الأصولية الدينية وفشل النخبة المثقفة التونسية

غالبا ما تحمّل النخبة المثقفة في تونس الحكومة الإسلامية الحاليّة والتيّارات الوهابية مسؤولية انتشار الأصولية في المجتمع، كما تستنكر – ما تعتبره – عجز المُتلقّي التونسي عن قراءة أساليب التضليل المعرفي المتخفية وراء الخطابات الدينية والسياسية وجهله بحقيقة حيثيّاتها. في المقابل، تظهر النخبة المثقفة و كأنّها في غنى عن النّقد: فهي تدين غيرها و لا تدين نفسها، مع أنّ وظيفتها الأولى كنخبة فكرية تقتضي عليها أن تحول دون بروز الفكر الأصولي في مجتمعنا وأن تكون الدّرع الواقي ضدّ التطرّف الديني. تطرح هذه الإشكالية إذن مسألة ترابط فشل مشروع النخبة المثقفة التونسية برواج الأصولية، كما تنظر في مدى نجاح المثقفين التونسيين في تفعيل دورهم كنخبة. 

تُعدّ تونس من جملة البلدان العربية التي تتمتّع بنسب ضئيلة من الأمّية والفقر المدقع. فمع فجر الاستقلال، قامت حكومة بورقيبة التقدّمية بحملة تعليمية مجّانية هدفها إرساء البنية التحتية الملائمة لاستقبال عدد هامّ من طالبي العلم، ذكورا وإناثا. مكّنت هذه الحملة تدريجيا من ترسيخ ثقافة مجتمعية تعليمية قضت بصفة شبه كاملة على الأميّة. كما كافح النظام البورقيبي الفقر الشّديد بتمكين المتخرّجين الجدد من فرص عمل وبتدمير الأكواخ التي كانت تعمّ المشهد الحضري و تعويضها بأحياء لائقة للسّكن.

تضاهي اليوم نسبة التعليم في بلادنا المئة بالمئة، و لكن بات من الواضح انّ صفة المتعلّم لا تقضي على نوع آخر من الأميّة، ألا وهو غياب القدرة على إعمال العقل الموضوعي والنقدي: هذه الموهبة التي تجنّب المرء السقوط في شرك الأصولية الدينية المقنعة بحجاب التقوى. على هذا المستوى، تمثّل النخبة المثقّفة المؤسسة الثانية التي تنوب المؤسسة التعليمية في مهمّة “تنوير” العقول وتحريرها من أغلال التقليد والمعتقدات الراسخة وسجن اليقين المطلق.

إلاّ أنّ نجاح الاصولية اليوم في إغراء المجتمع التونسي لا يعني جهله وتخلّفه بقدر ما يعني فشل هذه النخبة المثقفة في تنشيط بيداغوجية التواصل وفي إعادة إحياء العقل النقدي والموضوعي الكامن في كلّ إنسان مهما كان مستوى تعليمه وثقافته. عوض ذلك، تقوم معظم نخبتنا بتهميش المتلقّي التونسي عبر التفرقة بين مستويات العلم، متهمة إيّاه بانهيار مستواه الفكري والثقافي والأخلاقي، موجّهة له كلّ أنواع النقد اللاّذع، ساخرة من مواقفه و من طريقة تفكيره، مُتصورة أنّها الأفضل في سلّم الذكاء والمعرفة، ولو كانت فعلا الأفضل، لما طالت الأصولية الوعي الجماعي ولما نجحت سياسيّا في الوصول إلى الحكم. بل لعلّ انتصار الأصولية يبيّن لنا حقيقة نشاط المثقفين التونسيين.

يرجع خلل هذا نشاط -حسب رأينا – إلى نقص في البيداغوجية النخبوية التي تعتمد على علاقة تقليدية بين المثقف والمتلقّي حيث يقتصر الطرف الأوّل على تبليغ الرسالة المعرفية بطريقة عمودية، أي دون أن يستنبط المعرفة من طيّات عقل المتلقّي وذلك عبر طرح الأسئلة وخلق الإشكاليات وتفادي الأحكام المسبقة . ثانيا، يرجع فشل النخبة المثقفة في تونس إلى مجموعة من الأخطاء الاستراتيجية حيث يحاول أغلبية المثقفين التلاؤم والمنظومة الفكرية السائدة لنيل رضاء المتلقّي و ضمان تأييده لأفكارهم. فنرى أنّ أغلبية المثقفين يسعون جاهدين إلى إدراج المعجم الديني في خطاباتهم و إلى ابراز مدى إيمانهم و إلى العزوف عن تناول بعض المسائل الأبستمولوجية الحرجة التي تمس بالمنظومة الإيديولوجية الجماعية. إلاّ أن استراتيجية المحاكاة والحذر لم تفض إلى نتيجة، بل اصبحت معظم النخبة المثقفة التونسية بوق النظام الأيديولوجي المسيطر، مع أن وظيفتها الاساسية كنخبة تكمن في تفنيده.

إنّ نرجسية نخبتنا المثقفة ونقائصها البيداغوجية واعتبار نفسها منبع الحداثة مع أنّها تحاكي العقلية السائدة يمثل جزء من فشلها في صراعها مع الأصولية. فكيف للنخبة المثقفة التونسية أن تأتي بالجديد وهي تؤسس لبيداغوجيا محافظة؟ كيف لها أن تهزم شبح الأصولية وهي تتفادى الدخول في مواجهة جريئة معه؟ كيف سيشيد المثقفون التونسيون مجتمعا حداثيا وهم لا يختلفون عن خصومهم على المستوى الاستراتيجي؟ كيف سينجحون في “تنوير” العقول وهم يلعبون دور السياسي الشعبوي بدل دور المثقف المحدث؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق