إدوارد سعيد والثورة السورية / ماجد الكيالي

تأتي محاولة استعادة ادوارد سعيد، أو إعادة قراءته، على ضوء ثورات “الربيع العربي”، تأكيداً لمكانته المتميزة، كقيمة ثقافية وأخلاقية، أي أنها استعادة لا تنطوي على معنى سياسي، لأن سعيداً لم يكن محرّضاً ثورياً، ولا داعية سياسياً، ولا منظّماً حزبياً.

بداية لابد من تأكيد أن هذه الاستعادة لا تعني أن نتاج سعيد الثقافي منزّه عن النقد، لاسيما موضوعته الأعزّ، والأميز، “الاستشراق”، إذ أن هذا موضوع آخر، ففي الثقافة والفكر لا يوجد مطلقات ونهائيات، وهذا ما كانه سعيد ذاته، بتأكيده على تفكيك النص، وعلى خاصّية المثقف الناقدة، وحديثه عن العلاقة المعرفة بين والسلطة. وتالياً لذلك فإن هذه مجرّد محاولة تنحصر باستنباط موقف سعيد من الثورات، لاسيما السورية، وهي لاشكّ محفوفة بشبهات الانتقائية، وإسقاط الرغبات الذاتية، وإنتاج صورة متخيّلة عن شخص بات في ذمة الغياب.

وتعود مناسبة هذه الاستعادة إلى المادة التي نشرها الكاتب والناقد السوري المعروف صبحي حديدي، وعنوانها: “هل كان إدوارد سعيد سيناصر الانتفاضة السورية؟” (“القدس العربي”، 15كانون الأول2013). ويجدر التنويه هنا إلى أن الصديق حسام عيتاني كان كتب مادة حول الموضوع ذاته، عنوانها: “كيف كان إدوارد سعيد سيرى الثورات العربية؟” (“الحياة”، 14/آب/2011). وبينما رأى حديدي بأن سعيد كان سيقف في صف الثورة السورية، مناصراً لها، أثار عيتاني تساؤلات عديدة لا تقطع في هذا الاتجاه أو ذاك.

اللافت أن عيتاني استند في استنتاجه عن سعيد، بشكل أكبر، إلى “تلامذته، ومريديه..أو من يقولون عن أنفسهم انهم كذلك”، من الذين “وجدوا أنفسهم في مواجهة الثورات..لناحية استعصاء تصنيفها ووضعها في الخانات المعدّة مسبقاً للثورات وحركات التغيير”. يقول عيتاني: “هؤلاء انقسموا إلى فرقتين. ساندت الأولى الثورات..محتفظة بتأييدها للمقاومة والممانعة في وجه إسرائيل وبالعداء للولايات المتحدة والغرب كظواهر مطلقة غير قابلة للتبدل بتبدل موضوع الخلاف، أي السلطة في العالم العربي”، مع “تجاهل احتلال الأسباب الداخلية المكان الأول في لائحة الأسباب التي حملت الشبان العرب على النزول إلى الشوارع والسعي إلى إسقاط الأنظمة الحاكمة”. والفرقة الثانية، برأيه، ركّزت “على علاقات الولايات المتحدة بالثورات ولا تلبث أن تصل إلى استنتاج مفاده أن واشنطن تستكمل غزو العراق على طريقة حصان طروادة، بإشعال الثورات العربية.” وينهي عيتاني مادته بالقول: “ربما استطاع إدوارد سعيد أن يتجاوز هزال أفكار مريديه وكاريكاتوريتهم، لو قيد له أن يرى الثورات العربية. ولكن لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الثنائية التي نظر سعيد بواسطتها إلى العالم، قد تجاوزتها الثورات قبل أن تبدأ”.

في هذا الشأن، وبما أنني أميل إلى موقف حديدي، الذي دلّل على موقفه برفض سعيد لأي صلة مع النظام السوري، أو مؤسّساته، إلى درجة انه لم يلبّ ولو دعوة واحدة إلى سوريا، بسبب نفوره من نهجه الاستبدادي، وسياساته في لبنان، وضد الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي أمور تمّت تغطيتها في المقالة المذكورة، فإنني سأركّز هنا على موقف سعيد من ثلاث قضايا: أولها، تعريفه للمثقف، وثانيها، نظرته إلى النظم السائدة، وثالثها، موقفه من الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

في كتابه “صور المثقف” حاول سعيد تعريف المثقف باعتباره صاحب ملكة عقلية تمكنه من توضيح “رسالة أو وجهة نظر أو موقف أو فلسفة..لجمهور ما”، وهو عنده “شخص ليس من السهل على الحكومات او الشركات استيعابه”، ويكمن مبرّر وجوده في مناصرة “الأضعف والأسوأ تمثيلاً والمنسيين والمتجاهلين.” و“تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تنسى ويغفل أمرها..كشخص يحاول تعزيز قضية الحرية والعدالة”. وبرأيه فإن “أقل ما يجدر بالمثقف عمله ان يكون همّه إرضاء جمهوره”، إذ يفترض به أن “يكون محرجاً ومناقضاً بل حتى مكدّراً للصفو العام.” وأن يقول “الحق في وجه السلطة”، إذ “التبعية العمياء للسلطة..أفدح الأخطار التي تهدّد كينونة حياة فكرية أخلاقية”.

هذا الموقف الصارم، المفعم بأخلاقيته، إزاء ما يميّز المثقف، نسبة لمكانته ودوره، يفيد بأن سعيداً، الذي كان ينفر من الأنظمة الاستبدادية، لا يمكن أن يقف في صفّها، وضمنه أن يدافع عن النظام السوري، لأي سبب، فكيف إذا كان هذا النظام يتعمّد قتل شعبه وتدمير عمرانه، بالدبابات والمدفعية والبراميل المتفجرة، كأنه أكثر من سلطة احتلال.

طبعاً هذا لا يعني أن موقف سعيد إزاء الثورة السورية، مع كل تعقيداتها ومشكلاتها والتلاعبات الخارجية فيها، سيكون بهذه البساطة، فهو بالتأكيد كان سينتقد هذه الثورة بقسوة، في مظاهرها، وطرق عملها، والتطرّف فيها، وبالقوى التي تحاول استغلالها، تماماً مثلما لم يوفّر في نقده الحركة الوطنية الفلسطينية وقيادتها؛ وهذا ما يفعله أصلاً معظم الكتاب والمثقفين الداعمين لثورة السوريين او المتعاطفين معها.

وفي ما يتعلق بموقفه من النظام العربي السائد، فلم يعرف عن سعيد محاباته أو مجاملته لأي نظام، البتّة، ولا لأي سبب، إذ ظلّ على الدوام ناقداً لحال التكلس والتخلف والاستبداد السائدة في النظم العربية. يقول سعيد: “ما أن نبدأ بالنظر الى ما يجري في العالم العربي حتى يهولنا ما فيه من الاضمحلال والتردّي المتسارع..لقد تراجعنا الى أسفل القائمة في كل المجالات تقريباً، التي تمسّ نوعية الحياة..التصاعد المخيف في معدلات الأمية والفقر والبطالة واللاانتاجية. وعلى صعيد السياسة، وفي الوقت الذي تبدو بقية العالم متجهة الى المزيد من الديومقراطية، يواصل العالم العربي سيره نحو درجات أقصى من الديكاتورية والتسلط والحكم بأسلوب المافيا…السلطوية تجذرت..مزيد من الملاحقة والاضطهاد، حيث لا أمن لأحد، ولا حرية من الخوف، وليس من قيم يحافظ عليها القانون. لقد وصل وضع الفرد الى حضيض يكاد ان يتلاشى فيه تماماً حتى الحق الأساسي في المواطنية”. (“الحياة”، 28/6/2001)

ويمكن مقاربة موقف سعيد ازاء النظام السوري، بموقفه من نظام صدام، الذي انتقده بشده، بوصفه أسوأ “الانظمة الاستبدادية والمفضوحة..التي تحكم بالإرهاب”. (“الحياة”، 31/12/2002) وبرأيه فقد “كان نظام صدام من كل الوجوه جديراً بأشد الاحتقار ومستحقاً للتدمير..كثيرون شعروا بالغضب إزاء المدى المذهل الذي وصله في الوحشية والتسلط، وما جاء به للعراقيين من عذاب.” (“الحياة”، 26/5/2003)

أما في ما يخصّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فقد ظل سعيد أمينا لقضية شعبه، ناقدا للسياسات التي انتهجتها القيادة الفلسطينية، وفاضحا للسياسات العنصرية والاستعمارية الصهيونية، مؤكدا أن أية تسوية لا تتضمن عنصري الحقيقة والعدالة هي تسوية مراوغة ومجحفة. وقد انتصر سعيد لحل الدولة الواحدة، بدلا من الحل العنصري القائم على الانفصال، والذي يتضمّن استمرار الهيمنة الإسرائيلية، ونفي الرواية الفلسطينية، وتضييع حق اللاجئين. وقد تنبأ سعيد بفشل هذا الخيار مبكّرا باعتباره “السياسات التي استمرت منذ 1948وصلت الى نهايتها بفشل عملية اوسلو التي قامت على الفصل ما بين اليهود الاسرائيليين والفلسطينيين..حان الوقت لتخليص انفسنا من التحامل العنصري ودفن الرأس في الرمل والبدء من الآن بالعمل لتغيير وضعنا.” (“الحياة”،26/5/1998)

يقول سعيد: “علينا، في مواجهة انعزالية الصهيونية، أن نقدم حلاً للصراع يؤكد..انسانيتنا المشتركة عرباً ويهوداً..لم نؤكد كفاية..على العمق الاخلاقي لمطلبنا في انهاء الاحتلال .. المساواة .. صوت واحد للشخص الواحد، أو الانسانية المشتركة المؤطرة في دولة من قوميتين..أدرك..أننا ضحايا اجتياح رهيب، واحتلال عسكري شنيع..لكن ما هو البديل الحقيقي..؟ شن حملة عسكرية؟ هذا حلم..الاعتماد على الدول العربية..؟ فلنكن جديين..الفصل بين الطرفين لن ينجح في هذه البقعة الصغيرة من الأرض، مثلما لم ينجح العزل العنصري في جنوب أفريقيا..الكلام العمومي عن السلام لا يكفي، بل يجب تقديم اسسه الفعلية، ولا يمكن لهذه أن تنبع الا من الرؤيا الاخلاقية وليس من”البراغماتية“و”الواقعية“. واذا كان لنا كلنا أن نحيا..علينا ان نستحوذ ليس على مخيّلتنا فقط بل على مخيّلة مضطهدينا، وان نلتزم القيم الانسانية والديموقراطية.” (“الحياة”، 2/3/2001).

بعد كل ذلك، هل ادوارد سعيد، الذي يؤكد على أخلاقية المثقف، ومعارضته للسلطات، وتكديره للصفو العام، ومنافحته من أجل الحرية والحقيقة والعدالة، هل كان يمكن ان يكون مع الثورة السورية؟ بصراحة لا أحد يعلم بالغيب، لكنني ارجح ذلك من قراءتي له، على رغم من ادعاءات بعض مريديه، الذين يفتقدون أهم ما فيه، وهو استقامته الأخلاقية، ومعارضته المطلقة للظلم والاستبداد والتسلّط.

لنتذكّر أن رفيق ادوارد سعيد، نعوم تشومسكي، كان أدلى بتصريحات، إبان زيارته لبيروت مؤخّراً، فاجأت بعض الذين يحسبون أنفسهم على سعيد، إذ قال بوضوح: “اسرائيل لا تعارض الأسد. هو كان تقريباً الديكتاتور الذي يريدون. فعل كل الأشياء التي يريدونها تقريباً. الولايات المتحدة لا تعارض الأسد، تعاون معها استخباريا. لم يعجبهم كل شيء، لكن ما فعله كان كافياً. لو أرادت اسرائيل والولايات المتحدة فعلاً إسقاط نظام الأسد ودعم الثوار لكان لديهما الكثير من الوسائل المباشرة لفعلها من دون سلاح..لكنهم لا يفعلون ذلك، وهذا يعني شيئاً واحداً فقط، أنهم لا يريدون أن يسقط النظام.” (مها زراقط،“الأخبار”، 15/6/2013).

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق