تونس ودستورها وضرورة تجريم التكفير السياسي / محمد الحدّاد

تفرّد الدستور التونسي الذي صادق عليه المجلس التأسيسي في 26/1/2014 بخصائص مهمّة، من أبرزها الفصل السادس الذي أثار المقدار الأكبر من الجدل، بسبب تضمينه «حرية الضمير» و «منع دعوات التكفير»، في توازن مع رعاية الدولة للدين وحماية المقدّسات، بما يجعل هذا الفصل سابقة في الدساتير العربية، بحكم أنّ تونس دولة تنتمي الغالبية المطلقة من مواطنيها إلى الدين ذاته والمذهب ذاته.

ولم يكن أكثر المتفائلين في تونس يتوقّع هذه النتيجة قبل أشهر، ولا يمكن فهم هذه «المعجزة» الدستورية إلا في سياق المشهد التونسي منذ الثورة، بعدما طفت ظاهرة التكفير على سطح العمل السياسي وكادت ان تدفع البلد إلى ما لا تحمد عقباه. فالثورة التونسية جاءت مطالبة بالحرية والكرامة في مجتمع يتميز بالتجانس الديني والمذهبي، ولم يكن للتكفير فيها محلّ، ولم يُخلع الرئيس السابق لأسباب دينية وإنما لتضييقه على الحريات وسوء توزيعه الثروة الوطنية، وكان قطعاً أكثر تديناً من جزء من معارضيه الذين قادوا الثورة.

بيد أنّ الحركات الدينية بدأت بعد الثورة تعوّض عن غياب البرامج والرؤى لديها بتوظيف الدين لاستقطاب الأتباع، فنفقت سوق «الفتاوى» التكفيرية، وفتحت في كلّ مكان مدارس تعليم ما عرف بـ «الزمقتال» (فنّ حربي «إسلامي» ابتدعه أحد أتباع حزب «النهضة») وتسرّبت أموال ضخمة من مصادر مختلفة لنشر مذاهب غريبة عن التاريخ الديني للبلد، وتوالت الأحداث الخطيرة إلى أن كان اغتيال المعارض البارز شـكري بلـعيد قبل سنة بالضبط من صدور الدستور، فكأنّ هذا الدستور احتفظ بالدرس، لأنّ مصير البلد كان يمكن أن ينزلق إلى العنف والحرب الأهلية. فقد اغتيل بلعيد بسبب «فتوى» تكفيرية ومن جانب أحد خريجي مدارس «الزمقتال»، كما ورد في التقرير الرسمي لوزارة الداخلية.

وتواصلت «فتاوى» التكفير بعد ذلك لتشمل معارضين ومثقفين، ثم أفراد الجيش والشرطة الذين اعتبروا طاغوتاً وسقط أكثر من عشرين منهم شهداء في عمليات إرهابية. وأخيراً جاء اغتيال الحاج محمد البراهمي ليفجّر العملية السياسية برمتها، وكان قيادياً يسارياً وشخصاً متديناً ذا ثقافة دينية، فكان يزعج بذلك الإسلاميين الذين يريدون احتكار الدين لأنفسهم، ويربك مخططاتهم. ثم لا ننسى الهجوم على السفارة الأميركية في تونس ومقتل السفير الأميركي لدى ليبيا، إذ تعتبر المصادر الأميركية أن العمليتين كانتا مترابطتين ومن تخطيط تنظيم واحد.

إنّ الضغوط الداخلية، وأيضاً الخارجية (أميركا التي لا تغفر أبداً استهداف موظفيها وسفاراتها) هي التي دفعت حركة «النهضة» إلى قطع كلّ خطوط التواصل مع التكفيريّين والنأي بنفسها عنهم، كي لا يكون مصيرها مثل مصير «الإخوان» في مصر. ومع ذلك، شهد المجلس الوطني التأسيسي قبل أيام قليلة من المصادقة على الدستور حادثة تكفير من أحد النوّاب القياديين في «النهضة»، فكانت الحادثة سبباً مباشراً لإضافة العبارة المانعة من التكفير في الفصل السادس من الدستور، وقبل نوّاب «النهضة» على مضض هذه الإضافة كي لا يتحمّلوا تبعات ما قام به زميلهم.

إنّ كل المجتمعات العربية مدعوّة للتصدّي بحزم لظاهرة التكفير السياسي التي انتشرت منذ السبعينات ووجدت في مناخ الثورات العربية حافزاً قوياً لمزيد من الاستفحال. استهدفت هذه الظاهرة في السابق، مثقفين مثل حسين مروّة ومهدي عامل ومحمد حسين الذهبي ومحمود محمد طه وفرج فوده ونجيب محفوظ، واستهدفت الرئيس المصري أنور السادات الذي فتح السجون ومكّن قاتليه من الحرية، وما فتئت هذه الظاهرة تتفاقم إلى أن أصبحت صناعة قائمة الأركان ووجدت سوقاً نافقة مع الثورات العربية. فقد سعى بعضهم إلى تحويل ثورات سياسية واجتماعية إلى ثورات دينية وطائفية، وترتب على ذلك تمزيق المجتمعات والابتعاد عن أهداف الإصلاح والدخول في صراعات مدمّرة في حقّ الجميع.

وقد يعترض بعضهم بأنّ «الكفر» أمر واقع مثل الإيمان، وهذا صحيح ولكن علينا ألا نخلط الأمور. فلئن كان كلّ إنسان «كافراً» من وجهة نظر من يخالفه الدين والعقيدة، فلا يعني ذلك تشريع اعتداء البشر على بعضهم بعضاً بالقتل وتوظيف الأحكام الدينية للتخلص من الخصوم السياسيين أو المخالفين في الرأي والتفكير. ومن أراد ممارسة المعارضة السياسية أو الوصول إلى الحكم فما عليه إلّا استعمال الوسائل الاحتجاجية العادية، وليست الفتاوى بينها. ولا يخفى أنّ آفة التكفير ليست تصنيف البشر فحسب، بل الإهدار الضمني لدمائهم، فالمفتي يكون حيـنئذ شريكاً في جريمة القتل إذا حصلت. فهل يصحّ في أي مجتمع أن يترك أشخاص يحرّضون على القتل والاعتداء من دون عقاب؟ أوليس من واجب كل التشريعات أن تنزل بكلّ جريمة، ما تستحقّه من عقاب؟

ساعدت الظروف كي يتضمّن الدستور التونسي أوّل إدانة دستورية للتكفير في المنطقة العربية، على أمل أن تترتّب على ذلك أحكام قانونية واضحة، لا سيما أنّ ظاهرة التكفير مستحدثة في تونس، برزت مع ظهور الإسلام السياسي ولم تكن متداولة في المؤسسات الدينية التقليدية التي لم يسبق أن كفّرت في الماضي مخالفيها. بل إننا نتذكّر أنّ بداية القرن العشرين شهدت كثيراً من الجدل في قضايا حساسة في كلّ المجتمعات العربية، لكنّ المؤسسات التقليدية لم تصل إلى حدّ التكفير وإهدار الدم، والشاهد على ذلك ما حصل مع الطاهر الحدّاد وعلي عبدالرازق وطه حسين ومحمد أحمد خلف الله وغيرهم، فقد واجهوا معارضات عنيفة ولكن لم يستهدفوا قطّ في حياتهم. فالواقع أن التكفير قضية سياسية لا دينية وأنّ من حقّ مؤسسات الدولة ومن واجبها أن تتدخّل لحسم هذا الموضوع حسماً قانونياً، ولا تكتفي بإعلان النيات الطيبة والتوجيهات الأخلاقية.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق