جدارية الغيم العابر

 القطار ينطلق عابرا. وجوه الواقفين على الرصيف المحاذي آخذة في التلاشي، الأصوات تستحيل إلى ضجيج مبهم، الأوراق والرسائل تتناثر مع عصف رياح نديّة، القطار يرحل وصفيره يعلومخترقا جدار العاطفة، الذكريات تموج في مخيلتي الضّاجة ببقايا صور ميتة. يميل رأسي من ثقل الصور، فيلتصق بزجاج المقطورة المضبب، تشكيل من السحب ينتظم مجسما صورة لها.. أستجدي الرياح ألا تعبث بتلك الغيمة.. أتهيّب كما لوأنني أستعد لخوض غمار معركة غير متكافئة، معركة خاسرة مسبقا.. في داخلي يعلوالهتاف والزعيق ، يداي تصفقان في خاطري، أصفّر وأطلق المفرقعات وأنا أشجع التشكيل الغيمي على الصمود أكثر في وجه الريح الخريفية، تمنيت لوأمكنني جمع تلك الغيمة في حقيبة سفري لعلي أظفر بشيء منها.. بدأ نسيج وجهها في التفسخ وأنا أرقب ذلك تعسا، الغيمة آخذة في التفكك والالتحام من جديد بأشكال أخرى مبهمة.. ثغرها الملائكي وحده قاوم إرادة الخلق الجديد، بدا عصيّا على الدمج وإعادة التشكل الروتيني.. كانت ملامحها النورانية وهي تغرق في وحل الدخان وتتوارى كسمكة مفعمة بالحياة أفلتتها يد صياد هاو، وكنت أنا في وسط هذه التراجيديا السماوية أقف متصدعا كجبل موسى بعد أن غمره نور الله.. وجه حبيبتي يصير مسخا كافكاويا.. ما يشبه رأس دبّ بأذني فيل وزعانف حوت، وتارة أخرى تتجمع الغيوم مشكلة خردة دبّابة عسكرية بقوقعة سلحفاة بدائية.. الريح سريالية في تشكيلها الدخاني.. وأنا من نافذة القطار المصدعة أمارس نقدا تشكيليا كباقي النخبة الفنية المعتمرة لقبعة البيريّه وربطات العنق الغريبة الأشكال وغير المتناسقة الألوان.. لكني لست محايدا، كيف أكون كذلك و“وفاء” صارت مسخ دبّابة؟ بعد هذا، لا تسألونني عن الحياد والتجرد في النقد الفني..

 السماء مصابة بالبرص، أكوام دخانية تتناثر هنا وهناك كقطيع غنم شارد، والقطار يلتهم الحقول بنهم، وجوه المسافرين شاحبة ومصفرة كسنابل ناضجة، في الأفق خلف الحقول ضباب خريفي يتصاعد من جهة البحر، أتذكر كل شيء جمعنا ببعضنا، نسمة عطرها الفريد، حياؤها القروي، شغبها اللذيذ، هدوؤها الصحراوي، عمقها البحري.. حتى حلاوة الشاي المنعنع لازالت تغريني بالسمر معها إلى حدود انطفاء نجمة الشمال.. ورسائلها القصيرة المزدحمة في ذاكرة هاتفي تتحدث عنها كلما تكدّس الغبار في ذاكرتي.. أتلعثم وأنا أحاول قراءتها كلما اعتراني اليأس من صحبة الأمل الكاذب، فتسابق عيني لساني وأطالعها مصوّرة، تضج بالحياة.. من اللعين الذي ابتكر لعبة الوداع؟ أريد أن أحضن نوّارتي المحجبة الآن وهنا.. الآن وهنا.. من سرقها مني؟

 ارتفع هدير محرك القطار فجأة فقطع شريط خواطري المعقود كحبل مشنقة، المراقب يتفقد المقطورات ويعاين التذاكر، أومأ إلي بحاجبه فاكتفيت بهز رأسي إيجابا، أخرج سيجارة من جيب معطفي وأهمّ بإشعالها فتلتقي عيني بعيني عجوز أنهكها السفر والمرض، أحسبها مسلولة أوأنها في طور التقاط العدوى.. ينتابني شعور بالشفقة فأسحق رأس سيجارتي وأدسّها في جيبي من جديد..  

 من بعيد لاحت أضواء المدينة الخافتة، حمرة الشفق تمتزج بسواد السحب المتدرج في قتامته، مرة أخرى ريشة الريح تحسن خلط الألوان، لا أثر لوجه حبيبتي، السواد يبتلع كل التشكيلات ويزحف رويدا رويدا باتجاه الأفق المشتعل كجمر.. يرن هاتفي، رقم غريب ليس مدرجا على قائمة معارفي، أتريث قليلا، ليس لي رغبة في الحديث الرسمي، أمقت السؤال الأزلي: كيف حالك؟.. لا أعرف كيف ضغطت سبابتي على الأيقونة الخضراء فانفتح الخط.. .
-ألو..
-من معي؟
-أنا..
-لا تطيلي وقولي من أنت رجاء..
-أ نسيتني؟ أنا وفاء.. .
 أقفز من مكاني وأحاول الحفاظ على رباطة جأشي كي لا أنهار.. وأستفسر مذهولا بصوت متقطع يرتعش: وفاء.. وفاء.. هل أنت وفاء التي.. .
 تقاطعني بصوت أعادني إلى عمق الذكرى وأحيا بداخلي يباب الهجر والفقد: أي نعم.. أنا وفاء.. طمئني كيف حالك يا أحمد؟

 ماذا عساني أجيبها، وهي تنتظر على الهاتف.. ؟ أأقول لها: منذ افترقنا وأنا أناجي النجم لعلّه يبعث لي بنبيّة تكون آخر سلالتها الأرضية.. أم أحصي لها كم صلاة أقمتها لكل الآلهة الممكنة وتلك المستحيلة أيضا كي تتقبلني قديسا أوراهبا ينذر حياته للمحراب، فلن أشبك يدي بيدي امرأة بعدها.. .أأشرح لها كم جرحا في داخلي ظل وفيا للنزيف؟ أأخبرها كم من غيمة حمّلتها صورها فتبددت كدخان السجائر الهش؟ أتعلم أن مقعدها بجانبي لازال فارغا في المقهى والحديقة وصالة الدرس والأتوبيس المهترئ ؟.. .لازالت تنتظر ردي خلف هذا الجهاز الثرثار، كيف تفصلني قطعة البلاستيك المشحونة هذه عنها؟ أستشعر أنفاسها الخافتة، أتشمم عبير ريقها.. هدير المحرك يفسد علي لذة الذوبان في خلاياها.. لازالت تنتظر جوابي.. العجوز جحظت عيناها كما لوأنها لاقت روحا شيطانية، أصابعها جافة مقوسة كأعواد الخريف ترتعش وهي تلتهم عقيق السبحة وشفاهها ساكنة، تلتقط أذني صرخة رضيع، أشرئب كضفدع تاه عن المستنقع، تنتابني رعشة تسري فيّ كدبيب صعقة عالية التوتر.. أستجمع قواي وأغمغم وأنا غير قادر على الإدلاء بجواب.. سيل من الأسئلة ينهار داخلي، يفور كبركان فتيّ، تقطّع صوتي حتى بدا كحشرجة امرأة ثكلى، كانت لدي رغبة في أن أصرخ بشكواي.. أن أؤجل كل شيء، أن أتخطى الأسئلة الروتينية المبتذلة، أن أقول كل شيء لها.. ولكني فشلت.. تنهدت وطمأنتها أني بخير.. نظرات العجوز الزجاجية بدت لي شاخصة.. ولولا حركة أصابعها لظننتها تنازع الموت، كانت تحدق فيّ وخيل إليّ أنها تسخر من كذبي، هي تستقرئ سحنتي وتدرك جيدا أني لست بخير.. أضواء المدينة تزداد توهجا والتماعا، الأفق بدا ملطخا بسحب أرجوانية، إنه تفاعل البخار الغيمي بحبيبات الضوء المنفلتة، إنه انعكاس تجريدي.. و“وفاء” بدورها لم تتلاش من شعوري، ولكنها كانت تجريدا أسطوريا، فبعد اختفائها المفاجئ كشفق نقي، عادت لتصبح تجريدا بهيّا، لا أريد أن أقول بأنني كففت عن عشقها، بل على العكس كانت تسكنني كجنيّة، وكنت أشتهيها كما يشتهي المرء أشياء ضيّعها إلى الأبد..

 رقم مجهول يعاود الاتصال بي، أكتم أنفاس هاتفي، وأدسّه برفق داخل جيب المعطف الداخلي، نظرت إلى المساء من خلال زجاج النافذة المغبر، القطار ينفث آخر حلقات البخار، يتنحنح كعجوز مسلول.. يلفظ من جوفه الحقائب والعابرين..  أزرّر معطفي وأهمّ بالنزول برفق، ريح خفيفة ترفع الغبار من على الرصيف المبلط.. أخترق جموع الناس وأتبدد كغيمة عابرة.. .
 
 أحمد الخراز: كاتب من المغرب
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق