السلف الصالح و الظاهرة التكفيرية (2-2) / الحبيب الجنحاني

– قال صاحبي : تناول حوارنا الأسبوع الماضي مسألة محورية يمكن تلخيصها في ثلاث جمل :

تعلن الأولى أن تعدد المذاهب و الفرق ، و اختلاف الرؤى ، و تنوع اجتهادات كبار علماء الإسلام في فهم النصين المؤسسين : القرءان و السنة الثابتة يجعل من المستحيل الحكم على أي مسلم بأنه عدو الإسلام ، و بالتالي يكفر ، ويهدر دمه ، كما هي المأساة التى يعيشها الإسلام اليوم.

وتؤكد الثانية أن من يذهب هذا المذهب ، ويرتكب هذه الكبيرة فهو يشوه الإسلام ، ويقدم خدمة جليلة لأعدائه .

و تقول الثالثة لما ظهر بعض الغلاة الذين افتروا على الإسلام ، و كفروا أعداءهم السياسيين قاومهم كبار الصحابة دون تردد ، ودون هوادة ، إذ أنهم أدركوا منذ اللحظة الأولى خطرهم على السلطة الإسلامية الناشئة لما أعلنوا مقولة “لا حكم إلا لله” ، ذلك أن هذه المقولة تعني نفي أي سلطة لتنظم شؤون الناس ، وتجعلهم مسؤولين عن مصيرهم، ولا حتمية في ذلك ، كما ذهب إلى ذلك كثير من علماء الإسلام.

برز تيار الغلاة أيام حرب صفين ، ورفعوا مقولتهم “لا حكم إلا لله” ، وانشقوا عن الإمام علي ، وقد كانوا من أوفى أنصاره ، إن إدراكه خطر شعارهم جعله يترك خصمه السياسي معاوية بن أبي سفيان ، ويتجه لقتالهم في معركة النهروان ، وقد قتل منهم عددا كبيرا،وحجته الأساسية في ذلك تفكيرهم له، ولمن بقي مناصرا له في حربه ضد جيش الشام، وبالرغم من غلوهم فان الإمام علي كرم الله وجهه لم يتهمهم بالكفر لأنه من أعلم الناس بأنه لا يمكن تكفير المسلم، كما يفعل غلاة اليوم و بعد مرور أربعة عشر قرنا عن النهروان .

قد آن الأوان أن نسأل عن الظاهرة التكفيرية في صدر الإسلام ؟

-  قلت : أبادر قائلا: لم تخبرنا المصادر الجدية التي أرخت لصدر الإسلام عن الظاهرة إلا ما روته عن موقف جماعة النهروان غداة قضية التحكيم في صفين، وهذا ما يجعلني أشك كل الشك في خلفيتهم الدينية لما رفعوا مقولتهم “لا حكم إلا لله” ، ملاحظا أن زعماءهم يصنفون ضمن أنصار علي ، و أميل إلى الاعتقاد بان موقفهم هو جزء من خطة رفع المصاحف التي نسج خيوطها عمرو بن العاص لما أصبحت هزيمة جيش الشام على قاب قوسين أو أدنى ؟

اكتفي الآن بالإشارة السريعة إلى الأحداث الكبرى التي عاشها القرن الأول للهجرة :

أ‌- انتفاضة الجيل الثاني من سكان الأمصار الإسلامية الجديدة ، و من انضم إليهم من سكان المدينة ضد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان (ر.ع.) ، واغتياله و المصحف بين يديه، فقد انتقم من بعضهم ، و لكننا لم نسمع من كفرهم

ب‌- لما رفض سكان المدينة بيعة يزيد بن معاوية أرسل إليهم عام 63 هـ جيشا استباح مدينة الرسول (ص) ، وقتل الأطفال و النساء و الشيوخ ، وبلغ عدد القتلى عشرة آلاف ، و نجد ضمنهم عددا كبيرا من الصحابة ، و من البدريين ، و لم نسمع لا من الصحابة ، ولا من العلماء من كفر يزيدا ، قالوا عنه إنه ماجن ، ويرتكب الفواحش ، ولا يستحق الخلافة ، ولكنهم لم يكفروه، بل استمر يصلى بالناس ،و لا ننس الإشارة هنا إلى أنهم ضد توريث السلطة، الغريب أن التكفيريين اليوم يسكتون عن توريث السلطة في أقطار إسلامية يستقبلون دعاتها استقبال الفاتحين ، ولم نسمع لهم رأيا فيما يحدث في بلدانهم 

ج‌- الحجاج بن يوسف استباح مكة عام 72 هـ ، و حاصر زعيم الانتفاضة الزبيرية ضد الأمويين في الكعبة ، وضربها بالمنجنيق ، وصلب ابن أحد المبشرين بالجنة ، وابن ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر ، وحفيد عمة الرسول (ص) صفية عبد الله بن الزبير ، فقال الناس انه قاتل و سفاح ، و لم نسمع من كفره ، بل واصل سنوات طويلة يؤم الناس في مساجد مدن العراق، وقبل هذا وذاك فلا ننس أول حرب أهلية في الإسلام، وقعة الجمل بمدينة البصرة عام 36 هـ، ثم تلتها بعد أسابيع قليلة الحرب الأهلية الثانية بصفين ، وقد قتل فيهما عشرات الآلاف ، و بينهم مئات من كبار الصحابة ، ولم نسمع من كفرهم ، أو نعتهم بأعداء الإسلام، فقد فهم الجميع يومئذ أن الصراع على السلطة ، و ليس له علاقة بالإسلام ، و إن وظف النص الديني من أجل أهداف سياسية سلطوية.

نعم وجهت تهمة الزندقة لكن ليس لأسباب دينية ، وإنما قصد التخلص من الخصوم السياسيين البارزين ، و كانوا في جل الحالات من كبار العلماء ذوي التأثير في العامة ، كما حصل ذلك مع غيلان الدمشقي ( صلب على أبواب دمشق عام 106 هـــ) بعد ان لفقت له تهمة دينية ، ولكن السبب الحقيقي هو نسفه القاعدتين اللتين أسست عليهما الخلافة الأموية : اعلانه أن الحديث “الامامة في قريش” هو حديث موضوع ، ومعارضته توريث السلطة .

-  قال صاحبي : إن غياب الظاهرة التكفيرية في صدر الإسلام رغم فداحة الأحداث ، وفهم المسلمين أن الصراع ليس دينيا ، بل هو صراع على السلطة يجعلنا نتساءل: هل التكفيريون اليوم أشد إخلاصا للإسلام ، و أعمق معرفة بمبادئه من الصحابة ، و من كبار علماء جيل التابعين ؟ .

– قلت :مع ضرورة الإضافة في هذا الصدد إلى أن جيل صدر الإسلام يعرف قيم الإسلام ونصوصه المؤسسة معرفة جيدة، أما جيل الغلاة اليوم فثقافتهم الإسلامية تكاد تنحصر في مقولات محنطة لقنوها لتحقيق أهداف لا يعلمون عنها شيئا ، وكيف لا يكون ذلك كذلك، وقد صممت وراء أبواب مغلقة خارج دار الإسلام 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق