حين يطالب السلفيون بحرية المعاشرة الجنسية / عبدالسلام الككلي

قالت الناشطة الحقوقية راضية النصراوي في حوار على قناة فرنس 24 يوم الاثنين 03 جوان 2013 إن العديد من الأوساط السياسية والحقوقية في تونس أصبحت قلقة مما وصفته بتراجع منظومة مكتسبات المرأة في تونس خاصة مع تفشي ظاهرة تعدد الزوجات والزواج العرفي بعد صعود حركة النهضة إلى الحكم. وتعود أسباب تفشي الظاهرة في نظرنا إلى سببين أولا طبيعة القانون التونسي و ثانيا صعود الإسلاميين إلى الحكم مع إمكانية تداخل العاملين في الفترة الأخيرة . .

المفارقة العجيبة

تنفرد محاكمنا قبل الثورة وحتى بعدها بمشاهد غريبة تلك التي تجمع في أكثر من مناسبة بين الادعاء والقضاء من جهة والمحامين وبعض الشباب الموقوفين من السلفيين خاصة من جهة أخرى، فالادعاء يحاول جاهدا إلصاق تهمة الزواج “على خلاف الصيغ القانونية” بالمتهمين والدفاع يجتهد في إقناع هيئة المحكمة بأنّ علاقة موكله بموكلته هي علاقة رجل بعشيقته مما يجعلها تدخل في باب الحرية الشخصية. فما الذي يجعل رجلا إسلاميا يتخفى وراء حرية المعاشرة الجنسية رغم أن ذلك يعد زنا بحسب “الشريعة الإلهية” التي يطالب الكثير منهم بتطبيقها .

بين الفقه الشرعي والقانون الوضعي

حرم الإسلام كل علاقة جنسية خارج إطار الزواج معتبرا اياها فاحشة بدليل القول القرآني» ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا» ( الإسراء 32) وسلط على مرتكب الزنا أشد العقوبات. وتختلف العقوبة المقررة في الفقه الإسلامي عن اقتراف الزنا حسبما كان الزاني بكرا او محصنا فاذا زنى البكر ذكرا او انثى عوقب بالجلد مائة جلدة واذا زنى المتزوج رجم حتى الهلاك. ولئن تأثر المشرع التونسي في مجلة الأحوال الشخصية وفي المجلة الجزائية ببعض مفاهيم الفقه الشرعي وحتى ببعض ألفاظه ( استعمال كلمة الفاحشة مثلا ) فانه اختلف عنه اختلافا جوهريا في تكييف الجرائم وليدة العلاقات الجنسية غير القانونية وفي تحديد العقوبة المستوجبة في حال ارتكابها. والاختلاف الذي يهمنا هنا هو الاختلاف في اعتبار تحديد جريمة الزنا حيث ارتبطت في القانون التونسي بخلاف الفقه بالخيانة الزوجية حصرا وهي وليدة علاقة جنسية بين رجل وامرأة كان أحدهما أو كلاهما مرتبطا بزواج رسمي مازال قائما مع الغير على معنى الفصل 236 من المجلة الجزائية. فاذا استثينا جريمة الزنا كما يحددها المشرع التونسي وإذا استثنينا أيضا الجرائم الجنسية الأخرى التي تقع تحت طائلة القانون والقائمة على المثلية أو الاستكراه فقد صنف المشرع التونسي العلاقات الجنسية القائمة على الرضا ولكن غير القانونية بين الرجل والمراة الى أنواع مثل الزواج على غير الصيغ القانونية وجريمة البغاء السري والمشاركة فيه وجريمة المواقعة بدون قوة او بالرضا لفتاة قاصرة. وما يسترعي انتباهنا هنا في تبين العلاقة بين الفقه والقانون هو ذلك المزج بين فكرة تجريم العلاقة الجنسية في الحالات المذكورة وعدم تجريمها في حالة قيامها بشكل عرضي وبالرضا بين شخصين راشدين غير متزوجين وذلك بخلاف الفقه الشرعي . وقد يكون هذا المعطى ساهم في انتشار ظاهرة ممارسة الجنس من دون زواج في تونس. ومن المفارقات العجيبة أن الإسلاميين أنفسهم قد استفادوا منها. فهذا الغموض أحيانا في التمييز بين الحالتين هو الذي شجع كثيرا منهم على الزواج العرفي أو تعديد الزوجات دون خوف من التبعات القانونية لسلوكهم .

هل يمارس الإسلاميون علاقة حرة أم زواج على غير الصيغ القانونية؟

لا شك ان الإسلاميين من الاتجاه السلفي أو غيرهم من ذوي الميولات الدينية يدركون بأنفسهم أو من خلال وكلائهم هذه الفروق بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي التونسي ولذلك كثيرا ما يحاولون إيهام المحكمة انه من حقهم إن يعاشروا من النساء من يشاءون وبالعدد الذي يريدون وبالصيغة التي يختارون على اعتبار إن ذلك يدخل في باب الحرية الشخصية( وهو الفخ الذي يقع فيه أحيانا عن سذاجة بعض الليبراليين أو العلمانيين ). فهل ذلك صحيح؟

الإسلاميون يمارسون “عقيدة دينية ” لا حرية شخصية

أن شروط صحة عقد الزواج وفق القانون التونسي تتمثل في توافر السن القانونية للطرفين، ووجود الشهود والإشهار مع إثبات هذا العقد في السجلات الرسمية لدى عدول الإشهاد أو ضبّاط الحالة المدنية في البلديات.. ويجرّم القانون التونسي كلّ صيغ الزواج التي لا تستجيب للشروط القانونية والمدنية، معتبراً إياها باطلة لكونها “زواجاً على خلاف الصيغ القانونية” ومن أهم شروط صحة الزواج حسب القانون الوضعي التونسي الذي ورد في مجلة الأحوال الشخصية والتي تعتبر المرجعية القانونية الوحيدة لإتمام مراسم الزواج، هو توفر السن القانونية للقرينين، ووجود الشهود والإشهار، والأهم من ذلك هو إثبات هذه العملية في سجلات رسمية عن طريق أطراف مخولة قانونياً لذلك، مثل عدول الإشهاد وضباط الحالة المدنية، وأي صيغة زواج لا تستجيب لهذه الشروط القانونية والمدنية تعتبر باطلة باعتبارها “زواجاً على خلاف الصيغ القانونية”، وهو ما يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. ومن الثابت ايضا قانونا وعادة ان الزواج سواء كان قانونيا او مخالفا للقانون يجب ان تتوفر فيه شروط اهمها استقرار القصد والنية لدى الزوجين في الارتباط وبروز هذا القصد في مختلف المظاهر الدالة عليه التي منها المعاشرة او المساكنة وهذا ما قصده الفصل 31 من مجلة الحالة المدنية الذي أوضح طريقة ابرام العقد ورتب الفصل 36 من نفس القانون جزاء لمن يتزوج على خلاف الصيغ القانونية. وكل زواج قانونيا كان أو غير قانوني ينبغي ان تتوفر فيه المقومات المادية حتى يعتبر زواجا. وأنه خلافا للمجتمعات الغربية التي تبيح العلاقات الحرة بين الجنسين ولما هو موجود في الشرق من زواج عرفي فان المشرع التونسي اشترط لصحة عقد الزواج توفر جملة من الشروط الجوهرية والشكلية من دونها تبقى العلاقة بين الرجل والمرأة انحرافا باطلا وموجبا للردع. ويتضح مما ذكر ان العلاقة التي يقيمها كثير من الاسلاميين هي من نوع الزواج بخلاف الصيغ القانونية بجميع مقوماتها كالديمومة و المساكنة وهو ما يبرر في كثير من الحالات تتبعهم جزائيا اثر إعلام يصل إلى النيابة العمومية يقوم به افراد من العائلة أو من الأجوار أو ممن قد يكون متضررا من العلاقة بشكل من الأشكال أضف إلى ذلك وجود أبناء أحيانا ، فما الذي يجعل رجلا إسلاميا يعيش مع امرأة عيشة الأزواج ولكن يدعي رغم ذلك أنها عيشقته .؟

صادق مع “شرع الله” مستفيد من قانون البشر

يبدو السلفيون عادة مطمئنين جدا إلى سلامة موقفهم وسلوكهم مع الله والقانون .كيف ذلك؟ لا شك لدينا ان كثيرا منهم يقيمون علاقة من نوع الزواج العرفي رغم انهم لا يعترفون بذلك وهو ما يجعلهم خارج منطقة الزنا بالمفهوم الشرعي لاعتقادهم بصحة وسلامة هذه العلاقة من الناحية الدينية الشرعية إذ أنها زواج على سنة الله ورسوله على حد رأيهم لا حاجة لها بالاعتراف بالقانون الذي صنعه البشر مما يفتح الباب أمام الطعن في مجلة الأحوال الشخصية برمتها وخاصة القانون المجرم لتعدد الزوجات . ولكنهم يعتبرون علاقتهم بالمرأة التي يعاشرونها معاشرة الأزواج وبالنظر إلى القانون التونسي في حال قيام تتبع ضدهم ممارسة لحرية شخصية، وهو مجرد تحايل يساعدهم عليه محاموهم الذين كثيرا ما يكونون هم أنفسهم من الإسلاميين . كيف ذلك ؟يُعرّف الزواج العرفي بأنّه زواج يشهده الشهود والوليّ في بعض الحالات، ولكنه لا يوثّق توثيقاً رسمياً في المحكمة بمعنى أنه ليس زواجاً مدنيّاً موثقاً ً، ويتمّ عن طريق كتابة عقد غير قانوني بين طرفين، بحضور شهود أو غيابهم أحياناً، ولا تترتّب على هذا النوع من العقد نفقة وليس للزوجة أية حقوق قانونية لدى الزوج أثناء الزواج وبعد الطلاق.

والزواج العرفي نوعان، العلني وهو ما كان معمولاً به إبّان بدايات الدعوة الإسلامية وفي بعض البلدان العربية الى حد الان وفي تونس ما قبل الاستقلال،.. والنوع الثاني سري فقد اظهرت دراسة ميدانية أكاديمية أن ظاهرة الزواج العرفي السري انتشرت بنسبة 80 بالمائة في صفوف الطلبة السلفيين بالجامعات التونسية وبنسبة 20 بالمائة في صفوف الطلبة المتعاطفين معهم (وهو موضوع نشاهده في جامعاتنا و يحتاج إلى حديث خاص) 

 هكذا اذن فما يمارسه الاسلاميون لا علاقة له بالحرية الشخصية بل هو جريمة يعاقب عليها القانون فالزواج العرفي مجرّم في القانون التونسي حسب القانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في غرة أوت 1957 والمتعلّق بتنظيم الحالة المدنية. فقد جرم القانون المشار إليه بفصله 36 الزواج بخلاف الصيغ المحددة بالقانون. فبالإضافة إلى بطلان الزواج الذي لا يبرمه من تمت الإشارة إليهم يعاقب الزوجان بالسجن مدة ثلاثة أشهر، و اذا استمرّ الزوجان في المعاشرة رغم التصريح بإبطال زواجهما يعاقبان بالسجن مدة ستة أشهر.

الزواج العرفي ودولة الإسلاميين

هكذا فان تفاقم هذه الظاهرة يفسره في تقديرنا عاملان أولا هذا المزج بين تجريم العلاقة الجنسية أو إباحتها الذي يعترى القانون التونسي والذي يوقع الكثيرين في الخلط بين الحرية الجنسية والزواج على غير الصيغ القانونية ومنهم عن جهل بلا شك بعض من ينسب نفسه للحداثة وثانيا تهاون «السلطة الإسلامية» في تونس في تتبع مثل هذه الجرائم. ولا ريب أيضا أنّ تفاقم ظاهرة الزواج العرفي في تونس واعتراف البعض بذلك جهارا كما فعل ذلك احد المسؤولين في الدولة في حوار تلفزي وهو السيد الإسكندراني النهضاوي المسؤول بوزارة الخارجية( راجع الحوار الذي بثته قناة التونسية يوم 5 جانفي 2013 مع السيد الإسكندراني )، نتاج طبيعي لصعود الحركات الإسلامية إلى الحكم. أن تسامح حكومة الترويكا مع الجماعات الإسلامية وخصوصاً منها السلفية أو الجهادية التي لا تعترف بالقانون «الوضعي»، هو السبب الرئيسي في تزايد عدد مثل هذه الزيجات، في غير الأطر القانونية. فهل يكون هذا التسامح مقدمة لتشريع تعدد الزوجات وهو جوهر الموضوع ولبه الذي يبدو أن البعض يريد فرضه على المجتمع التونسي مستغلا طبيعة القانون الوضعي الذي ينكره ولكن يتحيل عليه ويستفيد منه فيعدد الزوجات خارج القانون ثم يدعي بعد ذلك انه يمارس حريته. نحن الى حد الان أمام طرق متخفية للعودة إلى نظام تعدد الزوجات لا تريد ان تعلن عن نفسها بصراحة بعد، ولكن من يدري ما تحمله قادم الأيام؟

عن جريدة المغرب

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق