الإسلاميون والحكم

صدر للكاتب والباحث التونسي منذر بالضيافي كتاب جديد، رصد من خلاله تجربة حكم “حركة النهضة” الحزب الاسلامي التونسي.
وقدم الكاتب كل أطوار ما يُعرف بالمرحلة الانتقالية الثانية في تونس بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011.
“الأوان” ينشر مقدّمة الكتاب بطلب من كاتبه للتعريف بهذا الاصدار الذي يمكن اعتباره أسرع وثيقة تصدر بعد أن تم تعيين حكومة جديدة كانت نتيجة جولات من حوار وطني بادرت به منظمات مدنية وشاركت فيه أهم الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية، وكان من أهم نتائجه أن انسحبت “حركة النهضة” من الهيمنة الكاملة على الحكم. 

مقدّمة الكتاب:

هل ستكون حركة النهضة قادرة على عدم استنساخ التجارب الفاشلة التي حكمت باسم الإسلام، في كل من أفغانستان وإيران والسودان ومصر؟ هو السؤال، الذي شغل كل المهتمين بالحراك السياسي في تونس، منذ صعود حركة النهضة الإسلامية إلى الحكم، اثر فوزها في أول انتخابات جرت بعد ثورة 14 جانفي 2011.

طرح مثل هذا السؤال، لم يكن اعتباطيا أو المراد منه التشكيك في قدرة إسلاميي تونس، على الحكم بسبب افتقارهم لبرنامج وللخبرة وللكفاءات القادرة على إدارة وتسيير بلد يعيش”حالة ثورية“. وإنما غذته الصور القادمة من بلاد الأفغان، حيث مشاهد تلامذة وشيوخ طالبان يدمرون تماثيل بوذا، ويقتلون كل مظاهر الجمال والحضارة والحياة ويحولونها إلى أثر بعد عين.. وهم يتوهمون أنهم بهذا يؤسسون لإمارة إسلامية، ستطبق شرع الله، لكنه غفل عنهم أنهم يعيدون الأمة الأفغانية إلى سنوات ما قبل الإنسانية، إلى عصور من الظلمات واحتقار للإنسان واغتيال للمدنية. ذات المشهد حصل في السودان، وإن بصور وأشكال مختلفة. فمن انجازات”الإخوان“ بعد أكثر من عشريتين في الحكم، تقسيم السودان إلى شمال مسلم وجنوب مسيحي، وتشريد شعب وتجويعه برغم أنه يملك أغني وأخصب الأراضي، كيف لا وهو الذي يشقه نهر النيل”واهب الحياة“كما قال المؤرخ الاغريقي هيرودورت.. لكن، الإجابة لا يعرفها إلا الشيخ حسن الترابي ومريديه وتلامذته وزملائه –ومن بينهم الشيخ راشد الغنوشي-.

من حق التونسيين أن يتخوفوا، ومن حقهم أن يثيروا أكثر من سؤال، حول قدرة”إخوان تونس“- وهم يتولون عرش قرطاج- على نحت تجربة ناجحة، تقطع مع التجارب الفاشلة، وتؤسس لأنموذج يصالح بين الإسلام والديمقراطية. ولا يقسم أبناء المجتمع الواحد، إلى”إسلاميين“و”علمانيين“ أو”مؤمنين“ و”كفار“، بل يتم التعاطي معهم –كلهم- كمواطنين. خصوصا وأن تاريخ البلاد البعيد والقريب، عرف بانسجامه الثقافي والاثني وأيضا الطبيعي أو الجغرافي، وبتجذر الفكر الإصلاحي الذي يعود إلى أكثر من مائتي سنة. ما يعني أن البيئة الثقافية والسوسيولوجية، مهيئة لقيام”حزب إسلامي ديمقراطي“، يعيد إنتاج تجربة”الأحزاب المسيحية الديمقراطية“ في أوربا، ولا يعيد إنتاج تجارب أفغانستان والسودان والصومال…

كان على الإسلاميين أن يقرؤوا جيدا تاريخ تونس – فهو ضروري ومهم – الذي عرف، بالتفاعل و التواصل بين برامج الإصلاح الديني (الثقافي) والمؤسساتي (السياسي)، حيث لم يتم الفصل بينهما. بل أن هناك ترابطا عضويا ومتينا بينهما. بين خير الدين باشا صاحب”أقوم المسالك“، والإمام الأعظم الطاهر بن عاشور صاحب تفسير”التحرير والتنوير“. ما أوجد تعايشا بين”الأمير“و”الإمام“، قوامه عدم التداخل في الوظائف والمهام. ما جعل من تونس تعد”أنموذج“–سابق لأوانه- في الفصل بين”علمانية الدولة“ (الذي لا يعنى إلغاء الدين وتهميشه، فقد كان خير الدين باشا حريصا على الملائمة بين تعاليم الإسلام والاقتباس من الغرب) و”هوية المجتمع“. 

مثل هذه العلاقة، استمرت بعد قيام”الدولة الوطنية“ أو”دولة الاستقلال“، وحتى الذين اختاروا الترويج لوجود علاقة تقول بوجود ”توتر“ بين الدولة و دين المجتمع، فقد تبين لهم قبل غيرهم أنها مجرد افتراءات، ورجما بالغيب، مثلما يقال. من ذلك أن مكانة الدين ظلت محفوظة من قبل الدولة ومؤسساتها، من خلال فهم مقاصدي للشريعة الإسلامية، وهو علم من رواده الأولين شيوخ الزيتونة، خاصة الشيخ الطاهر بن عاشور صاحب كتاب”مقاصد الشريعة“، الذي يعد الأبرز في المدونة الفقهية الإسلامية. كما أن كل المجلات القانونية التي يتم من خلالها الفصل والحكم بين الناس، كانت الشريعة الإسلامية مصدرا أساسيا لها. وهذا ما شهد عليه الشيخ راشد الغنوشي، عندما أكد بأن”مجلة الأحوال الشخصية“تندرج ضمن الاجتهاد الإسلامي.

وقد أعتبر كلام الغنوشي، حينها بمثابة مؤشر على قبول”الاتجاه الإسلامي“ سابقا و”حركة النهضة“حاليا”بالنمط المجتمعي التونسي“، الذي يعد شرطا ضروريا للقبول بها في الحياة السياسية. وهذا الشرط يصبح ضروريا خاصة بعد الثورة، التي نأمل –وان تعثر ذلك إلى اليوم- أن تؤسس لعقد اجتماعي وسياسي جديد، قوامه الأساسية المحافظة على المكاسب التي تحققت، مثل مدنية الدولة وحرية المرأة وتحرر العلاقات الاجتماعية والسياسية… وفي هذا السياق على الإسلاميين–وتحديدا قيادات النهضة- أن يعلنوا قبلوهم بهذا العقد، من أجل بعث رسائل طمأنة للمتخوفين من مشروعهم. خصوصا وقد سبق لهم وأن شاركوا في النقاشات التي تمت في إطار”حركة 18 أكتوبر“، التي سبقت الثورة، حول المسائل التي دار حولها الحوار الذي حقق تقاربا مهما، وكلها مهمة وخلافية، مثل: 1) المساواة بين الجنسين، وهي مسألة حسّاسة في تونس وأذكت صراعًا طويلاً بين العلمانيين والإسلاميين خلال السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي. 2) حريّة المعتقد في بلد إسلاميّ حديث. 3) علاقة الدين بالدولة في النظام الديمقراطيّ المرتقب. 4) الحرمة الجسديّة وتطبيق الحدود .


وقد مثلت هذه الحوارات – التي نأمل الالتزام بتفعيلها من قبل الإسلاميين وخصومهم – مدخلا مهما، يمكن البناء عليها اليوم، من أجل تجسير الفجوة بين الإسلاميين والعلمانيين، وهي في اتصال بمواقف سابقة متطورة من قبل الفريقين، من ذلك أن الحركة الإسلاميّة قد أعلنت بصفة مبكرة عن انخراطها في الإطار القانونيّ المؤسّساتيّ، وانفتاحها على الفكر الديمقراطيّ، في وقتٍ كانت تُعّدّ فيه الديمقراطيّةُ ضربًا من ضروب الحكم الطاغوتيّ لدي القطاع الغالب من التيار الإسلامي بما في ذلك الاخواني في مصر. كما مثّل الحوار في إطار هيئة 18 أكتوبر فرصةً للقوى العلمانيّة من أجل توضيح موقفها من قضايا هويّة البلاد وموقع الدين فيها.

فهل ستكون حركة النهضة، وبعد أن انتقلت من موقع المعارضة إلى موقع السلطة، قادرة على تأكيد”مبدئية“ قبولها بالخيار الديمقراطي، خاصة القبول بالتداول على الحكم، الذي هو أساس وجوهر الممارسة الديمقراطية؟ وهل ستحافظ على”النمط المجتمعي“الذي يتمسك به عموم التونسيين، ولا يقبلون المساس به؟ أم أنها ستحاول إجراء”تعديلات“أو”اختراقات“لخدمة مشروع”الأسلمة“؟ وهل ستبقي النخب الحداثية والطبقة الوسطى متيقظة ومدافعة عن المكاسب المجتمعية التي تحققت لفائدتها، وحمايتها من”التهديد الأصولي“؟ وما مستقبل التعايش بين”الإسلاميين“و”العلمانيين” في تونس؟

 

أسئلة، سنحاول تقديم أجوبة لها من خلال تشريح تجربة حركة النهضة في الحكم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق