تدريس الفلسفة بالسجن

تعرف هذه الورقة بتجربة التدريس بمؤسسة سجنية بالمغرب ( سجن عكاشة بالدار البيضاء ). تجربة دامت خمس سنوات، توزعت بين مؤسستين إصلاحيتين: دار الإصلاح، و مركز الإصلاح و التهذيب للأحداث الجانحين.
 
السجن مكان مغلق يتعذر اختراقه:
تقع المؤسسة التعليمية ( دار الإصلاح ) في قلب السجن. عشرة أبواب حديدية بمفاتيحها و حراسها تفصلك عن المؤسسة. تعادل هذه المسافة تقريبا نصف فضاء السجن، فضاء “يبعث على التقزز و يوحي بالظلمة، حتى إنه كثيرا ما تأتي صفة الغياهب ملازمة للسجون” (1).
يدير هذه المؤسسة مدير اجتماعي رفقة منسق تربوي، و موظفين مساعدين من المندوبية. يَدرس بها النزلاء، بدء من محو الأمية إلى متم التعليم الثانوي. يقوم الدور الإصلاحي و التربوي للمؤسسة في “مساعدة السجين و فتح فرص الأمل أمامه لإعادة إدماجه من جديد في المجتمع، حتى لا يعود إلى الانحراف و الإجرام.” (2)

يلتحق النزلاء بالتعليم رغبة في التحصيل الدراسي للرفع من مستواهم التعليمي، أملا في اندماج مجتمعي بعد الإفراج أو في عفو أو تخفيف من العقوبة أو الهروب لبعض الوقت من رتابة الزنازين أو بدافع الإفلات من الترحيل. يشكل الاكتظاظ داخلا الأجنحة عائقا أمام التحقق الفعلي للدور الإصلاحي و التربوي للمؤسسة.(3)
أول ما أثار انتباهي عند بداية ولوجي هذا الفضاء خصوصيته، التي تجعل منه حسب ميشيل فوكو“فضاء غريبا و غامضاً و منغلقا على نفسه، يذكر الناظر إليه بقسوة العيش داخله و صعوبة اختراق عالمه.”(4)

أي درس؟ أية بيداغوجيا؟
 لا يمكنني والحالة هذه أن أمارس عملي التدريسي بنفس الكيفية التي مارسته بها في فضاء مؤسسة تعليمية عمومية. كل هذا رهين بقدرتي على الخلق و الإبداع و التجديد في ممارستي التعليمية داخل فضاء محكوم بآليات المراقبة و العقاب: “السجن: ثكنة صارمة، مدرسة لا تعرف التساهل، معمل كئيب.(5)”
لن يكون الدرس الفلسفي في هذه الحالة و هذا الوضع شحنا لذهن المتلقي و تلقينا لمفاهيم مجردة، ولا تقديم معلومات جاهزة، أو سرد معطيات مكتملة، بل يتمثل في الكيفية التي تمت بها معالجة القضايا الفلسفية الكبرى التي واجهت الإنسان في علاقته بالعالم وبالآخرين و بذاته. الأمر الذي استدعى القطع مع هيمنة وسيادة تصور بيداغوجي يكرس سلطة المعرفة وسلطة المدرس.
يستخلص جون هوساي J. Houssaye في مؤلفه “المثلث البيداغوجي” ثلاثة نماذج من العمليات بوصفها المجال الذي تتحدد فيه الممارسة البيداغوجية، و هي كالتالي:
ـ عملية التدريس: يتمركز عمل المدرس حول المضامين المعرفية، حول المقرر و حول الدروس.
ـ عملية التكوين: يحتل الحوار بين الأستاذ و التلاميذ مركز الصدارة في هذه العملية.
ـ عملية التعلم: لم يعد الأستاذ هنا هو الواسطة المفضلة لهذا الغرض، بل أصبح منظما لوضعيات تعلمية.(6) 
تحضر هذه العمليات الثلاث بشكل أو بآخر، مع هيمنة نسبية لعملية التدريس، إذ ما كان لي أن أختفي كليا، نظراً لطبيعة المخاطَب و خصوصية الخطاب الفلسفي.
أمثلة عن هذا المسعى التعليمي:

 في مواجهة القدر:
ـ هل تتحمل مسؤولية الفعل الذي ارتكبته، و الذي لأجله أنت هنا؟
شكّل هذا السؤال منطلق محاولة لمعالجة مفهوم الحرية في علاقته بالمسؤولية الفردية. كان الجواب واحداً:
ـ الأمر قضاء و قدر.
ـ نعم. لكن، من قام بهذا الفعل إن لم تكن أنت؟ من الذي حوكم إلا أنت؟ من الذي أُدين باسم القانون، إلا أنت؟ من سُلبت منه حريته، إن لم تكن أنت؟ من المسؤول إذن؟
كان الصمت الذي عم الفصل شرط الانتباه ، صمت يسبق الكلام، و يؤذن به، ما دام هو مقام المعنى، و المعنى هنا حرية الفرد في القيام بأفعاله و مسؤوليته تجاه هذه الأفعال.

خاتم جيجس:
 الهدف من هذه الوضعيةـ المشكلة هو وضع المتعلم أمام إشكال محير يسعفه في الاستفادة من مكتسباته بنقلها بين سياقات تعلمية مختلفة، تحثه على الانخراط في بناء تعلمه.
يُروى أن جيجس كان راعياً…عثر، ذات يوم، بالصدفة على خاتم “تصادف و هو جالس بين الرعاة أن أدار الخاتم إلى داخل يده، و في تلك اللحظة اختفى عن أنظار بقية الجماعة، و أخذوا يتكلمون عنه كأنه بينهم، فتملكه العجب، و أدار رأس الخاتم إلى الخارج، فعاد إلى الظهور من جديد، فأعاد التجربة، و انتهى في كل مرة إلى النتيجة ذاتها. بهذا توصل إلى أن يكون أحد المبعوثين إلى البلاط. ما أن وطئت قدماه القصر حتى أغرى الملكة، استعان بها على التآمر على الملك و قتله، و سيطر لوحده على المملكة.” (7)
ـ ماذا أنت فاعل بخاتم كهذا؟
ـ أول ما أقوم به هو الخروج من السجن.
ـ أغادر السجن، أعانق عائليتي، ألتقي بأصدقائي، أشبع رغباتي الجنسية ثم أعود إلى السجن.
ـ أظن أنكم، من فرط انبهاركم بالقدرات الخارقة لهذا الخاتم، قد نسيتم أنكم بفعلكم هذا ستخرقون القانون، و إذا ما ضبطتم ـ و هي مسالة لا مناص منها ـ ستحاكمون من جديد، بتهمة الهروب من السجن. القانون هو الذي يضمن الحرية و يقيدها. الحرية غير المقيدة بالقوانين هي محض فوضى. “علينا ـ كما قال شيشرون ـ أن نكون عبيداً للقوانين لكي نكون أحراراً”.
ـ لقد أغرانا هذا الخاتم يا أستاذ. و ماذا أنت فاعل لو كنت مكاننا؟
ـ يكمن جوهر الاختلاف بيننا حيث تختلف المرجعيات.

الانتظارية والحظ:

 لاحظت عند مستهل حصة، شاءت الصدف أن تكون بعد عيد ديني و آخر وطني، أن شيئا ما غير طبيعي.
 ـ ما الذي وقع؟
 ـ لقد تعبنا من الانتظار يا أستاذ.
 لن ينفع في وضعية كهذه، لا خطاب المواساة الذي أضحى، من كثرة سماعهم إياه، عديم الجدوى و لا خطاب العاطفة الذي لا يفيد في شيء. كان علي بحكم حرصي الشديد على وضعهم في مواجهة ذواتهم و حقيقة واقعهم، تجنب كل خطاب قد يقود لإنتطارية تواكلية، على أساس أن ما عليهم التفكير فيه، هو واقع أمرهم، و ما عليهم قبوله أولا و قبل كل شيء، هو الحكم الصادر في حقهم. أما انتظار عفوٍ يأتي و لا يأتي، أو تخفيف عقوبة قد تتحقق أو لا تتحقق فهذا مرده للحظ، و لا يخضع للقوانين التي تحكم الضرورة.

 تلوتُ عليهم، بعد أن عرّفتهم بمضمون كتاب “عزاء الفلسفة” لبوئثيوس “، هذه الفقرة:” ما الذي رمى بك أيّها الإنسان الفاني، في مستنقع الحزن و القنوط؟ لعلك قد أُخدت على غرّة. لكنك تُخطئ إن ظننتَ أن الحظ قد أدار ظهره . فالتغير هو طبيعة الحظ و دأبُه. و هو في تقلّبه نفسه إزاءَك إنما كان حافظاً لعهده و تابثاً على مبدئه. “(8)
 بهذا الكلام خاطبت الفلسفة بوئثيوس Anicius Boethius ( 480 – 524 )السجين البائس، عندما حلّت عليه في هيئة سيدة، في زنزانته ينتظر تنفيذ حكم الإعدام الذي صدر في حقه. و هو الذي حظي قبلُ، بما لا يحظى به أحد، و تقلّد أعلى المناصب في الإمبراطورية الرومانية، مذكرة إياه بأن” الحظ إذا تبُث على حال لا يعود حظاً. و أنك إن رهنت خلاصك بالحظ، فلن تزيد وضعك إلا تفاقماً.“( نفس المرجع. ص 31 ) 
 هكذا كنت أخاطبهم، بحكم أن مهمتي لا تتمثل في إرضاء كل الانتظارات، كنت أواجههم بحقيقتهم التي يتهربون منها و لا يقبلونها لدواعي عدة. لم تكن مهمة سهلة، و لا كانت تحظى برضا الجميع، إذ غالبا ما تصطدم بجدار يهيمن عليه خطاب ديني وثوقي، خطاب متداول و مهيمن على العقول. لكني كنت حريصا طيلة الخمس سنوات التي قضيتها معهم، على الدفاع عن خصوصيات الخطاب الفلسفي و مقتضياته. كان الاعتراف من جانبهم قويا، و كانت لحظة توديعهم من أجمل اللحظات التي عشتها في مساري التعليمي.

 نسيت الزمان و عدّ الأيام و الشهور:
 لاحظت أن إقبال المتمدرسين على مادة الفلسفة و حرصهم ـ رغم ظروفهم القاسية ـ على الحضور في تزايد مستمر. كنت ألجأ، لتجاوز الطابع الإلقائي المتمركز حول المعرفة، لتحويل فضاء القسم لجلسات للاستماع.
الزمن هو موضوع جلسة من هذه الجلسات. المتدخل نزيل حُكم عليه بالمؤبد ( قبل أن يتحول للمحدد ). تركت له كامل الحرية للحديث، عن تصوره للزمان، و تمثله له.
 ـ لم يكن أمامي من مخرج إلا” نسيان الزمان “. لقد نسيت الزمان و توقفت عن عدّ الأيام و الشهور و الأعوام، أنظر لمجيء البعض و خروج البعض الآخر، أما أنا فثابت في محلي لا أتبدّل. لكن الزمان لم ينساني، إذ ترك آثاره على هذا الجسد الذي تثاقلت حركاته و وهنت عضلاته. لكني بالمقابل كنت حريصاً على ألا أفقد توازني النفسي و قدراتي العقلية، إذ تحليت بالصبر و تسلحت بالإيمان.
 ” إن السجن بحرمانه السجين من الزمان، يترجم فعليا أن المخالفة أضرت لا بالضحية وحده فقط، بل بالمجتمع أكمله.“( فوكو ص 269 )

 المتدخل في جلسة أخرى، سبق الحُكم عليه بالإعدام ( تحول إلى المؤبد ثم إلى المحدد ). تحدث عن حالة الإنتظارهذه. انتظار نهاية الحياة، نهاية تكون فجراً ( الإعدامات تنفذ فجراً ). فأنا أعرف بالضرورة أني سأموت، لكني أجهل كليا متى سيكون ذلك. كل فجر يمر هو يوم إضافي في الحياة و في الانتظار و الترقب، يرافقك الموت في كل لحظة من لحظات حياتك…
 أبانت هذه التجربة، أن وجود هؤلاء النزلاء مليء و مسكون بضروب عدة من أشكال الحنين: الحسرة على زمن لن يعود و لا يُعاد، الندم على ما كان بالإمكان تفاديه، توبة تُصلح في الحاضر ما وقع في الماضي، قلق مسكون بعبثية الحاضر ( الحبس ) و مرتبط في الآن نفسه بتمثل النزيل لمستقبل غير مضمون، و اندماج اجتماعي قد يتحقق و قد لا يتحقق.
 يعاني النزلاء من خصاص في كل شيء؛ حرمان جنسي، نقص في التغذية و العناية الطبية و غياب للمعاملة الإنسانية … إلا الزمان، لهم منه فائض، لهم منه ما يكفي و أكثر، يسقطهم في الرتابة، و يدخلهم في دوامة التكرار. كان جوابهم عندما سألتهم: كيف ترتبون وقتكم؟
ـ فقدت كل شيء و أصبحت كالماشية في وسط السجن لا وقت لي.. أرتب وقتي حسب ترتيبهم …
 عندما تتشابه الأيام و الليالي، عندما تفقد الأشياء قيمتها، عندما تداس كرامة المرء و يغدو شيئا كالأشياء عندها يتضاعف الألم و يكبر الجرح و تزداد المعاناة، يصبح في نظري كل حديث عن أنسنة السجن قولاً مغلوطا. السجن في جوهره لا إنساني.
 
 مركز الإصلاح و التهذيب:
 تُعد مراكز الإصلاح و التهذيب، كما جاء في نص القانون المنظم للمؤسسات السجنية” وحدات متخصصة في التكفل بالأحداث و الأشخاص المدانين الذين لا تتعدى أعمارهم عشرين سنة، قصد إعادة إدماجهم في الوسط الاجتماعي.“يلتحق الأحداث بالمركز التاسعة صباحا و يغادرونه على الساعة الواحدة و النصف. تُوزع عليهم الكتب المدرسية و الدفاتر و الأقلام عند مستهل كل حصة، و لأنها تتعرض للإتلاف و الضياع، يرجعونها قبل مغادرة المركز.

 السلوك المدني غائب بالمرة:
 يفتقر سلوك هؤلاء القاصرين لأدنى حس مدني و لا يحتكم إلا للفوضى: الانتقال بين الصفوف فوق الطاولات، البصق على الأرض، الاستحواذ على ملك الغير، إتلاف اللوازم المدرسية، سلوكات عادية وممارسات متداولة.
 تطلب مني تقويم هذا الوضع مجهودا مضاعفا و زمنا إضافيا، إذ وقفت في وجه كل ضروب الاختراق التي يسعى من خلالها فرض هيمنته و تسطير قواعده ( إن كانت له قواعد ) مذكِرا إياهم كلما دعت الضرورة لذلك، بالضوابط التي ينبغي الاحتكام إليها داخل الفصل.
 ترتبط النتائج بمدى استعداد النزيل لتمثل هذه القواعد و الامتثال لها، و تصطدم بالمقاومة التي يبديها تجاه النظام و مقتضياته. يتعقد الأمر أكثر و يستعصي في وسط لا يعرف الاستقرار، يتغير العدد باستمرار و يتجدد، حيث أضطر لتكرار نفس العملية في كل مرة و حين. 

 العنف اللامشروع:
 العنف هو السلوك المهيمن في هذا الفضاء، يمتثل أمامك و يتبدّى في الندوب التي تركتها الجروح على السواعد و الأيدي، في أشكال التخاطب، في ما يعانيه الضعاف من عزل و إقصاء، في ضروب الإتلاف التي تتعرض لها اللوازم المدرسية. العنف سلوك متداول في كل مظاهر الحياة بهذه المؤسسة. لغة العنف هي لغة التواصل و شرط الهيمنة” يتصرف خلاله الفرد كما لو أنه وحده موجود، و كما لو أن العالم من حوله لا يوجد إلا من أجل تلقي هذا الفعل.“( لوفيتاس) العنف في الحالات التي عشتها، عنف مُعدٍ ـ على حد تعبير روني جيرار R. Girard ـ لا يقف عند حدّ،” ما أن يندلع حتى يمتلك المقدرة على الانتشار، و تدمير كل المؤسسات الاجتماعية و النظام الاجتماعي ذاته. “(9) إن لم تقف في وجهه انتشر كالوباء.
 ما السبيل لإبطال مفعول العنف و تحويله؟
قمت أولا بتوزيع التلاميذ في مجموعات، بوصفها كيانا يتيح لكل واحد الاندماج في الكل و التطور داخل الجماعة. تتداول كل مجموعة حول وضعية معينة أو حالة مفترضة. من قبيل: ماذا تفعل في الوضعيات التالية؟
ـ وجدت، عند التحاقك بالمنزل والدك في شِجار مع أحد الجيران؟
ـ تحرش أحد أصدقائك بأختك؟
ـ تعرضت لإهانة من طرف أصدقائك، لهزيمة فريقك المفضل.
ـ رفض نزيل مدك بما طلبت منه.
 توخّيت من وضعيات كهذه، الوقوف على الكيفية التي يعبر بها كل متدخل عن موقفه، و ردود أفعاله المحتملة. كيف يتم التحاور بين الفرقاء و تُحل الخلافات. لكن ما كان للغة الحوار أن تحلّ محل لغة العنف، أو أن تخفف من أشكال الهيمنة التي يفرضها الأقوياء على الضعفاء، إذ غالبا ما يضطر بعضهم للانسحاب من المجموعة و تغييرها.

 أبانت هذه التجربة رغم محدوديتها أن العلاقات بين النزلاء في وسط يحرمهم من الحميمية، يراقبهم و يحبسهم، وسط يتعذر الانفلات من قبضته، هي علاقات مواجهة من دون وساطة، قائمة على موازين قوى” يعرض فيها كل واحد أمام الجميع، للدفاع عن نفسه، ما هو قادر على القيام به. يخلق بينه و بين الآخر مسافة، مسافة تباعد بينهما. لكي يضمن مكانه بين الأقوياء و يتفادى وضعاً قد يصنف على إثره في خانة المغلوب على أمرهم، عليه أن يُخيف لكي يُهاب.“(10)

 ليس العنف السائد في السجن هو عنف النزلاء فقط، لكنه عنف المؤسسة كذلك.” يفرض السجن نمطاً من العيش يتسم بانعدام الحميمية و التبعية القصوى للمؤسسة و رجالاتها في كل دقائق الحياة اليومية.“( في جحيم السجون ص 41 ). هكذا يترك الحبس آثاره بادية على الجسد، على الصورة التي يكونها النزيل عن ذاته، و عن علاقته بالآخرين، حيث يخترق الحذر و انعدام الثقة و الهيمنة كل أنماط العلاقات الجماعية و ينفذ إليها.

 عندما تقترن الرغبة بالعنف
 في ماذا ترغب؟

 عبرت إجاباتهم عن رغبات تحولت لحاجات، أصبح الجانح عبداً لها و غدا” نتاج الرغبة و ليس نتاج الحاجة “. إنه لا يرضى إلا بالقضاء على الموضوع المرغوب فيه، و هو بهذا لا يتجاوز ـ بلغة هيغل ـ مستوى الوجود الطبيعي الحيواني.
 من أطرف ما وقع لي:
 سألني تلميذ، بعد تعريف العنف المادي و توضيحه بأمثلة:
 ـ هل حدث أن تعرضت لاعتداء يا أستاذ؟
 ـ نعم. مرتين. لكن الأولى كانت أعنف، حيث تم خنقي بكيفية محترفة، فقدت معها الوعي و سُلبت كل ما أملك لحظتها.
 أثارت فضولهم هذه الصراحة، متسائلين: هل تعرّفت على الفاعل؟
 كلما التحق نزيل جديد، وإلا و طُرح علي السؤال التالي:
 ـ هل هو ذا من اعتدى عليك، أستاذ ؟

حالة من حالات أخرى:
 طلبت مني زميلة في العمل أن ألتحق بقسمها لأن تلامذتها يريدونني في أمر ما. لا يتعدى عددهم العشرة. علامات البؤس بادية على محياهم، الفاقة و الفقر عمّقا شقاءهم:
ـ ماذا تريدون مني؟
ـ أن تدرسنا الفلسفة.
ظننت في البدء أن الأمر مجرد شغب ينضاف لضروب الشغب الأخرى التي يتقنونها، تزعج الحراس و المدرسين. أعدت السؤال فكرّروا نفس الجواب.
كيف لهؤلاء النزلاء الذين لا يتعدى مستواهم الحقيقي محو الأمية، و الذين لا يتقنون القراءة و لا الكتابة ( مسالة وقفت عليها عند لقائي بهم ) أن يرغبوا في دراسة الفلسفة؟ ماذا يريدونها؟ و ماذا ينتظرون مني؟

التقيت بهم، في حصتين، استعنت بتجربة ماتيو ليبمانM. Lipmann ، عملت على الإنصات لهم و الإجابة عن تساؤلاتهم. لم أذكر أي فيلسوف. توخّيت البساطة في خطابي، منطلقا من تجربتهم و تساؤلاتهم.
 إن ما يرغب فيه فعلا هؤلاء لا الفلسفة في حد ذاتها، بل الحق في التعبير بكل حرية، من دون وصاية أو أبوية. عوض أن نجيب عن تساؤلاتهم، نطلب منهم الإجابة عن أسئلة لا تهمهم في شيء. إنهم بحكم تجربتهم ومعاناتهم يميزون جيدا بين سبل اندماجهم و طرق انحرافهم، و إن اختاروا الطريق الثاني فلأنه هو أقصر السبل و إن كان أشدها ضرراً. 

 اختلافات بين المؤسستين:
 اختلاف أول:
. يقبل الراشد، بحكم سنه، وضعه و يسلك وفق مقتضياته و متطلباته، بالمقابل يرفض القاصر وضعه بالتمرد عليه و عدم الامتثال لضوابطه، و إن حدث ذلك إنما يكون تحت الضغط و الإكراه. هكذا يسود الانضباط و الاحترام بين الكبار في الحالة الأولى ( لست معنياً بما يقع داخل الأجنحة ) مقابل لغة العنف و التسلط في الحالة الثانية.
 يلتحق الراشد بالدراسة رغبة في التحصيل والتعلم في أفق اندماج مجتمعي مرتقب، في حين أن الرغبة في الدراسة منعدمة عند أغلب القاصرين ( علينا أن نستحضر دائما أنه نتاج فشل المدرسة ) .القاصر مسكون بهاجس الإفراج و العودة لحياة ما قبل الاعتقال. إذ ما همّ كيف تكون هذه العودة، المهم أن تتحقق كيفما كان الثمن. إن زمن الاعتقال لا يحسب إلا في السجل العدلي للجانح.

 اختلاف ثاني:
رغبات القاصرين تعبير أمين عما حُرموا منه. إجاباتهم عن السؤال: في ماذا ترغب؟ إجابات مقتضبة، تلخص رغبة مُلحة في التعويض، لا مكان فيها لأية مصالحة، سواء مع الذات أو مع المجتمع. في حين اتسمت إجابات الكبار بنوع من النضج. أشارت، رغم تمركزها حول الرغبة في الحرية، لمصالحة مع الذات و المجتمع في أفق اندماج مرتقب.
 تجربة الحبس تجربة قاسية. يشتغل السجن ـ كما قال فوكو ـ من دون توقف، مفعوله التأديبي دائم مستمر. هذا ما عبّرت عنه كتابات بعض النزلاء الراشدين: ( السجن اغتصب شبابي. السجن عذاب و حرمان. السجن دمار لكل شيء جميل في الإنسان. السجن جحيم…)

 اختلاف ثالث:
طرحت، عند معالجتنا لمفهوم العدالة، السؤال التالي:
ـ هل تعتبر الحكم الصادر في حقك حكماً عادلاً؟
اعتبر جل القاصرين الأحكام الصادرة في حقهم عادلة، في حين كانت جائرة، بل مجحفة في نظر الراشدين. لماذا هذا الاختلاف؟ لم أستوعب الأمر في أول وهلة، لكن تبيّن لي فيما بعد أن ِرضا القاصرين مرده التخفيف الذي يمنحه القانون للحدث الجانح.” يعتبر الحدث الذي يتجاوز سن اثنتي عشرة سنة و إلى غاية بلوغه ثمان عشرة سنة مسؤولا مسؤولية ناقصة بسبب عدم اكتماله ” ( المسطرة الجنائية المادة 485 ). لا يعني هذا استيعاب القاصر للدور التأديبي للحكم، بل بالعكس، تعرف ظاهرة العود ارتفاعاً في وتيرتها. أصادف من حين لآخر في الممرات بعضا من تلامذتي، عادوا مجددا للسجن، لا تبدو عليهم علامات الخيبة و الندم.
العلاقة بالفلسفة
 

هذه انطباعات بعض النزلاء:
 ـ فتحت الفلسفة أمامي آفاق التفكير المعقلن. كانت بالنسبة لي متنفسا نعبر فيه عن آرائنا و أفكارنا. علمتنا أن الفرد هو الوحيد المسؤول عن مصيره و حياته و طريقة عيشه. أغلقت أبواب الهم و الحزن في حياتي بالسجن. الفلسفة صعبة لكنها ممتعة…

 الهوامش:
1- مصطفى نشاط: السجن و السجناء. منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان. 2012 . ص 10
2- محمد أزيزبي: واقع السجون المغربية و أهدافها الإصلاحية. أفريقيا الشرق. 2006 ص 17 
3- المجلس الوطني لحقوق الإنسان: أزمة السجون. مسؤولية مشتركة. 2012 
4- M. Foucault : surveiller et punir. Gallimard. Folio.2008. p 171 
5- M. Foucault. Op cité. P 269 .
6- Jean Houssaye : Le triangle pédagogique. Berne. Ch. 1
7- أفلاطون: الجمهورية. ترجمة فؤاد زكريا. ص 217 .
8- بوئيتيوس: عزاء الفلسفة. ترجمة عادل عثمان. دار رؤية. 2008 . ص 85 .
9- باربرا ويتمر: الأنماط الثقافية للعنف. ترجمة ممدوح عمران. عالم المعرفة 337 ص 175.
10- D. Lhuilier : Dans l’enfer des prisons. In Science
Humaines. Violences. HS. Fév2005. p 40

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق