كتب: رفيق شامي : لغتنا موسيقى لحروفها رنين / مروان علي

رفيق شامي، واحد من الكتاب المعروفين في أوروبا والعالم، ينحدر من عائلة سورية بسيطة من مدينة معلولا، التي تتحدث حتى اليوم بالآرامية، ولد في دمشق وأمضى فيها سنوات طفولته، حيث تعرف على ناسها وشمسها وحكاياتها ليغادر بعد ذلك إلى ألمانيا، التي أتقن لغتها بقوة وكتب بها عن دمشق (في عدد كبير من القصص والحكايات والروايات التي حققت نجاحاً باهراً)، التي لم تغادر روحه أبداً، وليتحول خلال سنوات قليلة إلى واحد من أهم من كتبوا باللغة الألمانية وليحصد عشرات الجوائز في ألمانيا وأوروبا والعالم وترجمت أعماله إلى لغات عدة.

في كتابه “قرعة جرس لكائن جميل” يقرع رفيق شامي جرس الخطر، لينبه من نام على الكوارث المحدقة بلغتنا الجميلة التي عشقها، وهو يقرع الجرس ليس كواعظ ممل ولا كخبير متكبر بل كروائي يشرح أصعب المفاهيم بطريقة شيقة وممتعة تقتحم بذكائها العقل وتربط بتشويقها، عبر قصة الأمير الذي رافقه في رحلته عبر روابي اللغة وغاباتها.

يقرع رفيق شامي جرس لينبهنا إلى ضرورة العناية بلغتنا، ويدعو إلى الاهتمام بهذا الكائن العظيم الذي يشكل قلب وعقل الهوية العربية.

ويتوقف هذا الأديب الكبير عند الدعوات الكثيرة التي ارتفعت خلال العقود والسنوات الماضية لتطوير اللغة العربية، ويضيف إليها إن التطور الكبير في العالم والبلاد العربية ينعكس على كل اللغات ومنها اللغة العربية. حول هذا الكتاب وتجربته الروائية وقضايا أخرى حدثنا في الحوار التالي:

رنين الحروف

(قرعة جرس لكائن جميل) في هذا الكتاب خوف وحرص وحب على اللغة العربية كيف جاءت الفكرة؟

عشقت اللغة ورنين كلماتها في أذني، واللغة العربية موسيقى للأذن والعين، وقد تلقيت دروساً عن دقائق وبعض خفايا اللغة على يد معلمين ممتازين منهم الناقد الكبير والعلامة الفلسطيني حسام الدين الخطيب. بعد مغادرتي لسوريا انهمكت كما يُقال في عامية دمشق “حتى شوشت رأسي” في دراسة الكيمياء، حيث قدمت أطروحة الدكتوراه فيها…

كما واجتهدت في تعلم اللغة الألمانية الأدبية والفلسفية لإتقانها بالشكل الذي يسمح لي أن أكتب بشكل أدبي بالألمانية مباشرة، لأن رواياتي وقصصي باللغة العربية رفضت بإجماع قبيح من كل دور النشر العربية آنذاك. لم يبق لي عبر هكذا تحدي خيار إلا تعلم الألمانية لأن كتابتي بلغة البلد هو تحد مستور لكتاب البلد، وكنت أعلم أنهم سيجازوني بالصمت وهو أمضى أسلحة النقد ومتى فشلوا سيهاجمون لغتي الألمانية. ولهذا تحصنت بدقة.

وهذا بدوره أبعدني نوعاً ما عن العربية فأنت لا يمكنك أن تحمل بطيختين بيد واحدة لمدة طويلة وتسير بشكل آمن على طريق متعرجة. لكني بعد هذا الغياب الطويل وأثناء دراساتي لكل أرضية وخلفية روايتي “سر الخطاط الدفين” التي تتحدث عن مأساة خطاط بارع دمشقي، تعمقت مجدداً في تاريخ اللغة والخط وبنيت مكتبة خاصة لهما.

انتهت الرواية وانتشرت بنجاح كبير، وعندما هممت بنقل كل ما جمعته من وثائق ومراجع لغوية إلى صناديق المخزن توقفت عند مقالات عدة تتحدث عن مصاعب اللغة العربية وعن محاولات إصلاحها الطيبة والسيئة النية.

فقررت أن أعود للبحث عن جماليات اللغة ومصاعبها في العصر الحديث ودهشت أيما دهشة للجرأة التي رافقت إصلاحات اللغة في القرنين الأولين الهجريين وتساقطنا ثقافياً حتى غدت كل ملاحظة نقدية للغتنا تخشى نعتها بالكفر بدل تقييمها كفكر منير. ومن هنا عنوان الكتاب: “قرعة جرس لكائن جميل” القرعة مهمتها إيقاظ النائمين ليهتموا بهذا الكائن الفائق الجمال: لغتنا العربية. ولحظي الكبير قبلت “منشورات الجمل” نشر الكتاب من دون حذف أية كلمة منه.

تفكير لغوي

هل تفكر في الكتابة بالعربية؟

أحياناً أشبه وضعي بالكمبيوتر (الحاسوب) المتعدد اللغات، عندما تنقر على رمز اللغة العربية تخضع لوحة المفاتيح عبر سلسلة من العمليات الإلكترونية لذلك، وتتبع أمر كتابة كل زر من أزرار اللوحة بمضمونه العربي وليس اللاتيني. هكذا مقارنة فيها تبسيط بالتأكيد لكني منذ طفولتي تعلمت التنقل السريع بين اللغات فأنا انتمي للأقلية الآرامية التي تكلمها السيد المسيح، ولغتي الثقافية ولغة انتمائي الوطني هي العربية ثم تعلمت الفرنسية في لبنان وبعدها الإنجليزية في دمشق ثم أتت الألمانية.

جوابي هو: أفكر بالعربية عندما أكتب بالعربية وبالألمانية عندما أكتب بالألمانية، ولكن في كلا الحالتين تتداخل وتنتقل بعض الصور والتشبيهات من لغة إلى لغة، بعضها يصلح ويتمتع بجمالية أخاذة وبعضها لا يصلح إطلاقاً… وهذا مثلاً ما تعاني منه الترجمة الحرفية كلمة بكلمة للنصوص الأدبية، كأن تترجم للإنجليزية أو الألمانية مقولة عامية دمشقية فلا يفهمها أي ألماني.

مشهد ثقافي

هل تتابع المشهد الثقافي السوري والعربي؟

بالطبع وأنا لست متشائماً إلى هذا الحد الذي يقارب النواح في كل ما يقال عن المشهد الثقافي العربي والسوري خاصة. هناك سقوط لمثقفين جبنوا وللجبن ألف وجه أما الشجاعة فوجهها واحد… وهناك بالمقابل صعود لآخرين لم يسمع بهم أحد قبل اليوم، رافقوا بقلوبهم وعقولهم ثورات شعوبهم.

هذا شيء طبيعي فالمثقف لا يختلف عن أي مواطن آخر كبائع الجبن أو الإسكافي، لا إذا ركع أمام جبروت الطاغية، ولا إن انتفض في وجهه. إلا أن المثقف يمكنه أكثر من الإسكافي أو بائع الجبن، خاصة عند الخداع، أن يموه موقفه بعبارات طنانة.

بالطبع اضحك أحياناً لما يطلبه البعض من الكتاب، وكأن الكتاب سياسيين يمتلكون السلطة. والبعض الآخر يطالب الروائيين بكتابة رواية الثورة وكلما سمحت لي الفرصة أحاول شرح الفرق بين الشاعر والراوي، الشعر يصدر عن الوجدان لذلك يمكنه كالصحافة مرافقة الحدث اليومي، بينما الرواية تحتاج لزمن ولفحص وتدقيق. كل الروايات التي كتبت بسرعة للثورات لم يبق لها لا أثر ولا قيمة. الشعر إبن الشعور والرواية ابنة التروي.

دعوة للتجديد

في الكتاب (قرعة جرس) دعوة لتجديد اللغة العربية كيف ذلك؟

جواب هذا السؤال يقارب مئتي صفحة في كتابي. لكني ولعلمي بفحوى وجدية ما تقصده أحاول الإجابة بأسطر: أول ما تحتاجه اللغة هو المحبة فمن دون أن نحب هذا الكائن الجميل لا يمكننا أن نتقدم معها خطوة للأمام. ثاني ما تحتاجه لغتنا هو اتفاق عام ملزم لكل الدول العربية بالعمل معاً في إصلاح هذه اللغة التي تعنينا جميعاً من دون أن نكون متفقين سياسياً أو مذهبياً، فالسني العربي يستعمل كالشيعي والعلوي والمسيحي، كالمحافظ والليبرالي والتقدمي اللغة نفسها.

محاباة

الكتاب العرب الذين يحققون شهرة كبيرة يتهمون بمحاباة الغرب ما رأيك؟

لقد أنتجت خلال خمسين سنة من العمل الدؤوب حوالي 6000 صفحة أدبية وأنا أتحدى كل من يتهموني أن يجدوا جملة واحدة تهين الثقافة العربية أو الإسلام أو الوطن أو الإنسان العربي.

جوائز ومسيرة

حصلتَ على العشرات من الجوائز الأوروبية والعالمية ما هو شعورك حين تجد كل هذا التكريم هنا في أوروبا والعالم مقابل التعتيم المقصود على تجربتك واسمك في الدول العربية؟

الشعور معقد جداً: أول شريحة من شرائح هذا الشعور هو فرح كبير لهذا التكريم. أسميه واحة في مسيرتي عبر الصحراء. ثاني شريحة فرحي بالمحاضرة التي ألقيها بالمناسبة والتي أعمل عليها أسابيع وهذا شرطي لقبول أية جائزة والكلمة التي ألقيها كشكر فيها سطر واحد للشكر بصدق ثم أختار موضوعاً ما يشغلني: مثلاً حقوق الأقليات في أوروبا أو نقد لصمت الصحف الألمانية تجاه مجازر في العالم الثالث أو رأيي في الأدب ودوره في تثقيف الإنسان وفتح نوافذ تُطِل على ثقافات أخرى.

إن أصعب رواية لي، وهي الوجه المظلم للحب نالت جوائز عدة ومديحاً ضخماً من كثير من النقاد العالميين للأدب وتصدرت ولنصف سنة كاملة قائمة المبيعات في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا رغم ضخامتها (1000 صفحة)، ومعالجتها لـمئة وعشر سنوات من تاريخ عائلتين متناحرتين في سوريا. وأن كل هذا لم يكفي لخبر بسطر واحد عربي عن الرواية.

إضاءة

رفيق شامي روائي سوري ولد في دمشق عام 1946، سافر إلى ألمانيا عام 1971عمل في ورشات ومصانع إلى جانب دراسته من 1971 حتى 1979 حيث نال درجة الدكتوراه في الكيمياء العضوية المعدنية، وأنجز عدداً من الأبحاث العلمية المهمة، اشتغل في المجال العلمي في ألمانيا، قبل أن يقدم استقالته ليتفرغ للأدب، ويعد من أهم من كتبوا باللغة الألمانية، حيث حصد عشرات الجوائز وترجمت أعماله إلى لغات عدة.

عن جريدة البيان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق