشأن البحث عن نمط مغاير للوجود يكون فيه الإنسان أفضل لأنّه في عالم أفضل. ولعلّ في محاولة هابرماس، بعد راولز وبالاستئناس به إيمانا بالوعي الجمعي لا بما هو وعي دوكسا جاهلة و إنما بما هو وعي قابل للارتقاء إلى مستوى المواطنة بشرط جماعها بالأمة وهو ما يؤكد الطموح الدائم للفلسفة لتشريع الاختلاف والاعتراف بالكثرة والتعدّد بما هو حركية وفعالية ودأب متطوّر. كذالك فإن محاولة تايلور والجماعويين عامة إنما تنم عن حلم نقل الفلسفة من البحث في الواقع إلى مستوى برمجته. وهذه القصدية(3) هي ما يمكن التعبير عنه بالقول إنه لتجاوز هذا الوضع (الراهن) يجب أن يكون جزء من “برنامج” الفلسفة السياسية القابل للتحقيق، هذا الاختلاف، فالفلسفة السياسيّة محتاجة إلى صقل جديد للمفاهيم التي تعبّر عن واقعنا السياسي مثل “حقوق الإنسان” و“الدولة” و“الديمقراطية” وفقا لبرنامج واضح2. لهذا فهي تعيد طرح ما نحتته و صيرته السياسة واقعا. إن الليبرالية تنقد ذاتها بذاتها عبر أعمال الجماعويين و منهم تايلور، معتبرة أنه علينا أن ننظر في الواقع السياسيّ للأقليات ضمن سياسات الهويّة لنفهم مشاكلها و رهاناتها. و يمكننا أن نلحظ أن العشرية الأخيرة من هذا القرن هي العشرية التي أخذت فيها الأقليات في العالم وبخاصة في الكيبيك ـ شاغل تايلور الأول ـ و الولايات المتحدة الأمريكية في التغير نتيجة تزايد حركة الهجرة. و لهذا فإن السياسة التي يجب أن تسلك تجاه التعدّد الثقافي تشكل موضوعا محرجا ذلك أن البعض يذهب إلى أنه من الأفضل أن نناقش بكل جرأة الاختلاف. في حين يذهب آخرون إلى أنه يجب أن يركز الجهد على تقصي التشابه و رصد التماثل. و مهما كان الموقف الذي نتخذه فمن الواضح أنه علينا أن نضع في الحسبان جوهرية قيمة المساواة التي نصتها الإنسانية منذ الحداثة ضمن سياسة الهويّة. و هي قيمة من شأنها أن تحوّل الاهتمام بالاختلاف و عدم أخذه بعين الاعتبار إلى ضرب من اللامساواة. و بهذا يترتب القلق الناجم عن آليات الإقصاء بما هي نتاج النظر إلى الآخر لا بما هو الشبيه أو المتشابه غير المتشابه أو ذلك الذي ينتمي مثلنا إلى الوجود الإنساني،و إنما بما هو جنس أدنى من أجناس هذا الوجود الإنساني. و عموما تستخدم ضده “مختلف صيرورات التعامل مع الاختلاف الواقعي التي تتمثل الخصوصي بما هو متعلق بعنصر من عناصر مجموعة مفترضة.

وإذا اعتبرنا ان المجموعة الكونية التي نقصدها هي مواطنو المدينة اليونانية فان ندرك ان انتيقون تمثل نشازا فردانيا، لأنها لا تنصاع الى قوانين الكل. لكن اذا افترضنا ان الكوني هو البراديغم الهووي الحقوقي فان انتيقون تقبل ان تكون رمزا للخصوصية لأنها تؤمن بحق الأخ عليها في ان تكرمه فتدفنه. وانتيقون في كل هذا ،وفية لخصوصية تنتمي اليها هي و عائلتها. اذن،تقبل انتيقون ان تؤول فردانيا وخصوصيا ولكنها تقبل ان تكون رمزا كونيا معبرا عن صوت الأقليات فهي تطالب بقانون تشريعي كوني لان القوانين التأسيسية للمدينة لم تمنحها حقها فهي تتمثل خصوصيته في وضعيتها فتتفهم حقها في دفن الأخ بما هو”صرخة“من اجل الاعتراف بالخصوصية والفردانية دفعة واحدة ومحاولة لاقتلاع حق كوني في الاعتراف بالاختلاف. ان مأساة انتيقون هي مأساة كل من يدرك ان البراديغم الهووي الحقوقي لاتساعه المفرط يغفل عنوة الأقليات. فهو يلهث وراء مطلب الكونية التي لا تحقق الحد الأوسط باعتباره يجعل كل فرد فردا ومواطنا للمدينة وانسانا أي مواطن الأرض برمتها.

ان انتيقون هي صوت الأقليات التي تمثل خصوصية يجب ان تقال بما هي ضرب من الكونية الخصوصية. واذا اعتبرنا ان أقليات العالم تفوق المليار من الافراد فان المفارقة تكمن في ان هذه الأقلية توشك ان توازي الأغلبية .ان مشكل الأقليات الذي تواجهه سياسات الهوية واهم منها من الناحية النظرية فلسفة الهوية هو مشكل عالم نكرة تسعى فيها الأقليات الثقافية الى ان تحقق الاعتراف بهويتها والى تحقيق تجذرها ضمن تربة ثقافية معترف بها. وهذه الأقليات تنحت معالم مشكل حقيقي بالنسبة الى الدول لانها تهدد الوحدة الوطنية وتهدد بحرب كونية فيما يهم الاستتباعات الدولية التي يمكن ان تنجم عن مأساة هذه الأقليات. وهنا تتنزل مسألة اللغة التي تطرح على كل البلدان فمنزلة اللغة من الهوية يجعل من تهميشها تهميشا لمحدد هووي ترى الأقليات الا تنازل عنه،لهذا فإن البحث في مسألة التعدد الثقافي يجد مسوغاته ضمن أرضية الواقع وضمن مسألة اللغة.

ففي هذا الواقع وفي”علاقة دائرية“معه تولدت توجهات مختلفة لقول الاختلاف والتعدد الثقافي ذلك انه قد وقع تمثل هذه القضية اما ضمن براديغم لغوي يقول اللغة استيتيقيا واما ضمن براديغم ذو خلفية ابستيمولوجية يقولها وفقا للغة الحقيقية العلمية. أما الإمكان الثالث فهو قول اللغة وفقا لتمثل لمسألة أسبقية العادل على الخير. ومن الواضح ان الهوية الحقوقية متصلة باللنموذج المؤمن بضرورة نقل لغة الحقيقة العلمية الى المجال الإنساني. ويتضح بهذا ان فضاء التواجد انعدم بالنسبة الى انتيقون او ان شئنا انه ما عاد يوجد أي مكان للبطولة أو للفصائل الارستقراطية او”للأهداف المتسامية على حياة تلك الأهداف التي تستحق ان نموت لأجلها“. وبهذا اضمحل النموذج الحقوقي من المجتمع الأوروبي المعاصر. ونزعم ان ما تمثله انتيقون انما هو محاولة منا لتأويل العمل التايلوري بما هو سعي لبيان المنعطف الايتيقي للاستيتيقا وللسياسة ذلك ان تايلور يفهم الايتيقا وفقا للدلالات الابستيمولوجية”للايتوس“التي تعني إقامة شكل الوجود ونمط الحياة وإقرار مبدأ”الحفاوة الكونية التي تنبهنا اليها انتيقون ذلك ان البطلة التراجيدية ليست “بطلة حقوق الانسان التي تدافع عنها الطهرية الديمقراطية الحديثة” وانما هي “رمز الإرهاب” والشاهد عليه في صلب النظام الاجتماعي وفقا لتأويل لاكان الذي اعتبر انتيقون دليلا على “نبل الوجود”ونبل “الاهواء الخصوصية”. بلغة أخرى ان انتيقون هي تراجيديا قديمة الجدة فهي تنص الأقليات وفعالية بحثها عن الاعتراف المطرد باختلافية وجودها. فليست بطولة انتيقون الا نتاج تأويلها المخصوص للايتيقا وادراكها لجدلية العلاقة المربكة بين الكونية والخصوصية والفردانية وايمانها بان الكونية لا تعني ايتيقيا المثلنة والوحدنة وانما هي تعبير عن“ان المثلنة ليست المعيار النهائي للكونية ولا حتى شرطها الضروري”.
فما منزلة الأقليات من الكونية؟ و مالذي أدى بهذا البراديغم الى فهم الاختلاف بما هو ضرب من “الإرهاب”؟ وماهي شروط امكان ترميمه؟

الهوامش:

1-Guillaume Valériaud :Le monde des religions ;septembre-octobre2013 ;pp.60-63 .
 يوجد في العالم اكثر من 7500 عرق وجماعة مهمشة في 150 دولة فقط منظوية تحت لواء الأمم المتحدة،ويمكن ان نقرأ ان العدد الحقيقي للمهمشين يفوق المليار فرد مقسمين على خمسة قارات،ففي الصين 10% من السكان ينتمون الى 56 اقلية وهم يناهزون 120 مليون شخص .ويمكن في هذا الشأن مراجعة:
Joseph Yacoub،Les minorités dans le monde. faits et analyses،Ed Clées du Brower،p.25.
 وبالعودة الى المرجع السابق نتبين انه توجد 1652 لغة في الهند و400 في نيجيريا و94 في كينيا و25 في الكامرون،وأكثر من 20 لغة في بوليفيا و1700 في أمريكا اللاتينية وفي تونس كذلك هنالك أقليات من اليهود ومن البرابرة مثلا وهناك أيضا لغات أقليات اندثرت او تكاد تندثر.
 Charles Taylor، de la modernité، op. cit، p. 11.
 Jaques Ranxiére، Malaise dans l’esthétique، Galilée، 2004، p. 146
 Ibid.
 Ibid.
 Florian Cova << Universel et pourtant variable، deux paradigmes linquestique appliqués à la morale>> in Le philosophoire n ° 31، 2009، p.132.
 Jacques Rancière، Malaise dans l’estétique، op. cit. p. 146.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This