نقاش – درسٌ ثانٍ في الديموقراطية / فوّاز مزيّك

إن التوق العارم للحرية والعدالة الذي يعتري الشعوب العربية التي اكتوت بنير ديكتاتوريات بشعة يدفع الكثيرين للظن أن تأسيس نظام ديموقراطي ضامن العدالة والحريات سيكون تلقائياً وطبيعياً ما إن تتخلّص هذه الشعوب من طغاتها. غير أن نظرة سريعة إلى ما أنجز حتى الآن يظهر بوضوح ليس فقط القصور الكبير في إرساء أسس نظام ديموقراطي عادل بل أيضاً في الاتفاق على طبيعة هذه الأسس ومداها. في هذا السياق لا تختلف الدول العربية التي خُلع ديكتاتوريوها بالقوة (العراق، تونس، مصر، ليبيا واليمن) عن الدول التي تشهد تحولات تدريجية مثل الأردن، الكويت والمغرب.

أحد أهم تجلّيات القصور في فهم العملية الديموقراطية هو الخلط الكبير بين الأغلبية السياسية والأغلبية الإثنية أو الدينية. هذا الخلط منتشر كثيراً عند الكوادر والقيادات في الأحزاب الإسلامية التي وصلت إلى الحكم بعد الربيع العربي. فهم يكرّرون في كل مناسبة وجوب أن يكون شكل الدولة الجديدة إسلامياً لأن أغلبية الشعب مسلمة. وهم يحاولون استدعاء تشابه زائف مع الديموقراطيات الراسخة في مقولتهم المكرّرة: “أليست الأغلبية هي التي تحكم وتفرض سياساتها هناك؟” متناسين أن “الأغلبية هناك” هي أغلبية سياسية وليست إثنية أو دينية. وقد فوّضها الشعب قيادة البلاد على أساس برنامجها للحكم وليس بناء على أفضلية كامنة فيها نابعة من هويّتها الإثنية أو الدينية.

فالأغلبية السياسية في الديموقراطيات الراسخة تتشكّل من مختلف مكوّنات المجتمع، ومن الطبيعي أن يشكّل المكوّن الغالب في المجتمع القسم الأكبر من الأغلبية السياسية، لكن في الأغلب الأعم هذه هي الحال أيضاً بالنسبة للأقلية السياسية. هذا التمييز بين الأغلبية السياسية والأغلبية الإثنية أو الدينية مهم جداً في تفنيد محاولات الاحزاب الدينية لاستعمال أغلبية صناديق الانتخاب كتبرير لمحاولة فرض قوانين وأنماط سلوك تتماشى مع عقيدتها الخاصة ولا علاقة لها بأولويات الإدارة والحكم. كما هو مهم في فهم الفرق بين الحقوق السّياسية وحقوق المواطنة والانسان. فيجب حماية حقّ الأقلية السياسية في معارضة حكومة الأكثرية.

أما بالنسبة للأقليات الإثنية والدينية فيجب حماية حقوقها على كل المستويات: ثقافة واعتقاداً ولغة واجتماعا؛ بما يمنع التمييز ضدّها ويحفظ هويتها من القمع والاندثار. هذا ليس “تدليلاً” لها كما يقرر علينا الكثير من “مُحدَثي الديموقراطية”، بل هو من صلب تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين مواطني الدولة. أكثر من ذلك، هذه المساواة شرط لا غنى عنه لتقدّم المجتمع وازدهاره لأنها تُشرك جميع مكوّناته في عملية الانتاج والبناء وتوفر هدر كثير من الطاقة والوقت في التناحر والصراعات الجانبية.

غير أن التدقيق في المشاريع السياسية المابعد-ديكتاتورية، يظهر بسهولة أنها ليست ديموقراطية في مجملها. أو هي في أحسن الأحوال ديموقراطيات مبتورة تقتصر على ممارسة حق التصويت وفي ظروف تفتقر إلى الشفافية والمراقبة المحايدة. فالديموقراطية والحرية وحقوق المواطن في هذه المشاريع تبدو أشبه بـ“ديموقراطية-نا وحرية-نا وحقوق-نا”. فمن العراق إلى مصر وليبيا وتونس تتالت مشاريع العزل والتهميش للقوى السياسية المهزومة. وبحكم شمولية الديكتاتوريات السابقة وطول فترتها كانت نتيجة مثل هذه السياسات عزل شرائح كبيرة من المجتمع بما فيها كوادر وكفاءات مهمة لبناء الدولة الجديدة. ليست المقصودة هنا القيادات العليا التي كان لها دور مباشر في القمع والظلم بل الأطر الإدارية والتنفيذية للدولة مثل مديري المؤسسات ورؤساء الجامعات. بل بلغ التشدد في العزل أنه شمل في الحالة الليبية مثلاً معارضي النظام السابق الذين قضوا أعمارهم في المنافي. فالعدالة لا تكون عدالة حتى تشمل الجميع والحقوق يجب أن تكون مكفولة للجميع حتى لا يكون النظام الجديد مجرد نسخة محسّنة للقديم.

هذه النقطة بالذات تبدو الأصعب عند التطبيق. فبسبب توحّش الأنظمة الديكتاتورية المنتهية وفداحة الظلم الذي ألحقته بمناوئيها، تبدو مقولة مساواة جلاّدي الأمس مع ضحاياهم في الحقوق وحماية القانون بحد ذاتها غير عادلة. غير أنه ما من طريق آخر. ما من حل آخر. إما المساواة التامة وسيادة القانون، وإما إعادة انتاج نسخة محسّنة من النظام القديم والغرق في دوامة العنف والعنف المقابل حيث يبهت الحد الفاصل بين الرغبة في تحقيق العدالة والرغبة في الانتقام. الجدير بالذكر في هذا السياق أن التطبيق الصارم لعدالة القانون هو الضمان الأجدى لمعاقبة من يستحقون العقاب فعلاً، أما الإجراءات الانتقامية ذات الطبيعة الشمولية فكثيراً ما تصيب الأبرياء وينجو منها المذنبون الحقيقيون.

في كلام آخر نحن بأمس الحاجة إلى مانديلا يتكلم العربية.

مسألة أخرى بالغة الأهمية في سياق تصور الديموقراطية الوليدة هي حقوق المرأة. تدل التجربة حتى الآن أن المرأة العربية هي الخاسر الأكبر عندما تتحقق الديموقراطية في المجتمعات المحافظة التي تؤدي تلقائياً إلى انتخاب أكثرية محافظة في أي انتخابات برلمانية حرة. فمن العراق إلى مصر وتونس يتم هجوم منظم على حقوق المرأة لا يتجلى فقط في سن قوانين تمييزية تقيّد حقوقها وتلغي مكتسباتها السابقة بل وأيضاً في ضعف تمثيل المرأة في البرلمان ومختلف مستويات الإدارة. إن موقف بعض الأقليات في هذه المجال يستوجب التأمل؛ فبينما تصر هذه الأقليات على حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية كاملة غير منقوصة، لا تهتم كثيراً بما يلحق المرأة من إجحاف وظلم، مما يؤدي، عملياً، إلى أن هذه الأقليات إنما تطالب بالمساواة الكاملة لرجالها فقط!

ليس هناك وصفة جاهزة لحماية حقوق المرأة في الديموقراطيات الناشئة. فهنا أيضاً قد تختلف المقاربات والنتائج باختلاف ظروف كل بلد. ولكن يمكن تصور بعض الحلول المرحلية لحماية حقوق المرأة خلال فترة بناء الديموقراطية الجديدة.

فمثلاً يمكن الاتفاق بداية على عدم إلغاء أي قانون سابق يتعلق بحماية حق للمرأة. كما يمكن الاتفاق على تخصيص نسبة معينة (كوتا) للنساء في مختلف المجالس المنتخبة. وقد يبدو هذا مساساً بمبدأ أساسي للنظام الديموقراطي حيث الأصل أن ينتخب المواطنون ممثليهم في البرلمان بحرية من دون وجود نسب تمثيل مصطنعة. ولكن في هذه الحالة بالذات يتعلق الأمر بإزالة العوائق أمام ممارسة المرأة حقوقها السياسية أكثر منه كعبث بمبدأ التمثيل الديموقراطي. ربما من الأجدى معاملة حقوق المرأة كحقوق الأقليات من ناحية مستوى الحماية في الديموقراطيات العربية الوليدة. فالنساء في غالبية الدول العربية هن الأغلبية المضطهدة أكثر من أي أقلية.

مما سبق يبدو واضحاً أن تطبيق الديموقراطية يتطلب الكثير من المبادرات الخلاقة والمساومات السياسية لأنه ليس هناك طريق واحد لبلوغ الهدف. كما أن الديموقراطية ليست حلاً شاملاً لمسائل العدالة الاجتماعية وحقوق الانسان، لأن من السهل إساءة استخدام حق التصويت في ظل غياب جهاز قضائي مستقل ودستور علماني يكرّس المساواة على أساس المواطنة. هذه الحقيقة تحتّم على القوى السياسية النظر إلى مشروع الدولة بشكل متكامل من منظور الشراكة والاستعداد للمساومة والتنازلات المتبادلة مع ادراك حقيقة أنه ليست هناك وصفة جاهزة ممكنة التطبيق آنياً.

إن بناء الديموقراطية الجديدة هو عملية قد تطول. الأكثر أهمية في هذه المرحلة من المحاولة شبه المستحيلة لبناء نظام ديموقراطي عادل متكامل، هو التركيز على تجنب تضمينه عناصر تقوّضه من الداخل وتمنع تطويره وتحسينه في المستقبل.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق