“عقلانية” الجماعة الحاكمة الإيرانية الخمينية في هزيمتها ومفاوضتها… لا تقتصر على الاقتصاد / وضاح شرارة

هل وجهت طهران دعوة الى كاثرين آشتون ودعتها الى زيارتها أم ان وزيرة الاتحاد الاوروبي لم تتلق دعوة مثل هذه؟ هل يقصد بالدعوة المفترضة دعوة قديمة تلبيها “اللايدي” متى شاءت أم انها “ليست جديدة ولكنها صحيحة”، على قول نائب وزيرة خارجية إيران عباس عراقجي؟ هل قبلت طهران إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية مكتباً موقتاً أو دائماً في العاصمة الايرانية “للتحقق” من إنفاذ طهران اتفاق جنيف، على ما يقول ديبلوماسيون ويسوغون، أم “الامر لم يطرح في المفاوضات، وهذا نبأ مختلف، والوكالة لم تشترط مثل هذا الامر؟”، على قول بهروز كمالوندي باسم المنظمة الايرانية للطاقة الذرية؟ هل يستأنف مهدي كروبي، المقيم جبراً منذ شباط 2011 في منزل اعتقال أمني، حياة سياسية، على زعم رسول منتجب، نائب كروبي في رئاسة حزب “اعتماد ملي”، أم أن الرجل ضالع في أخطر تحدٍ جبه “الجمهورية الاسلامية” الخمينية منذ نشأتها، على قول بعض الجنرالات في الحركة الديموقراطية التي هزت أركان السلطان في طهران، وجزاؤه الموت المرجأ والمعلق قهراً وخوفاً وإذلالاً؟

ولائحة أسئلة من هذا الصنف تطول في شأن طهران وسياساتها. فيكاد يسأل المتقصي: هل عقد في جنيف قبل نحو الشهرين ما يشبه اتفاقاً على ما يسمى ملفاً نووياً؟ وعلامَ اتفق؟ وعلام اختلف؟ ويثير مثل هذا السؤال سؤالاً يسبقه أو يلحقه: هل خرجت الحكومة الايرانية منتصرة ومظفرة، وأرغمت “الغرب” على الإقرار بـ“حقوقها كلها”، وفيها “حقها” في انتهاك معاهدة حظر الانتشار النووي إذا اقتضى أمنها ذلك؟ أم أنها تخلت عن عزتها وانتصاراتها العسكرية والسياسية، وعن مكانتها دولة عالمية عظيمة ومفتاحية لقاء رفع عقوبات متهاوية، كانت سبباً في ابتكار شعب إيران حلولاً مذهلة ومعجزة، تقنية وعلمية واقتصادية، للمشكلات المفروضة والمصطنعة؟

والحق أن المحللين والمراقبين والصحافيين والسياسيين لم ينفكوا في أثناء الاعوام الثمانية المنصرمة، منذ ابتداء المفاوضة بين مجلس الامن (وألمانيا) وبين نائب المرشد على رأس مجلس الامن القومي من طرح الاسئلة عما تريده إيران الخمينية وتجربه وتختبره فعلاً وراء أو تحت ستارة من الخطابة الحربية والسلمية واللاحربية لاسلمية معاً. وأصر فريق من هؤلاء (المحللين…)، في خضم الغبار المعمي، على ما سموه “عقلانية” القرارات الايرانية الكبيرة أو الحاسمة، وفي قلبها القرار النووي. وعزا كثر العقلانية المفترضة الى تجربة حرب ايران العراق. فيومها، على قول هؤلاء، وسع القيادة الخمينية، وهي نحو أربعين اجتمعوا عشية اعلان طهران قبولها القرار الدولي 598، وأجمعوا على الرضوخ له. وكانت مضت شهور على صدور القرار. وتلكأت الحكومة في انفاذ القرار كاملاً قرابة شهرين قتل في أثنائها بضع عشرة ألف قتيل، وظهر على رؤوس الاشهاد انهيار آلة الحرب الخمينية، النظامية و“الثورية” (الحرسية والباسيجية). ولم ترضخ القيادة الاربعينية إلا في ختام مطاف طويل بدأ في الثلث الاخير من ثمانينات القرن الماضي، وتضافر على مباشرته وبلورته القطب الدولي الراجح وقطب إقليمي نفطي ينزع الى الرجحان.

وشأن الحال اليوم، اقتضى الامر يومها التضييق على اقتصاد الحرب النفطي الايراني، والعراقي استطراداً وحكماً، في سبيل إقناع الحلقة الحاكمة حول روح الله خميني (وهو في نزعه) بالخروج من حرب تتهدد نظام الحلقة بالانهيار الوشيك إذا هي لم ترجع في قرارات خرقاء. ولكن حمل رجوع كبار المعممين والضباط والاعيان والنافذين جراء “حصار” نفطي قسم سعر الذهب الاسود على ثلاثة، على عقلانية اقتصادية محض لا يفي بالتعليل. فنحت العقلانية الاقتصادية الحسابية عقلانية سياسية لا ريب فيها دعت طبقة الاعيان الاولى أو العليا الى احتساب الرأي السياسي الشعبي، على ما بدا في مرآة الانهيار العسكري، وفي انتخابات الرئاسة الوشيكة والانتخابات النيابية الشوروية التي مالت فيها كفة مهدي كروبي نفسه! ولم تخلُ هذه العقلانية، كذلك، من حساب ديبلوماسي إقليمي ودولي: فإعلان غورباتشوف إزماعه إجلاء جيشه من افغانستان، على حدود ايران الشرقية، لم يكن ضعيف الاثر في رضوخ هاشمي رفسنجاني وعلي خامنئي لتناول “كاس العلقم”، على قول الولي الفقيه قبيل لقائه وجه ربه. و“عوضت” الجماعة الحاكمة قرارها العقلاني آنذاك بأربع ولايات رئاسية “عاقلة” نسبياً في الداخل (1989-1997 لرفسنجاني و1997-2005 لخاتمي)، قطعها محمود احمدي نجاد وتأييد خامنئي.

ولكن البعد السياسي في المسألة ليس ثانوياً، على رغم قوة حجة العامل الاقتصادي. فاستبداد النظام وطغيان أعيانه وأقياله لم يستأصلا بعض منازعه الشعبية والقومية الحية، على مثال امبراطوري أو سلطاني عثماني، “أُسري شعبي” على قول بعض مؤرخي دولة بني عثمان، وستاليني في حقبة الحرب الثانية. وهذا ما يفتقر إليه الحكم الكوري الشمالي أو نظام “عصابة” آل الاسد، على سبيل المثل. واستثمار الجماعة العلمائية والحرسية والاوليغارشية العصبية “الاسرية الشعبية”، أو الملية والقومية الاهلية في الحال الايرانية، في تثبيت سلطانها، واستحواذها على حصص المنافع والسيطرة واقتسامها بين أجنحتها، وفي تحريكها الجماعات والعصبيات الاهلية في بلدان الجوار المضطربة- هذا الاستثمار يظهر جلياً في فصول الحرب الطويلة التي جرها صدام حسين إليها، واضطرت “الاقليم” الشرق أوسطي الى خوضها. وعلى نحو ما خاضت الجماعة الحاكمة الحرب، خرجت منها، على ما تجلو رواية فصلي الهزيمة الايرانية والانتصار الامر.

“رمضان المبارك”… الصدامي

في صبيحة 17 نيسان 1988 الساعة الرابعة والنصف، مع إقامة المؤذن أذان فجر اليوم الاول من رمضان، ابتدأت القوات العراقية حملة “رمضان المبارك”، على ما سمى صدام حسين، القائد الاعلى والاوحد للجيش، حملته. واجتمع في اليوم العتيد ابتداء الصوم وقدَّر الرئيس العراقي أن الـ20 الف ايراني المرابطين على جبهة البصرة الجنوبية، في شبه جزيرة الفاو، لن يتخلفوا عن الصيام والصلاة والتأمل والتعب- والذكرى الواحدة والاربعين لإنشاء حزب البعث العربي (العفلقي والبيطاري) الحاكم في بغداد رسمياً. والـ20 ألف ايراني هؤلاء ينضوون في فرقتي مشاة تساندهما فرقة مدفعية، وبعض أفواج أطفائية، ونحو 100 دبابة و150 مدفعاً. وحشد العراقي قبالة هؤلاء- وهو قضى شهراً كاملاً في إيهام قيادة عدوه أنه عازم على مهاجمته في كردستان العراق حيث استولى الحرس الثوري والجيش النظامي الايراني على 600 كلم2 حول السليمانية وغير بعيد من حلبجة، وشارك الجيشان المتحاربان في قصفها بالغازات السامة والقاتلة حشد 100 ألف رجل بمحاذاة الفاو، و2500 درع أو آلية (فيها 1200 دبابة)، و1400 مدفع ونحو مئة طوافة مقاتلة، وقسَّم جيشه اللجب هذا على 12 فرقة: 3 فرق مدرعة وفرقتان مؤللتان و6 مشاة وواحدة قوات خاصة، وكلها مدربة وشاكية السلاح (مصدر الوصف الاحصائي عمل بيار رازوكس، “حرب إيران العراق، أول حرب في الخليج 1980 1988”، دار بيرّان، باريس، 2013، في هذا الموضع وفي معظم المواضع الاخرى الآتية).

وخطة الحملة “بسيطة” و“تقليدية”، على ما يصفها المؤرخ والخبير العسكري، وتقضي بإطباق فكي كماشة على طرفي جسم العدو، واجتماعهما في قلبه، الفاو، ومحاصرة وحداته في الفخ. وهي أوكلت الى الجناح الأيمن الاستيلاء على الطريق الساحلية بمحاذاة جنوب شبه جزيرة الفاو. وتولى الجناح الايسر، الى الشمال، المسير على ضفة شط العرب نحو الفاو. وفي الساعات الاولى من الهجوم، أصلت المدفعية العراقية القوات الايرانية قصفاً مدمراً، أتبعه الفريق أياد فايد الراوي، قائد الحرس الجمهوري وقائد الجناح الايمن، بقصف كيميائي كثيف على خطوط الايرانيين الامامية، إمعاناً في ترويعها وبلبلتها. وقام سلاح الجو العراقي، في الاثناء، بتدمير 3 جسور عائمة تصل ضفتي شط العرب الواحدة بالأخرى. ولم يكن الامر يسيراً. فالمضادات الارضية الايرانية كثيفة النيران، وتملك الدفاعات صواريخ أرض جو فاعلة، وسلاح الجو نفسه، على رغم خسائره ونزيفه وعسر استبدال قطع غياره، يقود طائراته طيارون مجربون وبارعون يتحدرون من الطاقم النظامي الذي تولى الشاه والخبراء الاميركيون إعدادهم وتدريبهم. وقرَّر الطيارون العراقيون الذين يقودون قاذفات سوخوي-22 م قصف صواريخ كيدج البعيدة المدى، وأوكلوا تصويبها ودلالتها الى ضوء ليزر تبثه طائرات ميراج ف-1 مجهزة بجهاز أتليس يرصد الاهداف ويعينها.

وثنَّى الطيارون العراقيون بتدمير جسرين على نهر قارون، نظير خرومشهر، وحالوا بين الايرانيين وبين نقل مدد نحو الفاو. واجتاز 200 غطاس شط العرب، وهاجموا أهدافاً مواربة حرفت انتباه القيادة الميدانية الايرانية عن مهاجمة اهداف أخرى حيوية، بينما نزلت أفواج من مشاة البحرية على الطريق الساحلية، وساندت تقدم الحرس الجمهوري، وقصفت سفينتان برمائيتان من طراز بولنوكني، قُلبتا الى قاذفتي هواوين، الخنادق الايرانية. وحلقت المروحيات المقاتلة فوق مصاف الهاربين، وفتحت نيران رشاشاتها الثقيلة عليهم، وأثخنت فيهم قتلاً. وفي اليوم التالي، 18 نيسان، استولى المهاجمون على الفاو، بعدما كانوا قطعوا 30 كلم في اليوم السابق، على غير توقع القيادة العسكرية نفسها. ففي 36 ساعة، استرد العراقيون رأس الحربة الايرانية في الارض العراقية، وهي عصيت عليهم طيلة سنتين كاملتين. وقتلوا 5 آلاف ايراني، وأسروا 10 آلاف، واستولوا على العتاد الايراني الذي تركه المقاتلون وهم يولون الأدبار، كله. وغنموا، فيما غنموا، منصة صواريخ سيلكورم “الثمينة” التي أصلت صواريخُها رصيف تحميل النفط من الكويت، الاحمدي، منذ منتصف 1987. و“اقتصر” النصر العراقي على خسارة 800 جندي و20 درعاً. فردت طهران على هزيمتها بقصف رصيف الأحمدي بصاروخ سكود، غداة خسارتها منصة سيلكورم وصواريخها الدقيقة الاصابة.

ودارت في مياه “خليج العجم”، على ما سمى العرب البحر الداخلي بين هرمز وبين الساحل الشرقي لشبه جزيرة العرب في 14-18 نيسان 1988، رحى معركة بحرية، ايرانية أميركية، غير بعيد من جزر المضيق، أبوموسى والطنبين، يذهب المؤرخ العسكري، رازوكس، الى وصفها بأنها “أبرز اشتباك بحري خاضته البحرية الاميركية منذ ختام الحرب العالمية الثانية” (ص 462). وكبدت البحرية الاميركية القوات الايرانية في المعركة، وذروتها كانت في 18 نيسان، منصتين للباسدران، وأغرقت فرقاطة، ومركباً لاطلاق الصواريخ، و3 مراكب سريعة، وأعطبت مركباً رابعاً وطائرة فانتوم، وقتلت 57 بحاراً و20 حرسياً (باسدران). وعفت البحرية الاميركية، في اثناء الاشتباك، عن اغراق الفرقاطة “سَبَلان” بعد أمر فرانك كارلوتشي، وزير الدفاع، والرئيس ريغان والجنرال كولن باول مستشار مجلس الامن القومي، بتركها قرينةً على رغبة واشنطن في لجم العنف.

المقياس الاميركي والفريق الكسروي

وأتاحت المعركة قياس القوتين البحريتين، ولا قياس بينهما حقيقة. وسخر صدام حسين، في تموز 1990، عشية عدوانه على الكويت وأثناء محادثته السفيرة الاميركية ببغداد أبريل غلاسبي، من حسبان واشنطن ان الاشتباك البحري بجوار أبوموسى في 18 نيسان حسم المعركة، بينما كانت قواته الجرارة ومدرعاته ودباباته ومدافع الميدان، والجهاز هذا كله مولته دول الخليج وبلدانه من مبيعات نفطها، تدك التحصينات الايرانية في الاراضي العراقية المحتلة. وسواء كان دور المعركة البحرية في انعطاف خميني ورفسنجاني وخامنئي ومنتظري، وهؤلاء كانوا مستودع القرار السياسي الايراني يومها، وجنوحهم الى “السلم”، راجحاً ام ضئيلاً، فما لا ريب فيه هو ان هذه المعركة لا تزال الى اليوم المرجع الذي يقيس عليه الحرسيون، ومعهم المحافظون والاصلاحيون على وجهين متقابلين، جهازهم الحربي، وحاجاتهم التسليحية الصاروخية والخلَّبية والخفية والتدميرية. ولعل مناوراتهم البحرية التي كانت، الى وقت قريب سبق انتخاب روحاني، لا تكاد تنتهي واحدتها حتى تستأنفها الاخرى، رد الجواب على اشتباك شَهرَ على الملأ الايراني والاقليمي “عري الملك”. وأرادت الحكومة الاميركية، في 29 نيسان، تظهير نتاج المعركة العملي، فأعلنت بسطها حمايتها على مجمل النقل البحري في الخليج، النفطي وغير النفطي. فأذعنت طهران للاجراء الاميركي، واحتكمت الى “عقلانيتها” العتيدة التي لا ينفك المؤرخ والخبير العسكري يمتدحها، على ما مر.

وغداة الاشتباك، وهو تواقت تماماً مع حملة العراقيين في سبيل استعادة أراضيهم المحتلة وأولها “حصن” شبه جزيرة الفاو، أقرت القيادة الايرانية، وأجنحتها المتنافسة والمتصارعة، بالواقعة الحربية الثقيلة، وبعواملها السياسية (أي بأحكام فئات الايرانيين وجماعاتهم في الحرب، وعزلة ايران الاقليمية والدولية) والاقتصادية (نضوب الموارد وتردي سعر النفط وانخفاض الانتاج والقيود على النقل…). فقال علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس الشورى وممثل خميني في المجلس الاعلى للدفاع والقائد السياسي فعلاً للقوات المسلحة في شقيها (النظامي والحرسي)، غداة المعركة أن “الوقت لا يعمل لمصلحة ايران”. وفي انتخابات مجلس الشورى، في آخر نيسان، تقدم فريق مهدي كروبي، أمين عام رابطة العلماء المبارزين وداعية طي الحرب، على فريق رفسنجاني. وترك محمد خاتمي، وزير “الدعاية”، جمعية العلماء المناضلين، وعلى رأسها رفسنجاني وخامنئي، الى الرابطة، وهي قريبة من منتظري. فآذن انحياز الوزير الانتهازي والوديع بانقلاب ميزان القوة. وأدرك مساعدا خميني المقربان أن الحرب التي أراداها، واشتهياها سُلَّماً الى استتباب الامر وراء المرشد و“قائد الثورة” و“ولي أمر المسلمين”، الخ.، استنزفت أغراضها “الثورية” وهي تصفية الخصوم السياسيين والايديولوجيين والاجتماعيين، ورص بنيان “الحكومة الاسلامية” تحت لواء الولي الفقيه والعدل وفريقه النافذ والكسروي (والكسروية باب من ابواب السلطان وصوره و“مجلى” أصيل يضاف الى القيصرية البابوية والبونابرتية “الغربيتين”). ونسبت التخمينات والأهومة التي لا تنفك الكسروية منها الهزيمة البحرية الايرانية، أو الاقدام على امتحان الاشتباك المستحيل الى ثعلبة علي أكبر هاشمي رفسنجاني الاسطورية. فقيل، “من غير دليل” طبعاً وهو دأب أقاويل البلاطات الخمينية وحاشياتها، أن رفسنجاني استدرج قواته الى المعركة المعروفة النتيجة المحتومة ليقوّي دعوته الى انهاء الحرب على وجه السرعة، وقبل أن تقوّض أركان سيطرة الفريق الحاكم فيما عميد الفريق في نزعه الاخير، ويوشك أن يترك كرسي الولاية والارشاد والقيادة خالياً.

فصول الانهيار الحرسي والاهلي

واستدرج رفسنجاني قواته الى المحنة أم لم يستدرجها، لم تترك سبحة عمليات “توكلنا على الله” العراقية، في 25 أيار 1988 و25 حزيران و12 تموز، وإنزالها في القوات الايرانية خسائر مدمرة، فرصة غير التعجيل في الامتثال لقرار مجلس الامن 898 وبنوده. وهي قريبة من بنود كان صدام حسين منذ خسارته “ممتلكاته” الايرانية في أواخر 1981 وانقلاب مجرى الحرب “المفروضة” حرب احتلال واستيلاء على أراض عراقية (رآها بعض “المراجع” حرب تحرير البصرة…). فشنت قيادة الاركان الصدامية الفصل الاول من العلميات، وأشركت فيه 150 ألف جندي في 14 فرقة، وجهزت المهاجمينن بـ3 آلاف درع و1500 مدفع. وحشدت القيادة الايرانية، وعلى رأسها علي شهبازي محل سهرابي الذي عزله رفسنجاني غداة خسارة الفاو، 50 ألف مقاتل و90 دبابة و150 مدفعاً.

وحاول الحرس الثوري الصمود في وجه “آلة السحق” الصدامية، وطلبوا حماية سلاح الجو من حمم مدفعيتي الدبابات ومدافع الميدان. ولكن الميغ 29 الجديدة، التي باعها غورباتشوف العلني (غلاسنوست) والاصلاحي الهيكلي (بريسترويكا) من الديكتاتور العراقي المستظهر بقوة مال الدول الخليجية وبرعاية أميركية متحفظة، الطائرات السوفياتي والحديثة حالت بين بقية سلاح الجو الايراني وبين استجابة الاستغاثة الحرسية. وأجازت الاركان العراقية للفيلق الثالث، على رغم تفوق ساحق في العديد والعتاد، قصف خطوط العدو بغاز الاعصاب، “في إكس” و“الطابون”، إمعاناً في التوكل على الله، وإنفاذاً لكلمته في أعدائه “الشعوبيين”. فهرب الحرسيون الى الاراضي الايرانية، وخلفوا وراءهم عتادهم الذي لم يحمهم، ونحو 6 آلاف من رفاقهم الذين قتلوا في خنادقهم وراء رشاشاتهم، وعلى وجوههم أقنعة واقية وبدائية من الغازات لم تقهم انتشاره وتسللها الى رئاتهم وأدمغتهم. والى 50 كلم الى الشمال، هاجمت قوات الحملة مواقع الباسدران التي احتلوها قبل عامين في الاهوار والمستنقعات، وأخرجوهم منها، ورفعوا العلم العراقي على بلدة شلامشة الايرانية على بعد 10 كلم الى الغرب من خورمشهر، “مدينة الدم” التي استعادها المقاتلون الايرانيون من القوات العراقية المحتلة قبل 6 أعوام لقاء آلاف القتلى وفي حرب مدن دامية.

ولم يفلح الحرسيون في استعادة شلامشة، وأخفق هجومهم المضاد. وعلى الجبهة الشمالية انتزع الجيش العراقي سد دوكان من الحرسيين، وأخفق في استعادة حلبجة المنكوبة. وعقدت بغداد صلحاً مع جلال طالباني ومسعود بارزاني، فعلقا اشتراك 30 ألف من البيشمركة في مقاتلة قواتها. وأعمل صدام حسين 20 ألف مقاتل ايراني من مجاهدين خلق في الهجوم على مهران، بالجبهة الوسطى، واحتلالها، وساندهم بفرقة مؤللة ومدرعة. فدخلوا الاراضي الايرانية مسافة 20 كلم. وأشيع ان غرض صدام حسين من نصب فخ “المجاهدين” استدراج قوات ايرانية من جبهة الشمال التي كان يبيت مهاجمتها بعد الفراغ من الجبهة الجنوبية، على ما حصل فعلاً، أولاً، ثم التخفف من “حلفاء” ثقيلين وبائسين والتضحية بهم على “الطريقة” الرفسنجانية، ثانياً (وانتهى بهم الامر الى معسكر أشرف ومصيره التاعس الى اليوم).

فصول الانهيار

فلما شن صدام حسين، في 25 حزيران، الفصل الثاني من “توكلنا على الله” وقصدت قواته جزر مجنون العراقية وهور الحويزة لإجلاء 40 ألف رجل (4 فرق) ايراني يتحصنون فيها، جمع 160 ألف جندي (14 فرقة). وعلى جاري ما صار تقليداً معروفاً ومجرباً، افتتح المعركة قصف مدفعي عارم، وثنى بقصف كيميائي على الخطوط الامامية، وألقى الرعب فيها وفي الخطوط التي تليها. وأتبع القصف المزدوج بهجمات طائرات سوخوي 25 “قاتلة الدبابات” على ما يقال في مروحيات “أباتشي الاميركية، على الدروع والآليات. فاستولت قوة برمائية عراقية على جزر مجنون الشمالية في غضون 8 ساعات، وهي صمدت طيلة 3 سنوات كاملة من قبل. وحملت مفاجأة الانتصار ودهشته قادة الميدان العراقيين الى إنزال اللواء 42 المظلي وراء خطوط الايرانيين، وسد طريق الانسحاب والهرب عليهم. وفي 28 حزيران، كانت القوة المهاجمة ترابط على رأس جسر في الاراضي الايرانية، بعد ان استعادة الاراضي العراقية المحتلة كلها، وأسرت للمرة الاولى 4 آلاف حرسي، وجرحت 8 آلاف، وقتلت 3 آلاف. ففاق عدد الاسرى عدد القتلى، على خلاف العادة. و”تبدد في الطبيعة“بقية الخمسين ألفاً. فآذن ذلك بالانهيار الوشيك. وبرز خطان سياسيان يتقاسمان السياسة الايرانية الخمينية ويتنازعانها على حد سواء: أمر علي خامنئي المقاتلين والاحتياط والمأذونين بالرواح الى الجبهة والصمود فيها، وندد رفسنجاني بدعاة التشدد والانغلاق والعزلة وخصوم سياسة الانفتاح التي يريد حمل الدولة الايرانية على انتهاجها (على زعمه). وكانت رابطة العلماء المبارزين، وراء مهدي كروبي، حصلت على 60 في المئة من مقاعد مجلس الشورى في دورة الانتخابات الثانية. وأدارت حملتها على الطعن في دوام الحرب الخاسرة والباهظة، على رغم تأييد خميني هذه الحرب.

وعرفت نتائج انتخابات مجلس الشورى في 3 تموز. وفي 12 منه شنت قوات صدام حسين الفصل الثالث من”توكلنا على الله“على الجبهة الوسطى، هذه المرة، بدَهلوران. وفاق الحشد العراقي الحشود السابقة، فبلغ 140 ألف رجل وألف دبابة وألف مدفع ميدان. فاستعاد العراقيون في يوم واحد آبار النفط الحدودية، وكانوا خسروها قبل 5 أعوام. وفي اليوم التالي، وسعهم التقدم في عمق الاراضي الايرانية من غير معوق أو مقاومة، واستولوا على دهلوران عشية 13 تموز. فتوسل صدام حسين بانجاز الجيش الى تهديد طهران، إذا هي لم تنسحب من كردستان، بالاستيلاء على آبار النفط الايرانية في الاحواز جنوباً. ولم يكن في مستطاع طهران تجاهل قوة الحجة الصدامية هذه المرة. فالاشتباك الاخير صدَّع 3 فرق مشاة ايرانية كانت ترابط في الوسط وتبددت مخلفة وراءها، غنيمة، 570 درعاً، و320 مدفعاً، الى 10 آلاف جندي بين قتيل وجريح و5 آلاف أسير. وعلى هذا، اقتصر سلاح الدروع الايراني في خوزستان على 200 مدرعة، في مقابلتها على الجبهة ألف آلية عراقية.

في ختام ليلة 14 تموز الى 15 جمعت 40 من أركان النظام طيلة 8 ساعات كاملة من المناقشة والمفاوضة القاسيتين، في غياب روح الله خميني المتوعك، أقر المجتمعون بما آلت اليه حربهم الطويلة التي حملوا العراق ومعظم المشرق عليها وانتهز”النظام“العراقي فرصتها، ومعه معظم المشرق والغرب. وهي آلت الى تنصل الايرانيين منها بعد ان ناهزت الخسائر 470 الف قتيل، وخوت خزينة الدولة وصناديقها، وظهر على القوات المسلحة، وهي تحولت حرسية في الاثناء ولم تبق نظامية في معظمها، ضعفُ مناسبتها مهماتِها الدفاعيةَ والهجومية، وقصر اقتصاد ايران المعزولة عن تمويل حاجات السكان الاساسية واستجابة حاجات التسلح… وتولى هاشمي رفسنجاني، صباح 15 تموز، الاعلان عن انسحاب القوات الايرانية المحتلة من كردستان العراق. وأرفق الاعلان بإنفاذه السريع. فجلت القوات عن حلبجة، وعن بنجوين وعمران وراية، قبل ابلاغ رفسنجاني خميني بقرار الاربعين.

ورد صدام حسين، في 17 تموز (ذكرى انقلابه الاول وعارف عبد الرزاق على عبد الرحمن عارف في 1968 قبل 20 عاماً)، التحية بمثلها، فجلت قواته عن الاراضي الايرانية التي غنمتها في حملات”توكلنا على الله“الثلاث. ولم ينتظر المفاوضات المباشرة – وهي تصدرت شروطه، وكان رفض الفريق الخميني شرعية صدام”السبب الاول“في دوام الحرب ليتخلى عن مكاسبه وغنمه، وعودته الى مربع أول جرَّ عليه، وعلى مسانديه الخليجيين والغربيين والسوفيات غرماً ثقيلاً. وحين عرض رفسنجاني على خميني مداولات القيادة، وما أسفرت عنه، واقترح استقالته من كل وظائفه ورئاساته لقاء مسؤوليته عن القرار إذا ارتأى المرشد ذلك، طمأنه المرشد الى رعايته القرار وتحمله وحده التبعة عنه، على ما قال في رسالته العلنية. ولكن روح الله خميني لم يستخلف على الولاية السياسية هاشمي رفسنجاني، قائد الحرب الفعلي ومؤسس الحرس الثوري ومعمار البنيان القيادي الذي رزح على صدور الايرانيين ولما يزل. فاستخلف علي خامنئي، القريب من تصلبه وانكفائه الضيق وتشاؤمه المتجهم والمرير، واثقاً ربما في التزام رفسنجاني”خط الولاية“الرسمي في الاحوال كلها.

واقتضى استخلاف خامنئي، بعد عزل منتظري، ملحقاً عسكرياً. فعشية المفاوضات المباشرة التي دعا اليها أمين عام الامم المتحدة خافيير ديكويليار الدولتين المتحاربتين، تشبث المندوبون الايرانيون برأيهم في بطلان”شرعية“نظام صدام حسين. فما كان من هذا إلا أن أمر جيشه، في 22 تموز، بفصل رابع من”توكلنا على الله“. فهاجم الجيش قصر الشيرين، في الوسط، والحويزة، في الجنوب. ولمَّ لهجومه التأديبي 12 فرقة و2000 دبابة و3000 آلية مدرعة أخرى. فتقدم من غير مقاومة تذكر 50 كلم في الاراضي الايرانية، وأسر 8000 آلاف مقاتل، وبلغت طلائعه المتمهلة زهب وجيلان زرب على الطريق الى كرمنشاه، وبسطت سيطرتها في خوزستان على الحويزة وتجاوزتها الى حميد، على ضفة نهر قارون.

ولم يمهد سحق القوات الايرانية الطريق الى جلوس علي أكبر ولايتي وطارق عزيز، وزيري الخارجية، الى جهتي طاولة واحدة. فأتبع صاحب الجيش العراقي هجوم قواته بهجوم أوكل به مجاهدين خلق على طريق كرمنشاه. فاجتاز أصحاب مسعود رجوي 100 كلم في يوم واحد من غير غطاء جوي عراقي. وحين شن الايرانيون حملة”مرصاد“، وسعهم إصلاء المهاجمين نيران مدرعاتهم ومدفعية ميدانهم من غير خشية سلاح جو رادع حبسه صدام حسين عن”حلفائه“. فلما ندد آية الله العظمى الشيخ حسين منتظري بثأر قوات النظام الايراني لهزيمتها المهينة من”ضعفاء“الايرانيين على النحو الشرس هذا، زاد على خلافاته مع خميني وطاقمه خلافاً”انسانياً“. وسخر الطاقم من”الخليفة المعين“ومن لين قلبه على نازع مستشر فيهم وفي امثالهم الى ازدراء العاطفة والرحمة. وحسم خميني تردده وشكوكه فأمر بعزل منتظري، وأخلى الساحة لمساعديه المقربين والمتنافسين. وفي 6 آب تفاوض عزيز وولايتي الى طاولة واحدة. وأقر صدام حسين باتفاق الجزائر الذي وقعه في 1975 على تقاسم مجرى شط العرب مع محمد رضا بهلوي. فسرى وقف النار في 20 آب 1988.

فكيف انتهى الامر بالنظام الخميني، وتعبئته العسكرية والشعبية والدينية (المذهبية) الهائلة التي مهد للحرب وخاضها بها طيلة 7 أعوام و11 شهراً، الى هذا المصير الذي قامت العملية الاخيرة على مجاهدين خلق قرينة قاسية على انهياره المعنوي بعد انهياره المادي؟ يذهب رازوكس في ثنايا تأريخه، وفي المقابلات الصحافية الكثيرة التي أدلى بها تعقيباً على كتابه، الى تعليل يغلب الوجه الاقتصادي والمالي على الوجوه الاخرى، الديبلوماسية والسياسية الدولية والاقليمية والداخلية والعسكرية القتالية التي لا يغفلها ولا يقلل من وقعها. وقد يرجح تغير أو انعطاف النهج الايراني اليوم عشية انتخاب روحاني رئيساً ومفاوضاتها التمهيدية، والتسليم بانتخابه، وغداة انتخابه- هذا التعليل. فهزيمة النظام المالية والاقتصادية فاضحة، وعرته أمام أنصاره وخصومه على حد سواء، شأن هزيمته العسكرية في ربيع 1988 وصيفه. ولا شك في ان جلاء الخسارة ووضوحها داع قوي الى الاقرار”العقلاني” والواقعي بها. ولكن بداهة الدعوة، وعزلها الاقتصاد عاملاً راجحاً وحاسماً، تغلف وجوهاً أخرى تضطلع بأدوار حقيقية ومؤثرة في رسم السياسات الخمينية والحرسية.

فالنظام الخميني لم يقتصر على الخروج من الحرب في 1988، وهو لا يسعى اليوم في تصديع نظام العقوبات وحماية كتل من برنامجه النووي، وحسب، بل خرج من الحرب وأرسى الى ذلك، سلطته على مساومة سياسية داخلية ألَّبت حوله جماعات متوسطة وشعبية أبعدتها الحرب عنه ومزقتها وأفقرتها. وهو صدع بالهزيمة العسكرية قبل ربع قرن لأن قاعدته العريضة والمقاتلة حكمت في الحرب الطويلة والخاسرة بالعبث، وباستدراج الاحتلال والعدوان بعد التخلص منهما. فتظاهر الحرسيون في طهران وغيرها، واقترعوا بأقدامهم هرباً، الى اقتراع جمهور عريض بأوراق الصناديق، على ضرورة انهائها. وفي 1997 اقترع 70 في المئة من الحرسيين لخاتمي. وجدد النظام الملي والقومي الاهلي بطهران لحمته المركبة على اسس جديدة يسعى اليوم في بعثها في أحوال مختلفة. والحق ان خسارته تماسك لحمته في 1986-1988 تستحق الفحص، قبل مقارنتها بحال هذه اللحمة اليوم.

عن جريدة المستقبل – بيروت

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق