اليسار الدينى «1» / سمير مرقص

في أكتوبر الماضى كتب الأستاذ الدكتور حسن حنفى مقالا فى «المصرى اليوم» بعنوان: «هل فشل مشروع اليسار الإسلامى؟».. وقد قرأته بعناية ونويت أن أكتب ليس تماما حول موضوع اليسار الإسلامى، وإنما عن «اليسار الدينى»، ماذا يعنى؟ وأهميته، وتجاربه المختلفة، ومستقبله، وجاءت الزيارة الروسية رفيعة المستوى إلى مصر مطلع نوفمبر الماضى لتحتم الكتابة حول روسيا الجديدة وأهميتها، فكتبنا سلسلة الحلقات المعنونة: «الروس القادمون» (7حلقات)، لنعرّف بأهمية روسيا القادمة الجديدة ـ وبقوة – إلى مسرح العلاقات الدولية وأهميتها الاستراتيجية. ومن ثم أجلنا الكتابة عن قضية اليسار الدينى.

(2)

طرح الدكتور حسن حنفى سؤاله: «هل فشل اليسار الإسلامى»؟، وحاول أن يجيب عن ذلك منطلقا من أن اليسار الإسلامى كان من ضمن الحركات الإبداعية فى الستينيات، مواكبا لحركات التحرر فى العالم الثالث آنذاك، ولكن مع الانقلاب الذى حدث برحيل عبدالناصر، سيطرت الرأسمالية والقطاع الخاص وازدهر فى هذا السياق اليمين الدينى، وسهل ضرب اليسار الإسلامى بحجة أنه ماركسية متخفية، ملحدة، فغاب عن الساحة.. ولكنه لم يقطع الأمل فى أنه لم يفشل بعد، وهناك أمل فى ظهوره من جديد. واقع الحال أن هذا كان مصير اليسار المسيحى أيضا، أى أن اليسار الدينى لم تتح له الفرصة أن ينمو وأن يكون مكونا مساهما فى تعميق الحياة الثقافية ومن ثم السياسية المصرية والعربية، كما هو الحال فى كثير من السياقات، والمفارقة أنه بالرغم من أن مساحات حركة الحركات الدينية فى السياق العربى كانت ـ بالأساس ـ وسط:

«المهمشون، والفقراء والمستضعفون، والذين ليس لهم أين يسندوا رأسهم (أى بلا مأوى)، أو الغلابة عموما».

إلا أنها لم تستطع أن تغير من الأسباب التى أدت إلى تدهور أحوال هؤلاء «الغلابة»، فقط قدمت لهم الخدمات الخيرية لتبقيهم أحياء، ما يعنى بقاء الأمر الواقع على ما هو عليه.. هذا فى الوقت الذى رفعت بعض هذه الحركات السلاح فى مواجهة السلطة اليمينية الحاكمة ولكن لأسباب أخرى تتعلق بالتنافس على السلطة فى المقام الأول.

(3)

أى أن الحركات الدينية لم تطور خطابا أو تقدم آليات مبتكرة تدفع «بالغلابة» لكى يتحرروا من واقعهم المؤلم، ذلك لأنهم لم يؤمنوا بأن هؤلاء «الغلابة»: هم بشر، لديهم طاقة كامنة بداخلهم، لأنهم خلقة ربنا، وقطعا وضع فيهم الله ما يميز كل واحد فيهم، لأنهم مستخلفون (إسلاميا) وصورة الله (مسيحيا)، أى عليهم مهام يجب أن يقوموا بها لإعمار الأرض وتقدمها، وعليه لابد من بذل الجهد ـ وإعمال الاجتهاد فى آن ـ لتهيئة كل السبل لاكتشاف وإطلاق هذه الطاقة الكامنة، قدر الإمكان، بيد أن هذه الحركات لم تقم بما كان عليها أن تقوم به، بل الأغرب أنها فى خطابها انحازت لخطاب اليمين السياسى، بأن الفقر قدر.

لذا اليسار الدينى، ليس مشروعا فكريا فقط ـ بحسب حسن حنفى ـ منبت الصلة عن الواقع، إنما هو مشروع متكامل: فكرى وحركى، حيث العلاقة بينهما تكون جدلية ومبدعة.

هكذا تقول حركة على شريعتى فى إيران، ولاهوت التحرير فى أمريكا اللاتينية، والمسيحية الجديدة فى أمريكا، وعبدالله جولن فى تركيا، مع اختلاف السياقات، ونواصل…

عن جريدة المصري اليوم

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق