السلوك المهذب في عصر التنوير الأوروبي

يتفق الجميع على أن عصر التنوير الفرنسي كان بمثابة منعطف حاسم في المسار التاريخي لفرنسا، إذ إن أفكاره كانت هي التي أسست لقيام الثورة الفرنسية البورجوازية الكبرى في عام 1789. وكانت وراء ثورة فكرية على الصعيد الأوروبي، وأبعد من ذلك على صعيد العالم . وإذا كان عصر التنوير قد أسس للأفكار الثورية، فإنه أقام أيضاً علاقات نوعية جديدة، ولأنماط جديدة أيضاً من السلوك. هذه الأنماط وما ورثته من النظام القديم وما أنتجته من قيم، هي موضوع كتاب أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة السوربون، فيليب رينو، الذي كرّسه لدراسة “السلوك المهذّب في عصر التنوير”، والذي يتعرّض فيه لـ“القوانين والعادات وأنماط السلوك” في القرن الثامن عشر .

يسأل المؤلف في البداية : هل يمكن التوفيق بين اللياقة في السلوك التي اشتهر بها النظام القديم، وبين مفهوم المساواة الذي أكّدت عليه الثورة الفرنسية؟ ومن أجل الإجابة عن هذا السؤال يبحث أستاذ الفلسفة، عن الكيفية التي نظر فيها فلاسفة عصر التنوير، من فولتير، أحد أشهر شخصيات عصر التنوير ومؤلف “الرسائل الفلسفية” و“القاموس الفلسفي”، وإلى جان جاك روسو ، صاحب “العقد الاجتماعي”.. وغيرهما. كما يبحث في إرث اولئك الفلاسفة الكبار في أطروحات مفكري اليوم.

الترجمة التي يقدمها مؤلف الكتاب لـ “السلوك المهذّب”، كما كان ممارساً في عصر التنوير في قاموس اليوم، هو أنه يعني ما يمكن تسميته اليوم بـ “العيش المشترك”. هذا مع تأكيده على ضرورة عدم الخلط بين “العيش المشترك” وبين “السلوك المهذّب” في القرن الثامن عشر. هذا السلوك كان يدل على نوع من السلوك ساد لدى أوساط الطبقة الارستقراطية بحيث جرى تأكيد الحرص على إثارة أقل ما يمكن من الإزعاج للآخرين.

فلاسفة عصر التنوير، كما يشير المؤلف، طرحوا الكثير من الأسئلة حول “القيمة الأخلاقية” للسلوك المهذّب في عصرهم، من زاوية العلاقة ين هذا السلوك وبين قيم المساواة وحريّة التعبير عن الرأي. وحاولوا شرح المعاني العميقة لتعابير مثل : “أرجوك أن تتفضّل بالدخول أوّلاً”.

يشرح المؤلف أن هناك فرقاً كبيراً بين استخدام آداب السلوك المهذب، المتعارف عليه في حقبة زمنية ما للتأكيد على مبدأ يتأسس عليه ذلك “السلوك المهذّب”، وبين أن يكون مجرّد عملية “شكلية” ولا يعني سوى فن الخرق الفعلي للمبادئ والفضائل التي يتم تقليدها، كما نقرأ.

ويشدد في هذا السياق على أن مظاهر “السلوك المهذّب” لا تتعدىّ في كثير من الحالات “، وضع قناع من الرياء والخداع”.. بهذا المعنى ينقل المؤلف عن جان جاك روسو قولاً شهيراً مفاده أن “الإفراط في إظهار السلوك المهذّب، يصل إلى درجة لا يمكنه معها أن يكون تعبيراً عن فضيلة”. بهذا المعنى أيضاً يرى المؤلف، أن الحضارة الحديثة، بما أنتجته من معايير وأنماط في السلوك، ساهمت في تراجع المفاهيم الأخلاقية التقليدية التي كانت سائدة في المجتمعات السابقة لها.

وفي العموم، إنه كتاب يناقش فيه مؤلفه، أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية، أنماط السلوك “المهذّب” في عصر التنوير؛ وفي منظور إلقاء الضوء على “أخلاقيات الزمن الراهن”.

المؤلف في سطور

فيليب رينو. فيلسوف فرنسي . وهو أستاذ مادة الفلسفة السياسية في جامعة السوربون الثانية، وفي معهد الدراسات السياسية باريس. يحمل شهادة التأهيل العليا ـ أغريغاسيون ـ بالفلسفة، وشهادة الدكتوراه في العلوم السياسية. كان أحد المشرفين على إنجاز “القاموس الفلسفي السياسي”. وأحد مؤلفي كتاب “هل هناك حالة استياء في ممارسة السلوك الحضاري؟”. من مؤلفاته: اليسار المتطرف بصيغة الجمع.

الكتاب: السلوك المهذّب في عصر التنوير.. القوانين والعادات وأنماط السلوك

تأليف: فيليب رينو

الناشر: غاليمار- باريس- 2013

الصفحات: 294 صفحة

عن جريدة الاتحاد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق