أفكار نحو علم جمال للسينما

جورج لوكاتش
(تعريف)

György Lukács جورج لوكاتش (1885-1971)

كاتب وفيلسوف وناقد أدبيّ مجري، ولد في بودابست وتوفي فيها. بدأ فيلسوفاً مثالياً وانتهى فيلسوفاً ماركسياً مجدداً وناقداً. انتسب إلى الحزب الشيوعي المجري عام 1918، وتولى فيه أمانة الشؤون الثقافية لجمهورية السوفيتات المجرية الفتية (1919) والتي لم تدم طويلا. عاش في فيينا ردحاً من الزمن بعد انهيار الجمهورية ثم أُبعد من فينا فتوجه إلى موسكو حيث عمل في مركز ابحاث الماركسية اللينينية، ومع تحرير المجر عاد إلى بودابست، وشارك منذ عام 1945 في تأسيس ثقافة مجرية جديدة. برغم علاقته الإشكالية مع الستالينية بقي عضوًا في الحزب الشيوعي المجري حتى مماته.


كتب في علم الجمال وتاريخ الفلسفة ونقد الفلسفة ونظرية الأدب والنقد الأدبي. تطوّرت منظومة أفكاره منذ صدور مؤلفه البكر: “النفس والأشكال” Die Seele und die Formen (1910)، واكتملت واستقرت في “تحطيم العقل” Die Zerstörung der Vernunft (1952). ويشكل مُؤلفه “التاريخ والوعي الطبقي” Geschichte und Klassenbewusstsein في عام 1923 وثيقة هامة لفلسفة التاريخ الماركسي.


من أهم مؤلفات لوكاتش “نظرية الرواية” Theorie des Romans (1916)، و”غوته وعصره” Goethe und seine Zeit، و”وجودية أم ماركسية” Existentialisme ou marxisme (1949)، “هيغل الشاب، في العلاقة بين الديالكتيك والاقتصاد” Der junge Hegel. Über die Beziehungen von Dialektik und Ökonomie (1948)، “بلزاك والواقعية الفرنسية” Balzac und der französische Realismus (1952)، “الواقعية الروسية في الأدب العالمي” Der russische Realismus in der Weltlitertur (1953)، “فكر معاش، سيرة ذاتية في حوار. تحرير إسطفان إورسي” Gelebtes Denken. Eine Autobiographie in Dialog, István Eörsi (1980). ترجم العديد من اعماله إلى اللغة العربية.


أفكار نحو علم جمال للسينما
جورج لوكاتش

 

 

لا نستطيعُ الهروبَ من مواقِع ارتباك المفاهيم: شيءٌ ما جديدٌ وجميلٌ يولد ومع هذا وبدل أنّ يتم تَلقفه كما هو فإنّ المرء يُحاول أن يُجرّده من معناه الحقيقي، ليقّيمه ويوازيه مع مَقولات قَديمة وغير مُلائمة. فهذا يُفسر السينما بجهاز توجيه وإرشاد بَصري وذاك، وأحيانا أخرى يُفسره على أنه منافسٌ رخيصٌ للمسرح؛ في الجهة الاولى يُنظر اليه من الزاوية التعليمية وفي الآخرى من وُجهة نظر اقتصادية. أما أنَّ هذا الجمالَ الجديدَ هو تحديداً جمالٌ يستحق بحدّ ذاتّه أنّ يُدرس وتُسبر أغواره جماليا، فإنّ القلائل يفكرون على مِثل هذا النحو.


ومن حين إلى آخر، يتوهّم أحدُ الكتاب المسرحيين المعروفين أنّ السينما ستحلّ محل المسرح بفضل الدِقة التقنية وبفضل القُدرة الكاملة على إعادة انتاج الكلام(1). وإذا ما كان هذا ممكنا- يواصل كلامه- فإن الفِرق المسرحية غير المؤهلة سوف تختفي، ولن يكونَ المسرحُ مُقيدا بعد الآن بتوفر الامكانيات المحلية للتمثيل الجيد، وسيقوم بالتمثيل أفضلُ الممثلين لا غير، ذالك لأنّ الأداء المنقوص، وببساطة، لن يتمّ تصويره. سوف يغدو الأداء الجيدُ خالدًا، وسيفقد المسرح كلّ ما هو مؤقت بَحت، ليغدو متحفا عظيما للإنجازات المثالية الحقيقية.


إنّ هذا الحُلم الجميل ليس سوى خطأ جسيم. يسهو هذا الكاتب المسرحي عن الشرط الجوهري لكل أداء على خشبة المسرح- تأثيرُ الشخصية الموجودة فوقها فعليا. ذالك لأنّ منبعَ التأثير الدراميّ ليس في الكلمات ولا هو في هيئة مُمثل ما أو في فِعل درامي ما، بل إنّ منبعه هو في تلك الطاقة التي يقوم من خلالها الفرد، والرغبة الحيّة لشخص حيّ، ودون توسط أو تعليمات رادعة، بالانسياب قُدما لينضمّ إلى حَشد أو مجموعة حَية متكافئة. خشبة المسرح هي الحضور المُطْلق. والطابع المؤقت لإنجازاتها ليس ضَعفا يُرثى له بل هو قَيدٌ طيبُ الغَلة، وإنه الموازي الضروري والتعبير الأوضح للمصير في المسرح. المصيرُ هو الحضورُ بذاتّه. الماضي وببساطة، هو المِشنقة بالمعنى الميتافيزيقيّ؛ إنه بالكامل أمرٌ بدونِ غاية. (وفيما إذا كانت هنالك امكانية لوجود ميتافيزيقا للمسرح، بحيث لا تكون هنالك حاجة لمَقولة الجمال نهائيا؛ فإنها لن تعرف افكارا كفكرة “العرض” [Exposition] و”التطور” وما إليه). والمستقبل بالنسبة للمصير هو أمر غير واقعيّ بالكامل كما أنه ليس بذي علاقة. الموتُ، والذي هو نهاية كل تراجيديا، هو الرمز الاكثر إقناعا على هذا. خلال العرض المسرحي ينمو هذا الاحساس الميتافيزيقي بشكل آنيّ وبتبصّر مستقبلي: من داخل حقيقة البشر الأكثر عُمقا ومن موقعهم الذي يشغلونه في هذا الكون ينمو واقع بديهي بذاته، “الحاضر”، روحيّة الممثلين، وهي الاكثر قابلية للملاحظة، ولهذا فإنها التعبير الأكثر عُمقا لتزهُد الدراما الحتميّ. أنّ تكون حاضرًا وأنّ تحيا بحق، أنّ تحيا حصرًا وأنّ تحيا حياة عَارمة هو المصير فعلاً، إلا أنّ ما يُسمّى تكلّفًا “حياة”، فإنها لن تبلغ تلك الكثافة التي تستطيع أنّ تُرَفِع كلَ شيء إلى مَصاف المصير. وهكذا فإنّ مجرد ظهور ممثلة جليلة كالممثلة “دوزا”(2) على خشبة المسرح هو وبدون الحاجة إلى أيّ دراما عظيمة مصيرٌ، صلاة مقدسة، تراجيديا، أُحجية غامضة. “دوزا” هي الشخص الحاضر حُضورا مطلقا وفيها وبكلمات دانتي يتماهى الـ “أن تكون” (Essere) مع “الفَعالية” (Operazione). “دوزا” هي لحن موسيقى القدر، هذا اللحن الذي يجب أنّ يدويّ من دون اعتبار للموسيقى المُصاحِبة.


إنَّ غياب هذا “الحُضور” هو الصفة المميزة الأساسية للسينما، ليس لأنّ الافلام مَنقوصة الكمال، وليس لأنّ شخوصها مُجبرة على إتيان الحركات بصمت(3)، بل لأنّ هناك فقط حركات وأفعال بشرية- ولكن، من دون بشر. وليس هذا موطن ضَعف في السينما، إنه حُدودها إنه مَبدئها المُكون (Principium Stilisationis). ومن خلال هذا تغدو السينما وبشكل خارق نابضة بالحياة. ليس فقط من خلال تقنياتها ولكن أيضًا من خلال تأثيراتها. تتساوى الصورة السينمائية في جوهرها مع الطبيعة، وليست أقلَ عُضوية أو حَيوية من الصور على خشبة المسرح، إلا أنها تُقيمُ حياةً من نوع مختلف كلية. وبكلمة واحدة إنها تغدووهمية. إلا أنّ هذا العنصر الوَهمي ليس نقيضًا للحياة المُعاشة بل هو جانب جديد من الأمر ذاته: حياةٌ بدون حضور، حياةٌ بدون قَدَر، بدون دواعٍ وبدون دوافع، حياةٌ بدون مقياس أو نظام، بدون جوهر أو قيمة، حياة بلا روح، حياةٌ لا تريد روحنا في صميمها أن تلتقيها ولن تكون قادرة على ذلك.


وحتى ولو كانت الروح -وغالبا ما تكون- في حُرقة إلى هذه الحياة فإن هذه الحُرقة هي شوق إلى هاوية غريبة، إلى أمرٍ قصيٍّ وبعيد داخليا. لهذا فإنّ عالم السينما هو عالم بدون خلفية وبدون أفق، بدون أي تنوع في الوزن أو الكيفية، إنه الحاضر فقط، يمنح الأشياء مصيرها، وزنها وضوءها وبريقها.


إنّ الطابع المؤقت لخشبة المسرح ولتدفّق أحداثها هو دائما أمر مفارقة: إنه تدفق اللحظات العظيمة، شيء ما عميق في جوهره، كامن في سكون، إنه يكاد يكون “سجينا” كشيء يغدو سرمدياً، وكنتيجة مباشرة لهذا “الحضور” القويّ المؤلم. إلا أنّ الطابع المؤقت جوهريا للسينما ولتدفقها هو أمر واضح ونقيّ. إنّ جوهر السينما هو الحركة بحدّ ذاتها، التحول الأزلي، التغيير غير المتوقف للأشياء. يتطابق الاختلاف في مفاهيم الزمن مع اختلاف المبادئ الاساسية للتأليف المسرحي والسينمائي. الأول هو ميتافيزيقي بحت، ينأى بنفسه عن كل ما هو حيّ تجريبيا، والآخر هو غير ميتافيزيقي، إنه حصرًا حيّ تجريبيًا، لأنه من خلال هذا الافتراق بين الحدود القصوى وبطبيعته تنشأ ميتافيزيقيا أخرى مختلفة تماماً. وبكلمات أخرى فإنّ القانون المؤسس للاتصال بالنسبة للمسرح وخشبة المسرح هو ضرورة حتمية، بينما هو بالنسبة للسينما إمكانية غير محدودة. إنّ اللحظات المُتفردة والتي يصبح اتصالها ممكنا في المتتالية المؤقتة للمشهد السينمائيّ تكون قابلة للوصل فقط فيما إذا تبعت الواحدة الأخرى بشكل مباشر دون محطة عبور. لا وجود لسبب ونتيجة تقوم بوصلها معا أو لتجميعها في محتوى مُحدد. “كل شيء ممكن“، هذه هي نظرة العالم إلى السينما، وبهذا فإنها ما يُعبر من الناحية التقنية عن الواقع المطلق (برغم أنه تجريبي فقط) في كل لحظة منفردة، ولهذا يتم اسقاط صلاحية المُمكِن خارجا بوصفه مَقولة تتعارض مع الواقعي. كلتا المقولتان تصبحان متساويتين. إنهما تكتسبان ماهية واحدة. كل شيء هو حقيقي وواقعي وهو واقعي وحقيقي على حدّ سواء. هذا ما تعلمنا إياه مُتتالية اللقطات السينمائية.


وهكذا ينشأ في السينما عالم جديد، متجانس ومتناغم، متماسك ومتغير، عالم يتوافق مع حكايات الخيال ومع الأحلام في الأدب وفي الحياة: أقصى الحيوية لكن من دون بُعد ثالث داخليّ، علاقة إيحاء تنشأ من التتابع المحض [للقطات]، مُقيد بشدّة إلى الواقع الطبيعي ووهميّ تقريبا، متشكل كالزخارف بلا نداء الحياة الاعتيادية طلبا للتعاطف. وفي السينما، كل ما قد حاول الرومانسيون الوصول إليه -عبثا- صار الآن من الممكن تحقيقه: القدرة القصوى على الحركة غير المقيّدة للشخصيات وانبعاث الحياة الكامل في خلفية المشهد للطبيعة وللحيّز الداخليّ، للمزروعات كما للحيوانات. إلا أنها حيوية لا تتصل بأيّ شكل من الاشكال مع محتوى الحياة العادية والضيق المحيط بها. لقد حاول الرومانسيون الزجّ بأحاسيسهم بالتقرّب المتوهّم بين الطبيعة إلى خشبة المسرح، لكن خشبة المسرح هي مملكة المصائر والارواح العارية. فكل خشبة مسرح هي في صميم جوهرها إغريقية. وبتناسق وعلى نحو تجريدي يتقدم أناس إلى الامام ليقدموا عروضهم عن المصير، في أروقة تجريدية، أروقة خالية وعظيمة. ليست الأزياء ولا عناصر المشهد ومؤثراته الأحتفالية ولا الزينة والكماليات الخارجية المختلفة الأخرى بالنسبة للمسرح سوى مجرد حلول وسطى. ففي اللحظات الحاسمة حقا، يختفي هذا كله ويغدو نافلا. لا تقدّم السينما سوى الحركة مجردةً، ولكن بدون دوافع أو معنى؛ فشخصياتها لا تمتلك سوى القدرة على الحركة، لكنها بدون روح، وما يقع، يقع ببساطة الحادثة بدون المصير. ولهذا السبب- وليس كما يُعزى ظاهريا للقصور التقني المعاصر- فإنّ المشهد السينمائي يبقى صامتا. فالكلمة المنطوقة والمفهوم المدوّي هما قاطرة المصير، وفقط فيهما ومن خلالهما تنشأ روابط الاستمرارية في نفسية الشخصية الدرامية. وبانسحاب الكلمة المنطوقة ومعها الذاكرة والحقيقة والواجب تجاه الذات وفكرة التفرّد الذاتيّ يغدو كلّ شيء منيرًا ولامعًا ومُجنحًا ولعوبًا وراقصًا. ينقلب الصمت إلى كُلية. وكل ما هو هامّ في الاحداث المعروضة هو ما يجب أن يكون مُعبّرًا عنه بالحركات والإيماء، حصرًا. وكلّ التماس [لحضور] الكلمة هو سقوط إلى خارج هذا العالم وهدم للقيمة الاولية. ومن خلال هذا فإنّ كل ما كان مكتوما في السابق بثقل العبء النفيس والمجرد للمصير، يزدهر الآن حيا حياة غنية ووفيرة. فعلى خشبة المسرح، حتى ذلك الذي يحدث فعلا، ليس له أهمية التأثير الغامر لقيمة المصير. وفي السينما، تسيطر الـ “كيفية” التي يحدث فيها على ما يحدث على سواها. ولأول مرة تكتسب حياة الطبيعة شكلاً فنيا: إندفاع المياه والريح من خلال الأشجار وسكون الغروب وسخط العواصف- تصبح هذه الظواهر الطبيعية فناً (ليس كما في الرسم، والذي يحوز على قيمته كرسم من عوالم أخرى). لقد فقد الإنسان روحه إلا أنه ربح جسده. لهذا فإنّ عظمته وشاعريته تكمن في الطريقة التي يستطيع فيها من خلال العزم ومهارة التغلب على العوائق المادية. وعليه فإنّ الملهاة تنشأ عندما تكون هذه العوائق منيعة.

إنّ انتصارات التكنولوجيا المعاصرة، والتي تبقى بالنسبة للفنون العظيمة دون معنى، تغدو هنا خيالية، إنها تستطيع سدّ الثغرة الشعرية. وفي السينما لأول مرة يحدث ما يحدث- سنقدم مثالا واحدا، فقط- فيغدو موضوع ما كالسيارة شاعريًا كما في الاثارة الرومنسية لمطاردة السيارات المندفعة. وتُضفي السينما على الحياة العادية في الشوارع والأسواق مرحًا بالغًا وشاعرية أشدّ وتَعرِض مشاعر أساسية وساذجة: طفل يستمتع سعيدًا بخدعة متقنة، امرؤ دائم الاخفاق وتائه ميئوس منه- على نحو لا يمكن نسيانه. وبينما نجتمع في المسرح أمام الخشبة العظيمة ونحصل على لحظاتنا الأسمى، علينا في السينما أن ننسى هذا السموّ ونتصرّف بدون مسؤولية. يُطلَق العنان هنا للطفل الداخليّ في كل فرد ليصبح سيد نفسية المشاهد.


لا وجود لما يربط الحقيقة في علاقتها مع الحياة كما تظهر في السينما بواقعنا الذي نعيشه. تطوف المفروشات دائرة حول سكير يطير سريره معه محلقا فوق المدينة- وفي اللحظة الأخيرة يتمكن من الامساك بثبات بأطراف سريره بينما يرفرف قميص نومه كالعلم. وتنتفض الكريات المجتمعة لتلعب الباولينغ ملتحقة بحفلة ما عبر الجبال والحقول وتطوف مستحمة في الانهر وتقفز فوق الجسور وتصاد النجوم في الاعالي إلى أن يستيقظ دبوس ما منبعثا باحثا عن الكريات. وتستطيع السينما أن تصير خيالية إلى درجة آلية صرف؛ كما عندما يُعرض الفيلم معكوسا فينهض أناس واقفين من تحت السيارات المندفعة أو كأن يعود السيجار المشتعل إلى الوراء فيصير أكبر وأكبر راجعًا إلى علبته في اللحظة التي يشتعل فيها. أو كأن يتم قلب الفيلم رأسا على عقب فتظهر مخلوقات غريبة تنبلج فجأة من الأسقف منحدرة نحو القاع زاحفة كالدودة. هذه مشاهد من عالم كعالم E.T.A Hoffmann أو Poe وArnim وBarbey d’Aurevilly – فقط من قصائدهم العظيمة، وإن من يستطيع تأويل وتصنيف، ومن يستطيع تحويل خيالهم المفاجئ والمتواضع في التقنيات، إلى ميتافيزيقا ذات معنى، ومن يستطيع الحفاظ على مثل هذه المشاهد في أسلوب صافٍ لم يظهر بعد. وما ظهر بسذاجة وغالبا ضد إرادة الناس يظهر فقط ضد روح التقنيات السينمائية. أرنيم وبوي المعاصران سيجدان لمشهدياتهما المسرحية أداة ممتازة وغنية وذات توافق داخليّ، كما كانته خشبة المسرح الاغريقي لسوفوكليس.


وبالتأكيد فإنها ميدان الشفاء من النفس، وموقع من أجل المتعة وإنها في نفس الوقت موقع لما هو أكثر غموضًا وأشدّ غلظة وبدائية معًا، إنها ليست أبدا موقعا للتهذيب والسموّ. لهذا السبب فإنّ السينما المتطوّرة حقا والمتكيفة مع مفهومها عن نفسها تستطيع أن تُفسح الطريق أمام الدراما (الدراما الحقيقية العظيمة وليس ما يُسمى اليوم “دراما”). إنّ الحاجة الملحة والمنيعة للتسلية لم تفعل شيئا سوى أنها أقصت الدراما من على خشبة مسارحنا فلا نشاهد اليوم في المسارح سوى قصص تتأسّس على الحوار أو قصص قصيرة فاقدة اللون أو تمثيليات فارغة مفخمة ورنانة لأحداث تاريخية عظيمة، بينما تغيب الدراما نفسها. تستطيع السينما هنا أن تضع حدًّا فاصلاً، فهي تتمتع بالامكانيات لعرض أصناف التسلية بشكل أكثر وضوحا وجمالا ممّا يستطيعه المسرح. إذ أنّ الترقب القلق للعمل المسرحيّ لا يستطيع مجاراة ايقاع السينما وكل محاولة لتقريب الطبيعة وجلبها إلى خشبة المسرح لن تبدو إلا بالكاد كظلّ شاحب لما تستطيعه شاشة السينما. وبدلا من الإختصار الفجّ للأرواح التي وبدون قصد تواصل -بسبب اعتماد الشكل المسرحي على الكلمة وهي المرتبطة بالروح- وجودها الذي بات مستهجَنا، ينشأ عالم اضطراريّ ومقصود، عالم “ بلا روح” عالم خارجيّ محض. وما كان على المسرح يُوصَف بالوحشيّ قد يغدو هنا بريئا مؤجلا ومشوها. وفي يوم ما -وأتحدث هنا عن يوم بعيد جدا ولهذا فإنه مرغوب بشدة من كل جديّ يتعامل مع المسرح- سيتم نتيجة هذه المنافسة بالالقاء بهذه القراءة للأدب تحت نور المصباح، من على خشبة المسرح بعيدا، وعندها ستكون هذه الخشبة مجبرة على أن تُنمي ما هو حقا حرفتها ونداؤها: التراجيديا العظيمة والكوميديا العظيمة. أمّا التسلية على خشبة المسرح والتي تمّت إدانتها بصفتها غِلظة لأنها تتعارض من حيث المحتوى مع الشكل المسرحيّ معروضًا على الخشبة، فإنها ستجد شكلها الملائم في السينما، شكل متناسب داخليا معها وفني بحق، لكن قلما نجد له مثيلا في سينما هذه الأيام. وإذا ما تمّ إقصاء النفاسانيون المتأنقون المستحوذون على القصة القصيرة بعيدا عن كلا المنبرين فإنّ الامر سيكون مفيدا لكليهما، كما لعافية الثقافة المسرحية وصفائها.

الهوامش:
1- المقصود بالنقد هنا وكما يتبين من نص أولي للمقالة صدر عام 1911 هو أحد المسرحيين الهنغار المشهورين.
2- Eleonora Duse ممثلة طليانية حازت على شهرة واسعة مطلع القرن المنصرم. كتب أحد معاصريها في رثائها: “لا تستحق أيّ قصيدة على وجه البسيطة أن تُغنّى لها، ومع هذا فإنها تمضي في حال سبيلها”.
3- كُتب النص في فترة “السينما الصامتة”، لكن للمزيد حول هذا، يُنظر لاحقا.

 

تمت الترجمة إلى العربية من الانجليزية بعنوان:
Thoughts toward Aesthetic of the Cinema – Georg von Luclacs, POLYGRAPH 13 (2001).
أما النص الأصلي باللغة الألمانية فهو:
Gedanken zu einer Ästhetic des Kino – Frankfurter Zeitung Vol 251 (September 10,1913)
هذه الترجمة العربية الأولى على حد علمنا لهذا النص.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق