نقاش – درسٌ في الديموقراطية / فوّاز مزيّك

يتمدّد على المشهد العربي نقاش نشط متعدّد المستويات حول الديموقراطية وتحقيقها في الواقع. على طرفي طيف النقاش تتدرّج الآراء من الرفض المطلق للنظام الديموقراطي إلى المطالبة المتشنّجة بتطبيق فوري لديموقراطية ناجزة بكل حواملها الإنسانية والقانونية والاجتماعية، وفي ما بين الحدّين تتموضع مواقف ودعوات متعددة بتعدد الأحزاب والجماعات الفاعلة على المسرح السياسي العربي.

ما يبعث على الدهشة ليس التشوّش الكبير عند الجمهور العادي غير المسيّس حول مبادئ النظام الديموقراطي وآليات تطبييقه، بل الكمّ من التوصيفات غير الدقيقة، والمغالطات، من كثير من النشطاء والمفكرين والقادة السياسيين. يتجلّى هذا التشوّش بارتباك النقاش حول طبيعة الخطوات الواجب اتخاذها لتأسيس نظام ديموقراطي في الدول العربية التي تخلّصت حديثاً من أنظمتها الشمولية، ممّا يؤدي إلى تشرذم جهود القوى الفاعلة على الأرض وتناقض تصوّراتها حول شكل النظام المتوخّى. لإجراء نقاش بنّاء ومنتج يجب الاتفاق على موضوعه أولاً.

ما هي الديموقراطية؟ وكيف تُفهم وتتجسّد في الحياة السياسية للدولة؟

الديموقراطية ليست مفهوماً معرّفاً بدقة، كالكتلة والطول في الفيزياء، مثلاً. إنها اسم وليست صفة. اسم لنظام سياسي يعيّنه ولا يعرّفه. فهي نظام يمكن الوصول إليه وتجسيده بطرق ومسارات متعدّدة ومختلفة. تالياً، ليست الديموقراطية مفهوماً ناجزاً بل عملية مستمرة متغيّرة ومترقّية. ككل منظومة لا بدّ أن تتضمّن عناصر بنوية أساسية في هيكلها، غير أن التفاصيل تحوي الكثير من المتباينات. فكل الديموقراطيات الحالية هي نتاج عمليات تاريخية متغيرة باستمرار وفق حاجات المجتمعات والدول التي أنتجتها. على رغم تشابه هذه النظم في السمات الأساسية (فصل سلطات، برلمان منتخب، وقضاء مستقل)، فإن آليات تطبيق هذه المكونات تختلف من دولة إلى أخرى، وأحياناً من مقاطعة إلى أخرى داخل الدولة نفسها.

الديموقراطية باختصار هي وجود إمكان لكل مواطن لأن يساهم في اختيار حكومة بلده ويبدي رأيه في سياساتها. يتجسّد هذا الإمكان في الواقع في ما اصطلح عليه بحق التصويت أو الانتخاب. إن قوننة هذا الحق تُولّد نظاماً ديموقراطياً. الفرضية المركزية التي يتأسّس عليها هذا النظام أن حكمة المجموع هي الأصحّ على المدى الطويل. من ناحية ثانية، ليس من العدل أن يتحمل الشعب نتائج سياسات سيئة عندما لا يكون له دور في صوغها. غير أن ضمان حق الانتخاب أو التصويت لا يعني أن امكان ممارسته متساو أو متاح لكل المواطنين. فسنّ الانتخاب هو 18 سنة في بعض الدول و21 في أخرى. إلى زمن غير بعيد كانت بعض الديموقراطيات العريقة لا تسمح للنساء أو لأفراد الأقليات الإثنية بالانتخاب.

بسبب هذا التشوش في فهم الديموقراطية والتباين العميق في تعريفها وتحديد عناصرها وأهدافها، ربما من الأسهل لشرح ما هي الديموقراطية أن نبدأ بما هي ليست عليه.

فالديموقراطية لا تضمن العدالة، كما لا تضمن الحرية، ولا حقوق الانسان، ولا تحمي الأقلّيات. فالسود الأميركيون ظلّوا عبيداً لعقود عدة في ظلّ نظام ديموقراطي حديث. كما أن ديموقراطية الهند العريقة لم تمنع عدم المساواة والاضطهاد عن شرائح اجتماعية كبيرة كالمنبوذين “untouchables” مثلاً. من هنا ليست الديموقراطية علاجاً ناجعاً لكل مشكلات التخلّف والتمييز والاضطهاد في المجتمع كما يتوهّم الكثيرون— أو يحاولون إيهام الآخرين— بل إن الديموقراطية كثيراً ما تكون هي المشكلة بحدّ ذاتها. لنتذكر كيف تفكّكت تشيكوسلوفاكيا ديموقراطياً. كما أن إحدى أسوأ النتائج المحتملة لتحوّل المجتمعات المحافظة إلى النظام الديموقراطي هي تراجع حريات النساء وحقوقهن. فالديموقراطية، من حيث هي حق الانتخاب للمواطن، وما ينتج من هذا الحق من حكومة تمثّل إرادة الأغلبية، ليست إلا عنصرا واحدا من عناصر الدولة الحديثة.

ما يضمن العدالة والحرية وحقوق الانسان، هو نظام قضائي مستقل ودستور توافقي يتأسس على مفهوم المواطنة المتساوية التي لا تتأثر بجنس أو عرق أو اعتقاد. فمن دون قضاء مستقل لا يمكن أي نظام ديموقراطي أن يضمن العدالة والمساواة الكاملة لكل المواطنين. لأن المصالح المتباينة، والمتضاربة أحياناً، للجماعات المختلفة المكوّنة للمجتمع لا يمكن التوفيق بينها بما يمنع هيمنة الجماعات الأقوى إلا بوجود جهاز قضائي مستقل ومحايد. لذلك فإن أكثر السمات بروزاً وجوهرية في أي نظام لاديموقراطي، هي غياب جهاز قضائي مستقل أو وجود كيانات قانونية موازية تعطّل دوره وتتجاوزه كقوانين الطوارئ أو المحاكم الأمنية، حيث يصبح للقضاء العادي دور تجميلي لا أكثر. كمثال قريب، فإن هجوم حكومة “الإخوان” في مصر على القضاء، من عزل النائب العام، إلى المحاولات المحمومة لتعيين قضاة موالين بحجّة إصلاح الجهاز، إلى إصدار قوانين تجعل الرئيس فوق المحاسبة، ليست أكثر من محاولة واضحة لتفريغ الديموقراطية الوليدة من أهم ضمانات استمرارها، تالياً تقويضها. فالمقصود باستقلال القضاء هو استقلاله عن السلطة التنفيذية أولاً وأساساً. وإصلاح الجهاز القضائي يتمّ من داخله والمؤسسات القضائية تراقبها وتضبط عملها مؤسسات قضائية أخرى. هذا كله يجب أن يحدث وفق إجراءات متفق عليها ومثبّتة في نصوص القانون. فالتفويض بالتصويت لا يعني تفويضاً مطلقاً، وهي إحدى المغالطات الرئيسية التي تردّدها التيارات الفائزة في الديموقراطيات الوليدة في دول الربيع العربي. إنه تفويض تحت سقف القانون والدستور، تفويض مقنّن ومراقب لكيلا تطغى جماعة أو حزب على الدولة أو تفرض الأكثرية الإثنية أو الدينية قوانينها على الأقليات لأن الديموقراطية، بالتعريف، تمنح الأغلبية تفوقاً دائماً. أكثر من ذلك، فإن للقضاء المستقل دورا آخر لا يقل أهمية لازدهار أي دولة حديثة، وهو مكافحة الفساد. لذلك فإن الفساد الشامل هو الصفة الثابتة والملازمة لكل الديكتاتوريات قديماً وحديثاً، لكن لهذا حديث في مناسبة أخرى.

غير أن القضاء يجب أن يستند إلى دستور مبني على المساواة وضمان الحريات الأساسية لكل المواطنين من دون تمييز. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا عبر توافق مكونات المجتمع المختلفة على الاسس الناظمة للدولة والمجتمع بما يحفظ حقوق الأفراد ويحدّد واجباتهم ضمن مساواة كاملة أمام القانون. بما معناه أن كتابة الدستور تتمّ بآليات لاديموقراطية في الجوهر لأن مجالها الجماعات، من أغلبية وأقلية، وحكومة ومعارضة، بينما الدستور مجاله الأفراد حيث لا وزن للحجم النسبي للجماعة التي ينتمي إليها الفرد بتحديد حقوقه وواجباته ومدى حريته. هذا يتم فقط من خلال دستور علماني يضمن حرية الأفراد في القول والاعتقاد. والدستور العلماني لا يعني محاربة الاسلام وإقامة دولة إلحادية كما يحلو للإسلاميين أن يكرروا ليل نهار. على العكس تماماً، تزدهر الأديان حصراً في الأنظمة العلمانية لأنها تضمن حرية الاعتقاد لجميع مواطنيها. يعرف الاسلاميون ذلك قبل غيرهم بسبب تعرضهم الطويل للقمع ولجوء الكثير من كوادرهم وقياداتهم إلى دول علمانية حيث تمتّعوا دائماً بحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية. فبينما لا يمانعون إطلاقاً التمتع بحريتهم الدينية غير منقوصة في الدول العلمانية، يعارضون باستماتة إقامة نظام علماني يضمن حقوق الأديان الأخرى. التناقض الكامن في ادعاء القوى الاسلامية معاداة الدولة العلمانية للدين لا يصمد لأضعف تمحيص. فكيف يمكن لنظام قائم على ضمان حرية الاعتقاد والعبادة لجميع المواطنين، أن يعادي الدين؟ لذلك كلّه فإن سبب رفض القوى الاسلامية للدولة العلمانية هو سياسي أساساً ولا علاقة له بالدفاع عن الاسلام وينبغي أن يناقش في السياسة فقط من دون استعارات لاهوتية وتحريمات دينية.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق