تونس: من المسار السياسي إلى التحدّي الاجتماعي / محمد الحدّاد

كانت سنة 2013 في تونس سنة ضائعة من التاريخ، لم تحلّ فيها مشكلة من المشكلات العالقة، وارتفعت خلالها الأسعار ارتفاعاً جنــونياً، بما أدّى إلى خيبة كبيرة لدى شـــريحة واسعة من المواطنين خاب أملهم فــي الاستفادة من ثمار الثورة، وأصبح المجلس التأسيسي مجلساً للهراج والجدل الفارغ، فابتعد جزء من المواطنين عن الاهتمام بالشأن العام.

وفي 2013، شهدت تونس أكبر موجة اغتيالات سياسية وعمليات إرهابية، عدا تردّي الخدمات العامة بسبب عدم الكفاءة والتعيينات الحزبية من جهة، وعمليات الإفساد والتخريب التي تقودها جهات مرتبطة بالعهد البائد من جهة أخرى. وتطوّرت شريحة من «مافيات» الأعمال استغلّت حالة التسيّب لتحقيق الأرباح الفاحشة على حساب الشعب.

كانت الأوضاع تنذر بالأسوأ عندما قامت مبادرة الحوار الوطني حول «الاتحاد العام التونسي للشغل»، النقابة العمالية الأساسية التي تأسّست منذ فترة التحرّر الوطني، فنجحت في أن تقلب المسار وأن تعيد السيادة لمبدأ الوفاق الذي لا مناص منه لنجاح الفترات الانتقالية، وعليه تحقّق في أسابيع قليلة ما تعطّل لمدّة سنتين، فتقدّمت عملية صياغة الدستور وأنشئت الهيئة المشرفة على تنظيم الانتخابات واستبدلت الحكومة ذات الغالبية «الإخوانية» بحكومة محايدة، فحقّق المسار السياسي تقدّماً مهمّاً قد تعترضه بعض العوائق لكنه لن يعود إلى الوراء. ومن هنا، فإنّ «خصوصية» التجربة التونسية إنما تتمثل أساساً في وجود منظمة نقابية قوية، سقط بن علي عندما تخلّت عنه في أواخر 2010، ورجّحت مقترح المجلس التأسيسي عندما ناصرته، ونجحت اليوم في فرض الحوار الوطني.

ليس هذا التطوّر بالهيّن، سيما بعد التشاؤم الذي استحكم منذ الاغتيال السياسي الثاني في تموز (يوليو) 2013. وتونس لم تشهد في تاريخها الممتدّ على قرون حاكماً يسلّم الحكم طواعية، فكلّ حكم كان ينتهي بالموت الطبيعي أو القتل، لكن منذ الثورة تكرّر التخلي الطوعي عن السلطة مرتين، إحداهما عندما أوفى الباجي قائد السبسي بوعده وترك الحكم بعدما قاد انتخابات ناجحة في 23/10/2011، والثانية عندما أوفى علي العريض بتعهده للحوار الوطني وقدّم استقالة حكومته لتحلّ محلها حكومة محايدة.

وكما أن «النهضة» لم تقدّر سابقاً القيمة الرمزية لما قام به السبسي، بل وجهت كلّ طاقاتها الدعائية لثلبه وشيطنته، فعليها ألاّ تنتظر وقوف الآخرين احتراماً لما قام به العريض. لكن الحقيقة أنّ تخلّي شخصين عن السلطة طوعاً في ثلاث سنوات يمثل ظاهرة بالغة الأهمية تحلّ عقدة السلطة في النفسية العربية وترفع هالة التقديس عن الحاكم وتؤشر لإمكانية تقدّم التونسيين نحو تجربة ديموقراطية معقولة. ولنتذكّر أنّ سنة 2014 كانت السنة المقرّرة للانتخابات الرئاسية والتي كان سيجدّد فيها المخلوع الحكم لنفسه أو يورّثه لزوجته أو لصهره «الورع التقي»، لولا الثورة.

ولقد بدأت الآلات الدعائية للأحزاب بالاشتغال، وهذا أيضاً من وجوه الديموقراطية. فالأوساط «الإخوانية» في تونس، وفي خارجها، صوّرت استقالة الحكومة «وجهاً من نجاح التجربة النموذجية للانتقال الديموقراطي في تونس بقيادة النهضة»، مقابل تأكيد خصوم «الإخوان» في الداخل والخارج على أنّ الاستقالة تثبت مجدّداً فشل الإسلام السياسي في الحكم.

والواقع أن الطبقة السياسية، التي لم تكن صاحبة المبادرة في الحوار بل سعى العديد من مكوناتها الرئيسية، ومن الطرفين، إلى تعطيلها، مدعوّة إلى أن تأخير حملاتها الانتخابية بعض الوقت، لأنّ إنقاذ المسار الانتقالي في بعده السياسي لا يخفي تحدّياً آخر، هو الاقتصادي والاجتماعي. وعلى التونسيين الانتباه إلى خطورته ومعالجته بحكمة وتبصّر. ذلك أنّ الثورة كانت اجتماعية بالأساس، قادها المحرومون والمهمّشون والعاطلون من العمل، ولم تفجّرها الأحزاب، وكلّ ثورة هي في العمق مطالبة بإعادة توزيع الثروة، وهو لا يتحقّق إلاّ ببناء جديد للمؤسسات السياسية. بيد أن الصورة السلبية التي ظهرت عليها الطبقة السياسية، من انتهازية وضعف كفاءة وفشل في الإحاطة بالمشاكل الحقيقية، أدّت إلى إعراض شرائح واسعة عن الشأن العام، واعتبار الكثيرين أن الدستور والانتخابات وتعاقب الحكومات ليست إلاّ مناورات للمماطلة في تحقيق مطالبهم المشروعة. وهؤلاء لا يمكن إعادة الثقة إليهم بمؤتمرات الحوار التي لا يرون أنفسهم معنيّين بها أصلاً، ثم إنّ أمامهم سنة أخرى من الانتظار، على الأقل، ريثما تنظّم الانتخابات ويبدأ عهد من الاستقرار يسمح بإصلاحات اقتصادية عميقة، وهي إصلاحات لن تؤتي أكلها إلا بعد فترة من تقريرها وبعد تضحيات قاسية.

التحدّي الجديد الذي ستواجهه تونس، بعد حلحلة المسار السياسي، هو تحدّ اقتصادي واجتماعي، وعلى الطبقة السياسية أن تتجه إلى الشرائح المتضررة، وتستعيد الثقة لديها وتثبت جديتها في معالجة مشاكلها، وأن تترك جانباً النقاشات البيزنطية حول الهوية والشريعة والخلافة، وتقدّم إجابات للقضايا الاجتماعية. فما تشهده تونس مؤخراً من حركات احتجاجية عنيفة يعود جزء منه إلى محاولات قوى معيّنة تخريب المسار السياسي، لكنه يعود أيضاً إلى الوضع الاجتماعي المتردّي في المناطق المحرومة والأحياء الشعبية، حيث لا يشعر الناس أنهم استفادوا من الثورة أو تحسّن مستوى عيشهم بعدها.

والأكيد أن السبب المباشر الذي أقنع العريض بالاستقالة هو فشل المفاوضات التي تمت أواخر 2013 في واشنطن مع المؤسسات المالية الدولية التي رفضت مواصلة منح تونس قروضاً إضافية في غياب توافق وطني حول الحكومة. وعلى هذا الأساس، من المنتظر أن تحصل الحكومة الوفاقية الجديدة على مساعدات مالية مع نهاية كانون الثاني (يناير) الجاري. لكن على هذه الحكومة ألاّ تعيد الخطأ الذي ارتكبته الحكومات السابقة والمتمثل في تخفيف الاحتقان الاجتماعي بالاعتماد المفرط على المديونية الخارجية التي ارتفعت ارتفاعاً بالغاً منذ الثورة.

يتعيّن ضرب مافيات الفساد بقوة، وهذه المهمة لا يمكن أن تقوم بها الحكومة إلا وهي مسنودة بكلّ مكونات المشهد السياسي والمدني، وفي مقدمها الاتحاد العمالي الذي لم ينتهِ دوره، بل عليه الآن أن يخوض المعركة الجديدة ويقنع قواعده بالحدّ من الاضرابات والاحتجاجات والمطالبات المشروعة، كما يساهم في مقاومة الاحتجاجات المزيّفة التي تدفع إليها مافيات الفساد. وعموماً، فالجانب الاجتماعي هو الذي سيصبح الشغل الرئيس ومحكّ نجاح المسار الانتقالي كلّه.

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق